صفحة جزء
[ ص: 284 ] فصل في الشجاج

قال ( الشجاج عشرة : الحارصة ) وهي التي تحرص الجلد : أي تخدشه ولا تخرج الدم ( والدامعة ) وهي التي تظهر الدم [ ص: 285 ] ولا تسيله كالدمع من العين ( والدامية ) وهي التي تسيل الدم ( والباضعة ) وهي التي تبضع الجلد أي تقطعه ( والمتلاحمة ) وهي التي تأخذ في اللحم ( والسمحاق ) وهي التي تصل إلى السمحاق وهي جلدة رقيقة بين اللحم وعظم الرأس ( والموضحة ) وهي التي توضح العظم أي تبينه ( والهاشمة ) وهي التي تهشم العظم : أي تكسره ( والمنقلة ) وهي التي تنقل العظم بعد الكسر : أي تحوله ( والآمة ) وهي التي تصل إلى أم الرأس وهو الذي فيه الدماغ . قال : ( ففي الموضحة القصاص إن كانت عمدا ) لما روي { أنه عليه الصلاة والسلام قضى بالقصاص في الموضحة } ولأنه يمكن أن ينتهي السكين إلى العظم فيتساويان فيتحقق القصاص . قال : ( ولا قصاص في بقية الشجاج ) لأنه لا يمكن اعتبار المساواة فيها لأنه لا حد ينتهي السكين إليه ، ولأن فيما فوق الموضحة كسر العظم ولا قصاص فيه ، وهذا رواية عن أبي حنيفة .

وقال محمد في الأصل وهو ظاهر الرواية : يجب القصاص فيما قبل الموضحة لأنه يمكن اعتبار المساواة فيه ، إذ ليس فيه كسر العظم ولا خوف هلاك غالب فيسبر غورها بمسبار ثم تتخذ حديدة بقدر ذلك فيقطع بها مقدار ما قطع فيتحقق استيفاء القصاص . قال ( وفيما دون الموضحة حكومة عدل ) لأنه ليس فيها أرش مقدر ولا يمكن إهداره فوجب اعتباره بحكم العدل ، [ ص: 286 ] وهو مأثور عن النخعي وعمر بن عبد العزيز . قال ( وفي الموضحة إن كانت خطأ نصف عشر الدية ، وفي الهاشمة عشر الدية ، وفي المنقلة عشر الدية ونصف عشر الدية ، وفي الآمة ثلث الدية ، وفي الجائفة ثلث الدية ، فإن نفذت فهما جائفتان ففيهما ثلثا الدية ) لما روي في كتاب عمرو بن حزم رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال { وفي الموضحة خمس من الإبل ، وفي الهاشمة عشر ، وفي المنقلة خمسة عشر ، وفي الآمة } ويروى { المأمومة ثلث الدية } وقال عليه الصلاة والسلام { في الجائفة ثلث الدية } وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه حكم في جائفة نفذت إلى الجانب الآخر بثلثي الدية ، ولأنها إذا نفذت نزلت منزلة جائفتين إحداهما من جانب البطن والأخرى من جانب الظهر وفي كل جائفة ثلث الدية فلهذا وجب في النافذة ثلثا الدية .

وعن محمد أنه جعل المتلاحمة قبل الباضعة وقال : هي التي يتلاحم فيها الدم ويسود . وما ذكرناه بدءا مروي عن أبي يوسف وهذا اختلاف عبارة لا يعود إلى معنى وحكم . .


( فصل في الشجاج ) .

لما كان الشجاج نوعا من أنواع ما دون النفس وتكاثرت مسائله اسما وحكما ذكره في فصل على حدة ، كذا في الشروح . قلت : لو ذكر المصنف لفظ الباب بدل لفظ الفصل في قوله فصل فيما دون النفس ثم ذكر الشجاج التي هي نوع من أنواع ما دون النفس في فصل وذكر سائر أنواعه التي ستجيء في الفصل الآتي في فصل آخر أيضا لكان أحسن وأوفق لما هو المعتاد في نظائره كما لا يخفى ( قوله والدامعة وهي التي تظهر الدم ولا تسيله كالدمع من العين والدامية وهي التي تسيل الدم ) أقول : تفسير الدامعة والدامية من الشجاج بهذا الوجه الذي ذكره المصنف ، وإن وقع في كثير من الكتب المعتبرة من الفقه كالبدائع والكافي وعامة الشروح واقتضاء ترتيب القدوري في مختصره حيث قدم الدامعة على الدامية وصرح به في شرحه لمختصر الكرخي ، إلا أنه منظور فيه عندي لأنه مخالف لما ذكر في عامة كتب اللغة الموثوق بها ، فإنه قال في المغرب : الدامعة من الشجاج هي التي يسيل منها الدم كدمع العين ، وقبلها الدامية وهي التي تدمي من غير أن يسيل منها دم انتهى . وقال في الصحاح : والدامعة من [ ص: 285 ] الشجاج بعد الدامية .

