صفحة جزء
الهداية شرح بداية المبتدي

وقال زفر : تفسد المضاربة لأن رب المال متصرف في مال نفسه فلا يصلح وكيلا فيه فيصير مستردا ولهذا لا تصح إذا شرط العمل عليه ابتداء . ولنا أن التخلية فيه قد تمت وصار التصرف حقا للمضارب فيصلح رب المال وكيلا عنه في التصرف والإبضاع توكيل منه فلا يكون استردادا ، بخلاف شرط العمل عليه في الابتداء لأنه يمنع التخلية ، وبخلاف ما إذا دفع المال إلى رب المال مضاربة حيث لا يصح لأن المضاربة تنعقد شركة على مال رب المال وعمل المضارب ولا مال هاهنا ، فلو جوزناه يؤدي إلى قلب الموضوع ، وإذا لم تصح بقي عمل رب المال بأمر المضارب فلا تبطل به المضاربة الأولى .

قال: ( وإذا عمل المضارب في المصر [ ص: 475 ] فليست نفقته في المال ، وإن سافر فطعامه وشرابه وكسوته وركوبه ) ومعناه شراء وكراء في المال .

ووجه الفرق أن النفقة تجب بإزاء الاحتباس كنفقة القاضي ونفقة المرأة ، والمضارب في المصر ساكن بالسكنى الأصلي ، وإذا سافر صار محبوسا بالمضاربة فيستحق النفقة فيه ، وهذا بخلاف الأجير لأنه يستحق البدل لا محالة فلا يتضرر بالإنفاق من ماله ، أما المضارب فليس له إلا الربح وهو في حيز التردد ، فلو أنفق من ماله يتضرر به ، وبخلاف المضاربة الفاسدة لأنه أجير ، وبخلاف البضاعة لأنه متبرع .

قال ( فإن بقي شيء في يده بعدما قدم مصره رده في المضاربة ) لانتهاء الاستحقاق ، ولو كان خروجه دون السفر فإن كان بحيث يغدو ثم يروح فيبيت بأهله فهو بمنزلة السوقي في المصر ، وإن كان بحيث لا يبيت بأهله فنفقته في مال المضاربة لأن خروجه للمضاربة ، والنفقة هي ما يصرف إلى الحاجة الراتبة وهو ما ذكرنا ، ومن ذلك غسل ثيابه وأجرة أجير يخدمه وعلف دابة يركبها والدهن في موضع يحتاج إليه عادة كالحجاز ، وإنما يطلق في جميع ذلك بالمعروف حتى يضمن الفضل إن جاوزه اعتبارا للمتعارف بين التجار . قال ( وأما الدواء ففي ماله ) في ظاهر الرواية .

وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يدخل في النفقة لأنه لإصلاح بدنه ولا يتمكن من التجارة إلا به فصار كالنفقة ، وجه الظاهر أن الحاجة إلى النفقة معلومة الوقوع وإلى الدواء بعارض المرض ، ولهذا كانت نفقة المرأة على [ ص: 476 ] الزوج ودواؤها في مالها . قال ( وإذا ربح أخذ رب المال ما أنفق من رأس المال ، فإن باع المتاع مرابحة حسب ما أنفق على المتاع من الحملان ونحوه ، ولا يحتسب ما أنفق على نفسه ) لأن العرف جار بإلحاق الأول دون الثاني ، ولأن الأول يوجب زيادة في المالية بزيادة القيمة والثاني لا يوجبها .

قال ( فإن كان معه ألف فاشترى بها ثيابا فقصرها أو حملها بمائة من عنده وقد قيل له اعمل برأيك فهو متطوع ) لأنه استدانة على رب المال فلا ينتظمه هذا المقال على ما مر ( وإن صبغها أحمر فهو شريك بما زاد الصبغ فيه ولا يضمن ) لأنه عين مال قائم به حتى إذا بيع كان له حصة الصبغ وحصة الثوب الأبيض على المضاربة بخلاف القصارة والحمل لأنه ليس بعين مال قائم به ، ولهذا إذا فعله الغاصب ضاع ولا يضيع إذا صبغ المغصوب ، وإذا صار شريكا بالصبغ انتظمه قوله اعمل برأيك انتظامه الخلطة فلا يضمنه .
فتح القدير

( قوله : وقال زفر : تفسد المضاربة ؛ لأن رب المال متصرف في مال نفسه فلا يصلح وكيلا فيه فيصير مستردا ، ولهذا لا تصح إذا شرط العمل عليه ابتداء ) . قال صاحب العناية في شرح هذا المقام : قال زفر : رب [ ص: 475 ] المال تصرف في مال نفسه بغير توكيل إذا لم يصرح به فيكون مستردا للمال ولهذا لا يصلح اشتراط العمل عليه ابتداء.

أقول : هذا الشرح لا يطابق المشروح فإن الظاهر منه أن علة فساد المضاربة عند زفر في مسألتنا هذه كون تصرف رب المال في مال نفسه بغير توكيل بناء على عدم تصريح المضارب بالتوكيل فيفهم منه أن المضارب لو صرح بالتوكيل تصح المضاربة عنده أيضا في هذه المسألة وليس كذلك ، والظاهر من الشروح أن علة ذلك عنده كون رب المال متصرفا في مال نفسه غير صالح لأن يكون وكيلا فيه بناء على أن المرء لا يصلح وكيلا لغيره فيما يعمل في ملك نفسه ، ولقد أفصح عنه صاحب الكافي ؛ حيث قال : قال زفر : تفسد المضاربة ؛ لأن رب المال متصرف في مال نفسه فلا يصلح وكيلا فيه، فإن المرء فيما يعمل في ملكه لا يصلح [ ص: 476 ]

وكيلا لغيره فصار مستردا، انتهى .

