صفحة جزء
( وكذا يجوز للرجل النظر إلى موضع الاحتقان من الرجل ) [ ص: 27 ] لأنه مداواة ويجوز للمرض وكذا للهزال الفاحش على ما روي عن أبي يوسف ; لأنه أمارة المرض . قال ( وينظر الرجل من الرجل إلى جميع بدنه إلا ما بين سرته إلى ركبته ) لقوله عليه الصلاة والسلام { عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته } ويروى { ما دون سرته حتى يجاوز ركبتيه } وبهذا ثبت أن السرة ليست بعورة خلافا لما يقوله أبو عصمة والشافعي ، والركبة عورة خلافا لما قاله الشافعي ، والفخذ عورة خلافا لأصحاب الظواهر ، وما دون السرة إلى منبت الشعر عورة خلافا لما يقوله الإمام أبو بكر محمد بن الفضل الكماري [ ص: 28 ] معتمدا فيه العادة ; لأنه لا معتبر بها مع النص بخلافه ، وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال { الركبة من العورة } وأبدى الحسن بن علي رضي الله عنه سرته فقبلها أبو هريرة رضي الله عنه [ ص: 29 ] وقال لجرهد : { وار فخذك ، أما علمت أن الفخذ عورة ؟ } ولأن الركبة ملتقى عظم الفخذ والساق فاجتمع المحرم والمبيح وفي مثله يغلب المحرم ، وحكم العورة في الركبة أخف منه في الفخذ ، وفي الفخذ أخف منه في السوأة ، حتى أن كاشف الركبة ينكر عليه برفق وكاشف الفخذ يعنف عليه وكاشف السوءة يؤدب إن لج


( قوله وينظر الرجل من الرجل إلى جميع بدنه إلا ما بين سرته إلى ركبته ) قال صاحب العناية : هذا هو القسم الثاني من أصل التقسيم . أقول : ليس الأمر كذلك ، بل هو القسم الثالث منه كما لا يشتبه على من نظر إلى تقسيمه في صدر هذا الفصل ( قوله وبهذا ثبت أن السرة ليست بعورة خلافا لما يقوله أبو عصمة والشافعي ) قال صاحب النهاية : وأبو عصمة هو سعد بن معاذ المروزي ، فإنه يقول : إن السرة [ ص: 28 ] أحد حدي العورة فتكون من العورة كالركبة . ثم قال : وقوله والشافعي بالعطف على أبي عصمة في إثبات أن السرة عورة عندهما كأنه وقع سهوا لوجهين : أحدهما ما ذكرنا من تعليل أبي عصمة في إثبات أن السرة عورة بقوله إنها أحد حدي العورة فتكون عورة كالركبة ، فإن هذا التعليل إنما يستقيم لمن يقول بأن الركبة عورة والشافعي لا يقول بكون الركبة عورة . والثاني أن الشافعي علل في إثبات أن الركبة ليست من العورة بقوله إنها حد للعورة فلا تكون من العورة كالسرة ; لأن الحد لا يدخل في المحدود ، وهذا تنصيص منه على أن السرة ليست بعورة ا هـ .

ورد عليه صاحب العناية حيث قال : قيل عطف الشافعي على أبي عصمة غير مستقيم ; لأن هذا التعليل إنما يستقيم على قول من يقول الركبة عورة وهو لا يقول به ، وهذا ساقط ; لأن المصنف لم يعلل بهذا التعليل في هذا الكتاب ، وإنما ذكر المذهب فيجوز أن يكون مذهبهما واحدا والمأخذ متعددا ، فالمذكور يكون تعليلا لأبي عصمة ، وتعليل الشافعي غير ذلك وهو أن السرة محل الاشتهاء انتهى .

