صفحة جزء
( وإن أعتق عبدا نفذ عتقه عندهما ) . وعند الشافعي لا ينفذ . والأصل عندهما أن كل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه إلخ وما لا فلا ، لأن السفيه في معنى الهازل من حيث إن الهازل يخرج كلامه لا على نهج كلام العقلاء لاتباع الهوى ومكابرة العقل لا لنقصان في عقله ، فكذلك السفيه والعتق مما لا يؤثر فيه الهزل فيصح منه [ ص: 265 ] والأصل عنده أن الحجر بسبب السفه بمنزلة الحجر بسبب الرق حتى لا ينفذ بعده شيء من تصرفاته إلا الطلاق كالمرقوق ، والإعتاق لا يصح من الرقيق فكذا من السفيه ( و ) إذا صح عندهما ( كان على العبد أن يسعى في قيمته ) لأن الحجر لمعنى النظر وذلك في رد العتق إلا أنه متعذر فيجب رده برد القيمة كما في الحجر على المريض . وعن محمد أنه لا تجب السعاية لأنها لو وجبت إنما تجب حقا لمعتقه والسعاية ما عهد وجوبها في الشرع إلا لحق غير المعتق ( ولو دبر عبده جاز ) لأنه يوجب حق العتق فيعتبر بحقيقته إلا أنه لا تجب السعاية ما دام المولى حيا لأنه باق على ملكه


( قوله والأصل عندهما أن كل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الحجر وما لا فلا ، إلى قوله : والعتق مما لا يؤثر فيه الهزل فيصح منه ) قال في العناية : وفيه بحث من أوجه : الأول أن السفيه لو حنث في يمينه وأعتق رقبة لم ينفذه القاضي ، وكذا لو نذر بهدي أو غيره لم ينفذه .

فهذا مما لا يؤثر فيه الهزل بقوله عليه الصلاة والسلام { ثلاث جدهن جد وهزلهن جد } وقد أثر فيه الحجر بالسفه . والثاني أن الهازل إذا أعتق عبده عتق ولم تجب عليه سعاية والمحجور بالسفه إذا أعتقه وجب عليه السعاية ، فالهزل لم يؤثر في وجوب السعاية والحجر أثر فيه . والثالث أن التعليل المذكور إنما يصح في حق السفيه لا في حق الهازل .

والصحيح فيه أن يقال لقصده اللعب به دون ما وضع الكلام له لا لنقصان في العقل . والجواب عن الأول أن القضاء بالحجر عن التصرفات المالية فيما يرجع إلى الإتلاف يستلزم عدم تنفيذ الكفارات والنذور ، لأن في تنفيذهما إضاعة المقصود من الحجر لإمكان أن يتصرف في جميع ماله باليمين والحنث والنذر . وعن الثاني ما سيجيء في الكتاب . وعن الثالث أن قصد اللعب بالكلام وترك ما وضع له من مكابرة العقل واتباع الهوى فلا فرق بينهما ا هـ .

أقول : في الجواب عن الأول وعن الثاني على [ ص: 265 ] الوجه المذكور بحث أيضا . أما في الجواب عن الأول فلأن حاصل ذلك الجواب بيان وجه عدم تنفيذ الكفارات والنذور الواقعة من السفيه ، وهذا لا يجدي شيئا في دفع البحث الأول ، لأن حاصل ذلك البحث كما ترى نقض كلية قولهما إن كل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الحجر ، وما لا فلا ، بعدم تنفيذ القاضي تصرف السفيه في الكفارات والنذور مع عدم تأثير الهزل في شيء منهما ، فما ذكر في الجواب يقوي البحث فضلا عن أن يدفعه .

وأما في الجواب عن الثاني فلأن ما سيجيء في الكتاب هو قول المصنف ، لأن الحجر لمعنى النظر ، وذلك في رد العتق إلا أنه متعذر فيجب رده برد القيمة كما في الحجر على المريض ، ولا يذهب عليك أن هذا أيضا لا يدفع نقض الكلية المعتبرة في أصلهما كما هو حاصل البحث الثاني أيضا ، بل يقويه كما عرفت آنفا .

ثم إن بعض الفضلاء أورد على قول صاحب العناية في البحث الثالث ، والصحيح فيه أن يقال لقصده اللعب به دون ما وضع الكلام له حيث قال فيه بحث ، إذ هذا المعنى لا يوجد في السفيه ولا بد من الاشتراك ا هـ . أقول : كأنه غلط في الاستخراج فتوهم أن الضمير المجرور في قوله والصحيح فيه راجع إلى التعليل . فاعترض أنه لا بد من تمام التعليل هاهنا من الاشتراك في العلة ، وهذا المعنى يعني قصد اللعب دون ما وضع الكلام له لا يوجد في السفيه ، كما أن المعنى المذكور [ ص: 266 ] في الكتاب لا يوجد في الهازل على زعم صاحب البحث الثالث ، ولكن لا يخفى على الفطن أن الضمير المزبور راجع إلى حق [ ص: 267 ] الهازل في قوله لا في حق الهازل .

فالمعنى والذي يصح في حق الهازل أن يقال لقصده اللعب به دون ما وضع الكلام له لا ما ذكر [ ص: 268 ] في الكتاب ، فإنه إنما يصح في حق السفيه فقط ، فحينئذ لا يكون لبحث ذلك القائل وجه كما لا يخفى

التالي السابق


الخدمات العلمية