( قوله : فإن كان معه ألف فاشترى بها ثيابا فقصرها أو حملها بمائة من عنده وقد قيل له : اعمل برأيك فهو متطوع ) . قال صاحب العناية : وإنما ذكرها بعد ما مر تمهيدا لقوله وإن صبغها أحمر فهو شريك بما زاد الصبغ .

أقول : هذا الكلام منه ليس بشيء ؛ لأنه إن أراد أن هذه المسألة مرت بعينها وخصوصها فليس كذلك قطعا ، وإن أراد أنها مرت في ضمن الأصل المذكور فما مر ؛ حيث اندرجت تحت النوع الثالث من ذلك الأصل فهو مسلم ولكن المسألة الثانية أيضا مرت بهذا المعنى ؛ حيث اندرجت تحت النوع الثاني من ذلك الأصل فلا وجه لجعل الأولى تمهيدا للثانية مع الاشتراك في المرور بالمعنى المزبور ، بل لم تكن مسألة من مسائل ما يفعله المضارب خارجة من أحد أنواع ذلك الأصل فيلزم التكرار في كل واحدة منهما على ما زعمه فالحق أن كل واحدة من هاتين المسألتين مقصورة بالبيان هاهنا من حيث خصوصيتهما كسائر المسائل ، ولا ينافيه اندراجهما تحت أصل كلي مار ، كيف وتفريع الفروع على الأصول من هذا القبيل مع أنه المسلك المعتاد في عامة المواقع .

( قوله : وإذا صار شريكا بالصبغ انتظمه قوله : اعمل برأيك انتظامه الخلطة فلا يضمنه ) . قال في العناية : فإن قيل: المضارب لما لم يكن له ولاية الصبغ كان به مخالفا غاصبا فيجب أن يضمن كالغاصب بلا تفاوت بينهما .

أجيب بأن الكلام في مضارب قيل له: اعمل برأيك وذلك يتناول الخلط ، وبالصبغ اختلط ماله بمال المضارب فصار شريكا فلم يكن غاصبا فلا يضمن . وقال : وبهذا اندفع ما قيل: المضارب إما أن يكون مأذونا بهذا الفعل أو غير مأذون ، فإن كان مأذونا وقع على المضاربة وإن لم يكن ضمن المضارب كالغاصب لما تبين أنه خرج عن كونه غاصبا لكنه لم يقع على المضاربة ؛ لأن فيه استدانة على المالك وليس له ولاية ذلك، اهـ كلامه .

أقول : في آخر كلامه اضطراب ؛ لأن الظاهر من تعليل اندفاع ما قيل بقوله : لما تبين أنه خرج عن [ ص: 477 ] كونه غاصبا، أنه اختار كونه غير مأذون ؛ لأن كونه غاصبا إنما جعل فيما قبل فرعا لكونه غير مأذون : فتعليل اندفاع ذلك بتبين أنه خرج عن كونه غاصبا يقتضي اختيار كونه غير مأذون فحينئذ لم يحتج إلى ذكر قوله : لكنه لم يقع على المضاربة... إلخ؛ لأن وقوعه على المضاربة إنما جعل فيما قبل فرعا لكونه مأذونا ، فإذا اختار كونه غير مأذون كان استدراك عدم وقوعه على المضاربة مستدركا .

فإن قلت : مراده أن لفعل المضارب هاهنا وهو صبغها أحمر جهتين مختلفتين أولاهما خلط مال المضاربة بمال نفسه ، وثانيتهما الاستدانة على المالك ، وأن المضارب مأذون بهذا الفعل وغير مأذون باعتبار تينك الجهتين المختلفتين ، كما ذكره صاحب النهاية وفصله بما لا مزيد عليه .

قلت : مع عدم مساعدة آخر كلام هذا الشارح ، ولا أوله الذي أشار إليه بقوله : وبهذا اندفع لذلك التوجيه الذي ذكره صاحب النهاية وفصله ليس ذلك بتام في نفسه ؛ إذ لا يرى وجه يقتضي أن يكون لفعل المضارب هذا جهة الاستدانة على المالك على أن الجهتين المذكورتين متضادتان لا يمكن اجتماعهما في فعل واحد حتى يصير المضارب باعتبارهما مأذونا في فعله هذا أو غير مأذون .

ثم أقول : الصواب عندي في دفع ما قيل: المضارب إما أن يكون بهذا الفعل مأذونا أو غير مأذون... إلخ. أن نختار كونه مأذونا به بقوله : اعمل برأيك ويمنع وقوعه على المضاربة حينئذ ؛ إذ الإذن المذكور ليس بمقصور على أن يتصرف المضارب في مال المضاربة وحده ، بل يعم التصرف في مال المضاربة منفردا أو منضما إلى غيره مما له جهة في التثمير كخلط مال المضاربة بماله أو بمال غيره على ما تقرر في بيان النوع الثاني من الأصل المار ذكره ، وقد أشار إليه المصنف هاهنا بقوله : وإذا صار شريكا بالصبغ انتظمه قوله : اعمل برأيك انتظامه الخلطة فلا يضمنه تدبر .

التالي السابق


الخدمات العلمية