قال ( وإذا دفع المضارب المال إلى غيره مضاربة ولم يأذن له رب المال لم يضمن بالدفع ولا يتصرف المضارب الثاني حتى يربح ، فإذا ربح ضمن الأول لرب المال ) وهذا رواية الحسن عن nindex.php?page=showalam&ids=11990أبي حنيفة . وقال nindex.php?page=showalam&ids=14954أبو يوسف nindex.php?page=showalam&ids=16908ومحمد : إذا عمل به ضمن ربح أو لم يربح ، وهذا ظاهر الرواية . وقال nindex.php?page=showalam&ids=15922زفر رحمه الله : يضمن بالدفع عمل أو لم يعمل ، وهو رواية عن nindex.php?page=showalam&ids=14954أبي يوسف رحمه الله لأن المملوك له الدفع على وجه الإيداع ، وهذا الدفع على وجه المضاربة .
ولهما أن الدفع إيداع حقيقة ، وإنما يتقرر كونه للمضاربة بالعمل فكان الحال مراعى قبله . nindex.php?page=showalam&ids=11990ولأبي حنيفة [ ص: 462 ] أن الدفع قبل العمل إيداع وبعده إبضاع ، والفعلان يملكهما المضارب فلا يضمن بهما ، إلا أنه إذا ربح فقد أثبت له شركة في المال فيضمن كما لو خلطه بغيره ، وهذا إذا كانت المضاربة صحيحة ، فإن كانت فاسدة لا يضمنه الأول ، وإن عمل الثاني لأنه أجير فيه وله أجر مثله فلا تثبت الشركة به .
ثم ذكر في الكتاب يضمن الأول ولم يذكر الثاني . وقيل ينبغي أن لا يضمن الثاني عند nindex.php?page=showalam&ids=11990أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يضمن بناء على اختلافهم في مودع المودع . وقيل رب المال بالخيار إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني بالإجماع [ ص: 463 ] وهو المشهور ، وهذا عندهما ظاهر وكذا عنده ، ووجه الفرق له بين هذه وبين مودع المودع أن المودع الثاني يقبضه لمنفعة الأول فلا يكون ضامنا ، أما المضارب الثاني يعمل فيه لنفع نفسه فجاز أن يكون ضامنا . ثم إن ضمن الأول صحت المضاربة بين الأول وبين الثاني وكان الربح بينهما على ما شرطا لأنه ظهر أنه ملكه بالضمان من حين خالف بالدفع إلى غيره لا على الوجه الذي رضي به فصار كما إذا دفع مال نفسه ، وإن ضمن الثاني رجع على الأول بالعقد لأنه عامل له كما في المودع ولأنه مغرور من جهته في ضمن العقد .
وتصح المضاربة والربح بينهما على ما شرطا لأن قرار الضمان على الأول فكأنه ضمنه ابتداء ، ويطيب الربح للثاني ولا يطيب للأعلى لأن الأسفل يستحقه بعمله ولا خبث في العمل ، والأعلى يستحقه بملكه المستند بأداء الضمان ولا يعرى عن نوع خبث .
قال ( فإذا دفع رب المال مضاربة بالنصف وأذن له بأن يدفعه إلى غيره فدفعه بالثلث وقد تصرف الثاني وربح ، فإن كان رب المال قال له على أن ما رزق الله فهو بيننا نصفان فلرب المال النصف وللمضارب الثاني الثلث وللمضارب الأول السدس ) لأن الدفع إلى الثاني مضاربة قد صح لوجود الأمر به من جهة المالك ورب المال شرط لنفسه نصف جميع ما رزق الله تعالى فلم يبق للأول إلا النصف فيتصرف تصرفه إلى نصيبه وقد جعل من ذلك بقدر ثلث الجميع للثاني فيكون له فلم يبق إلا السدس ، ويطيب لهما ذلك لأن فعل الثاني واقع للأول كمن استؤجر على خياطة ثوب بدرهم واستأجر غيره عليه بنصف [ ص: 464 ] درهم ( وإن كان قال له على أن ما رزقك الله فهو بيننا نصفان فللمضارب الثاني الثلث والباقي بين المضارب الأول ورب المال نصفان ) لأنه فوض إليه التصرف وجعل لنفسه نصف ما رزق الأول وقد رزق الثلثين فيكون بينهما ، بخلاف الأول لأنه جعل لنفسه نصف جميع الربح فافترقا ( ولو كان قال له فما ربحت من شيء فبيني وبينك نصفان وقد دفع إلى غيره بالنصف فللثاني النصف والباقي بين الأول ورب المال ) لأن الأول شرط للثاني نصف الربح وذلك مفوض إليه من جهة رب المال فيستحقه .
لأنه جعل لنفسه نصف مطلق الفضل فينصرف شرط الأول النصف للثاني إلى جميع نصيبه فيكون للثاني بالشرط ويخرج الأول بغير شيء ، كمن استؤجر ليخيط ثوبا بدرهم فاستأجر غيره ليخيطه بمثله ( وإن شرط للمضارب الثاني ثلثي الربح فلرب المال النصف وللمضارب الثاني النصف ويضمن المضارب الأول للثاني سدس الربح في ماله ) لأنه شرط للثاني شيئا هو مستحق لرب المال فلم ينفذ في حقه لما فيه من الإبطال ، لكن التسمية في نفسها صحيحة لكون المسمى معلوما في عقد يملكه وقد ضمن له السلامة فيلزمه الوفاء به ، ولأنه غره في ضمن العقد وهو سبب الرجوع فلهذا يرجع عليه ، وهو نظير من استؤجر لخياطة ثوب بدرهم فدفعه إلى من يخيطه بدرهم ونصف .