أقول : قد ذكر صاحب النهاية لعدم استقامة العطف المزبور وجهين ، وقد نقل صاحب العناية أحد ذينك الوجهين وأجاب عنه كما ترى ، ولم يتعرض للوجه الآخر أصلا فكأنه لم يظفر بالجواب عنه فبقي الإشكال في العطف الواقع في كلام المصنف من ذلك الوجه ولا بد من دفعه . فأقول : في الجواب القاطع لعرق الإشكال : إن في السرة والركبة ثلاث روايات عن الشافعي : إحداها أن السرة عورة والركبة ليست بعورة كما هو مدلول كلام المصنف هاهنا وفي كتاب الصلاة أيضا . والثانية أنهما ليستا بعورة كما ذكر في وجيز الشافعية . والثالثة أنهما عورة . وذكر صاحب الغاية هاتين الأخيرتين وقال : للأولى منهما . وهذا أصح الوجهين . وإذ قد تقرر هذا فجاز أن يكون تعليل الشافعي في إثبات أن الركبة ليست من العورة بقوله إنها حد للعورة فلا تكون من العورة كالسرة مبنيا على قوله في الرواية الثانية ، وهذا لا ينافي اشتراكه مع أبي عصمة في قوله الآخر الواقع في الرواية الثالثة عنه ، بل لا ينافي أيضا اشتراكه معه في تعليله بقوله إنها أحد حدي العورة فتكون عورة كالركبة بناء على ذلك القول فلا محذور في العطف المذكور أصلا تأمل تقف .

( قوله وأبدى الحسن بن علي رضي الله عنهما سرته فقبلها أبو هريرة ) هذا جواب عن قول أبي عصمة والشافعي أخرجه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والبيهقي في سننه عن ابن عون عن عمر بن إسحاق قال : كنت أمشي مع الحسن بن علي رضي الله عنهما في بعض طرق المدينة ، فلقينا أبو هريرة ، فقال للحسن : اكشف لي عن بطنك جعلت فداءك حتى أقبل حيث رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله ، قال : فكشف عن بطنه فقبل سرته . ولو كانت من العورة لما كشفها . قال الشارح العيني بعد بيان هذا المحل بهذا المنوال : وفي معجم الطبراني خلاف هذا : حدثنا أبو مسلم الكشي ، حدثنا أبو عاصم عن ابن عون عن عمير بن إسحاق ، أن أبا هريرة لقي الحسن بن علي رضي الله عنهم فقال له : ارفع ثوبك حتى أقبل حيث رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ، فرفع عن [ ص: 29 ] بطنه ووضع يده على سرته انتهى .

وقال بعض المتأخرين بعدما نقل ما ذكره العيني : قلت لا مخالفة بين الروايتين لإمكان الجمع بين المس والتقبيل . ولو سلم فذلك لا يضرنا بل يثبت مدعانا بالأولوية انتهى .

أقول : كأن ذلك البعض خبط في استخراج ما رواه الطبراني في معجمه حيث حسب أن معنى قوله ووضع يده على سرته ووضع أبو هريرة يده على سرة الحسن فبنى عليه عدم المخالفة بين الروايتين بإمكان الجمع بين المس والتقبيل : يعني أن وضع أبي هريرة يده على سرة الحسن مس لها ، وهو لا ينافي تقبيله إياها فلا مخالفة بينهما ، ثم بنى عليه أيضا كلامه التسليمي : يعني لو سلم المخالفة بينهما فما رواه الطبراني لا يضرنا ، بل يثبت مدعانا هاهنا وهو أن لا تكون السرة من العورة بالأولوية ، فإن عدم جواز مس العورة بوضع اليد عليها أولى من عدم جواز تقبيلها ، فإذا وضع أبو هريرة يده على سرة الحسن ولم يمنعه الحسن ثبت أن السرة ليست من العورة ، لكن لا يخفى على من له أدنى تمييز أن معنى قوله ووضع يده على سرته وضع الحسن بن علي يده على سرة نفسه ، وعن هذا قال : ووضع يده ، بالواو دون فوضع يده بالفاء كما قال في الرواية الأولى فقبل سرته ، والأسلوب المقرر في الحكاية عن الاثنين إدخال الفاء عند الانتقال إلى حكاية قول الآخر أو فعله أو ترك العاطف والسلوك مسلك الاستئناف كما في قوله تعالى { قالوا سلاما قال سلام } وإذ قد كان معنى رواية الطبراني ووضع الحسن يده على سرته كانت هذه الرواية مخالفة للرواية الأولى لعدم تيسر تقبيل سرة الحسن عند وضعه يده على سرته ، ثم إنه إن كان مقصود الحسن رضي الله عنه من وضع يده على سرته في رواية الطبراني التحرز عن انكشاف نفس السرة عند رفع ثوبه عن بطنه يشعر فعله المذكور بكون السرة من العورة وإن كان مقصوده منه التحرز عن انكشاف ما تحت السرة لا يدل فعله المذكور على كون نفس السرة من العورة فلم يحصل منه جزم بأحد الطرفين .

التالي السابق


الخدمات العلمية