قال أبو عبيد : الدامية هي التي تدمي من غير أن يسيل منها دم ، فإذا سال منها الدم فهي الدامعة بالعين غير معجمة انتهى . وقال في القاموس : والدامعة من الشجاج بعد الدامية ا هـ . إلى غير ذلك من معتبرات كتب اللغة ، وسيجيء من المصنف التصريح بأن الحكم في الشجاج مرتب على الحقيقة اللغوية في الصحيح فلا مجال للحمل على الاصطلاح المحض . ثم أقول : الصحيح المطابق للغة في تفسير الدامية والدامعة من الشجاج وترتيبهما ما ذكر في المحيط البرهاني نقلا عن الطحاوي حيث قال فيه : اعلم أن أول الشجاج الحارصة بالحاء المهملة وهي التي تشق الجلد مأخوذ من قولهم حرص القصار الثوب إذا شقه في الدق ولا تدميه ، ثم الدامية وهي التي تخدش الجلد وتدميه ولا تسيل الدم ، هكذا ذكره الطحاوي وذكر شيخ الإسلام : هي التي تقشر الجلد وتدميه سواء كان سائلا أو غير سائل ، ثم الدامعة وهي التي تدمي وتسيل الدم ، هكذا ذكر الطحاوي في كتابه .

وذكر شيخ الإسلام : هي التي تسيل الدم أكثر مما يكون في الدامية من السيلان مأخوذ من دمع العين ، فكأنها سميت بهذا الاسم لأن الألم يصل إلى صاحبها فتدمع عيناه بسبب ما يجد من الألم ، إلى هنا لفظ المحيط فتبصر ( قوله والباضعة وهي التي تبضع الجلد : أي تقطعه ) أقول : في تفسير الباضعة بما ذكره المصنف فتور ، وإن تابعه صاحب الكافي وكثير من [ ص: 286 ] المتأخرين فيه ، لأن قطع الجلد متحقق في الصورة الأولى أيضا سيما في الدامعة والدامية ، إذ الظاهر أن شيئا من إظهار الدم وإسالته لا يتصور بدون قطع الجلد ، وقد صرح الشراح بتحقق قطع الجلد في كل من الأنواع العشرة للشجة فكان التفسير المذكور شاملا للكل غير مختص بالباضعة ، فالظاهر في تفسير الباضعة ما ذكر في المحيط والبدائع حيث قال في المحيط : ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم : أي تقطعه .

وقال في البدائع : والباضعة هي التي تبضع اللحم : أي تقطعه انتهى .

ويعضد ذلك ما وقع في معتبرات كتب اللغة ، فإنه قال في المغرب : وفي الشجاج الباضعة وهي التي جرحت الجلد وشقت اللحم انتهى . وقال في الصحاح : والباضعة : الشجة التي تقطع الجلد وتشق اللحم وتدمي إلا أنه لا يسيل الدم انتهى .

وقال في القاموس : والباضعة : الشجة التي تقطع الجلد وتشق اللحم شقا خفيفا وتدمي إلا أنها تسيل انتهى . لا يقال : فعلى هذا تشتبه الباضعة بالمتلاحمة ، فإنه قال في الكتاب : والمتلاحمة وهي التي تأخذ في اللحم ، وهذا في المآل عين ما نقلته عن المحيط والبدائع في تفسير الباضعة . لأنا نقول : من فسر الباضعة بما نقلناه من المعنى الظاهر لا يقول بتفسير المتلاحمة بما ذكر في الكتاب حتى يلزم الاشتباه بل يزيد عليه قيدا .

وعن هذا قال في المحيط : ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم : أي تقطعه . قال شيخ الإسلام : ولا تنزع شيئا من اللحم . ثم المتلاحمة وهي التي تقطع اللحم وتنزع شيئا من اللحم ، إلى هنا لفظ المحيط . وقال في البدائع : والباضعة هي التي تبضع اللحم : أي تقطعه ، والمتلاحمة هي التي تذهب في اللحم أكثر مما تذهب الباضعة فيه انتهى . وقال في المغرب : والمتلاحمة من الشجاج هي التي تشق في اللحم دون العظم ثم تتلاحم بعد شقها : أي تتلاءم وتتلاصق ا هـ . وقال في الصحاح : والمتلاحمة : الشجة التي أخذت في اللحم ولم تبلغ السمحاق انتهى . وقال في القاموس : وشجة متلاحمة أخذت فيه ولم تبلغ السمحاق انتهى ( قوله وفي الجائفة ثلث الدية ) قال في الإيضاح : الجائفة ما تصل إلى الجوف من الصدر والبطن والظهر والجنبين والاسم دليل عليه ، وما وصل من الرقبة إلى الموضع الذي إذا وصل إليه الشراب كان مفطرا ، وما فوق ذلك فليس بجائفة انتهى . وقال في النهاية ومعراج الدراية بعد نقل ذلك : فعلى هذا ذكر الجائفة هنا في مسائل الشجاج وقع اتفاقا ، وكذا [ ص: 287 ] قال في العناية نقلا عن النهاية . أقول : نعم على ما ذكر في الإيضاح يكون الأمر كذلك ، إلا أن المصنف تداركه حيث قال فيما بعد : وقالوا الجائفة تختص بالجوف جوف الرأس أو جوف البطن : يعني أنها لما تناولت ما في جوف الرأس أيضا كانت من الشجاج فيما إذا وقعت في الرأس فتدخل في مسائل الشجاج باعتبار ذلك فلا يكون ذكرها في فصل الشجاج مما وقع اتفاقا .

التالي السابق


الخدمات العلمية