فتح القدير
[ ص: 461 ] ( باب المضارب يضارب )
لما ذكر حكم المضاربة الأولى ذكر في هذا الباب حكم المضاربة الثانية ؛ إذ الثانية تتلو الأولى أبدا فكذا بيان حكمها كذا في النهاية ومعراج الدراية وهو المختار عندي وذكر فيهما وجه آخر أيضا هو أن المضاربة مفردة ومضاربة المضارب مركبة والمركب يتلو المفرد أبدا واختاره صاحب الغاية والعناية .
أقول : فيه تعسف ؛ لأن مضاربة المضارب وإن كانت بعد مضاربة رب المال إلا أنها مفردة أيضا غير مركبة من المضاربتين قطعا ألا ترى أن الثاني أبدا يتلو الأول ولكنه ليس بمركب من الأول .
[ ص: 462 ] ومن نفسه قطعا ، وإنما المركب منهما الاثنان : نعم إن مضاربة المضارب لما اقتضت المضاربة الأولى جاز أن يحصل من مجموعهما أمر مركب في العقل لكنه ليس بمدار الحكم في هذا الباب، كما لا يخفى على ذوي الألباب .
( قوله : وبعده إبضاع ) . قال بعض الفضلاء : فيه بحث ، والظاهر أن يقول : توكيل، كما في شرح الكنز للعلامة الزيلعي، اهـ.
أقول : ليس الأمر، كما فهمه فإن المحكوم عليه هاهنا بأنه إبضاع إنما هو الدفع لا عقد المضاربة : والذي ينافي الإبضاع ويلائم التوكيل إنما هو عقد المضاربة لا الدفع نفسه ، فإنه إنما يلائم الإيداع قبل العمل والإبضاع بعده لا التوكيل ؛ لأن التوكيل تفويض التصرف لأجل الموكل إلى غيره ، وهذا المعنى لا يحصل من الدفع نفسه ، بخلاف عقد المضاربة، كما لا يخفى .
وأما ما في شرح الكنز للعلامة الزيلعي فلم يحكم على الدفع نفسه بأنه توكيل فإنه قال فيه : ووجه المروي عن nindex.php?page=showalam&ids=11990أبي حنيفة أن العقد المجرد لا يوجب الضمان ، ولهذا لا يضمن الفضولي بمجرد بيع مال الغير ولا بالتسليم لأجل التصرف ؛ لأنه إيداع وهو يملك ذلك ولا بالتصرف ؛ لأنه وكيل فيه على ما بينا من قبل ، اهـ .
ولا يخفى أن المفهوم منها أن المضارب وكيل ؛ لأن الدفع نفسه توكيل . ولا كلام في أن المضارب وكيل بحكم عقد المضاربة ، وأما أنه وكيل بحكم الدفع فقط فلم يقل به أحد .
( قوله : وهذا إذا كانت المضاربة صحيحة ) . قال في النهاية ومعراج الدراية : أي : الضمان عليهما عند الربح أو العمل على الاختلاف الذي ذكرنا فيما إذا كانت المضاربة صحيحة . وقال في العناية وشرح العيني ، أي : وجوب الضمان على الأول أو عليهما بالربح أو العمل على ما ذكرنا إذا كانت المضاربة صحيحة .
أقول : لا يحتمل أن يكون المشار إليه بهذا هاهنا وجوب الضمان عليهما ، أي : على المضارب الأول والثاني ، بل كون المشار إليه به هنا هو الضمان على الأول متعين ؛ لأن المذكور في الكتاب هو ضمان الأول لا غير . ولم يمر من المصنف إلى الآن شيء يشعر بضمان الثاني أيضا فكيف يصح أن يجعل كلمة هذا هاهنا إشارة إلى الضمان عليهما . وشأن اسم الإشارة أن يشار به إلى المحسوس المشاهد أو ما هو بمنزلة المحسوس المشاهد على ما عرف في محله . ووجوب الضمان على الثاني مما لم تشم رائحته قط إلى الآن فضلا عن أن يجعل بمنزلة المحسوس المشاهد ، على أن المصنف هاهنا بصدد بيان ما ذكر في الكتاب من ضمان الأول لرب المال ، وأما أن الثاني هل يضمن أيضا أم لا فيبينه بعد مفصلا
[ ص: 463 ] بقوله ثم ذكر في الكتاب يضمن الأول ولم يذكر الثاني... إلخ. فهو هاهنا بمعزل عنه .
( قوله : لأنه ملكه بالضمان من حين خالف بالدفع إلى غيره لا على الوجه الذي رضي به فصار، كما إذا دفع مال نفسه ) .
أقول : لقائل أن يقول : هذا التعليل إنما يتمشى على قول nindex.php?page=showalam&ids=15922زفر ؛ لأن تحقق المخالفة بالدفع إلى الغير إنما هو قول nindex.php?page=showalam&ids=15922زفر وعند nindex.php?page=showalam&ids=14954أبي يوسف nindex.php?page=showalam&ids=16908ومحمد رحمهما الله تعالى لا تتحقق المخالفة بالدفع ما لم يعمل. وعند nindex.php?page=showalam&ids=11990أبي حنيفة رحمه الله لا تتحقق بالدفع ولا بالعمل ما لم يربح وقد مر ذلك كله ولا يخفى أن الأهم بالبيان .
[ ص: 464 ] والتعليل هاهنا قول nindex.php?page=showalam&ids=11990أبي حنيفة لكونه المذكور في الكتاب، ثم قولهما لكونه ظاهر الرواية فلا ينبغي أن يساق التعليل على وجه يختص بقول nindex.php?page=showalam&ids=15922زفر : فليتأمل في التوجيه .