صفحة جزء
قال ( وتجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه ، كماء المد والماء الذي اختلط به اللبن أو الزعفران أو الصابون أو الأشنان ) قال الشيخ الإمام : أجرى في المختصر ماء الزردج مجرى المرق ، والمروي عن أبي يوسف رحمه الله بمنزلة ماء الزعفران وهو الصحيح ، كذا اختاره الناطفي والإمام السرخسي رحمه الله . [ ص: 72 ] وقال الشافعي رحمه الله : لا يجوز التوضي بماء الزعفران وأشباهه مما ليس من جنس الأرض لأنه ماء مقيد ، ألا ترى أنه يقال ماء الزعفران بخلاف أجزاء الأرض ؟ لأن الماء لا يخلو عنها عادة ولنا أن اسم الماء باق على الإطلاق ألا ترى أنه لم يتجدد له اسم على حدة وإضافته إلى الزعفران كإضافته إلى البئر والعين ، ولأن الخلط القليل لا معتبر به لعدم إمكان الاحتراز عنه كما في أجزاء الأرض فيعتبر الغالب ، والغلبة بالأجزاء لا بتغير اللون هو الصحيح ، فإن تغير [ ص: 73 ] بالطبخ بعد ما خلط به غيره لا يجوز التوضي به لأنه لم يبق في معنى المنزل من السماء إذ النار غيرته إلا إذا طبخ فيه ما يقصد به المبالغة في النظافة كالأشنان ونحوه ، لأن الميت قد يغسل بالماء الذي أغلي بالسدر ، بذلك وردت السنة ، إلا أن يغلب ذلك على الماء فيصير كالسويق المخلوط لزوال اسم الماء عنه .


( قوله وقال الشافعي ) اعلم أن الاتفاق على أن الماء المطلق تزال به الأحداث أعني ما يطلق عليه ماء ، والمقيد لا يزيل لأن الحكم منقول إلى التيمم عند فقد المطلق في النص ، والخلاف في الماء الذي خالطه الزعفران ونحوه مبني على أنه تقيد بذلك أو لا فقال الشافعي وغيره : تقيد لأنه يقال ماء الزعفران ونحن لا ننكر أنه يقال ذلك ولكن لا يمتنع مع ذلك ما دام المخالط مغلوبا أن يقول القائل فيه هذا ماء من غير زيادة .

وقد رأيناه يقال في ماء المد والنيل حال غلبة لون الطين عليه ، وتقع الأوراق في الحياض زمن الخريف فيمر الرفيقان ويقول أحدهما للآخر هنا ماء تعال نشرب نتوضأ ، فيطلقه مع تغير أوصافه بانتفاعها ، فظهر لنا من اللسان أن المخالط المغلوب لا يسلب الإطلاق فوجب ترتيب حكم المطلق على الماء الذي هو كذلك .

وقد { اغتسل صلى الله عليه وسلم يوم الفتح من قصعة فيها أثر العجين } رواه النسائي ، والماء بذلك يتغير ولم يعتبر للمغلوبية ( قوله والإضافة إليه كالإضافة إلى البئر والعين ) معناه أن الإضافة إلى الزعفران ونحوه لا تمنع الإطلاق كما لا تمنعه الإضافة إلى البئر والعين ، فالتشبيه ليس إلا في عدم امتناع الإطلاق وحيث قبل المطلق كان مطلقا ولزمه حكمه من إزالة الحكمية شرعا ، إذ زواله بارتفاعه وهو بأن يحدث له اسم على حدة ولزوم التقييد يندرج فيه ، وإنما يكون ذلك إذا كان الماء مغلوبا إذ في إطلاقه على المجموع حينئذ اعتبار الغالب عدما وهو عكس الثابت لغة وعرفا وشرعا ، بقي تحقيق الغلبة بماذا يكون فصرح المصنف بأنها بالأجزاء .

ونقل بعضهم فيه خلافا بين الصاحبين ، وهو أن محمدا يعتبره باللون وأبا يوسف بالأجزاء ، وفي المحيط عكسه ، والأول أثبت فإن صاحب الأجناس نقل قول محمد نصا بمعناه . قال محمد في الماء الذي يطبخ فيه الريحان والأشنان : إذا لم يتغير لونه حتى يحمر بالأشنان أو يسود . بالريحان وكان الغالب عليه الماء فلا بأس بالوضوء به .

فمحمد يراعي لون الماء وأبو يوسف اعتبر غلبة الأجزاء ، ولا بأس بالوضوء بماء السيل مختلطا بالعين إن كانت رقة الماء غالبة ، فإن كان الطين غالبا فلا . وصرح [ ص: 73 ] في التجنيس بأن من التفريع على اعتبار الغلبة بالأجزاء قول الجرجاني إذا طرح الزاج أو العفص في الماء جاز الوضوء به إن كان لا ينقش إذا كتب به ، فإن نقش لا يجوز والماء هو المغلوب .

وفي الينابيع لو نقع الحمص والباقلاء وتغير لونه وطعمه وريحه يجوز التوضي به فإن طبخ ، فإن كان إذا برد ثخن لا يجوز الوضوء به ، أو لم يثخن ورقة الماء باقية جاز . وعبارة القدوري تعطي أن تغير وصفين يمنع لا وصف . واقتحم شارح الكنز رحمه الله التوفيق بين كلام الأصحاب بإعطاء ضابط في ذلك وهو أن التقييد المخرج عن الإطلاق بأمرين :

الأول كمال الامتزاج وهو بالطبخ مع طاهر لا يقصد به المبالغة في التنظيف أو بتشرب النبات على وجه لا يخرج منه إلا بعلاج ، فخرج الماء الذي يقطر من الكرم بنفسه .

الثاني غلبة المخالط ، فإن كان جامدا فبانتفاء رقة الماء وجريانه على الأعضاء ، وإن كان مائعا موافقا للماء في أوصافه الثلاثة كالماء المستعمل على الرواية المختارة من طهارته فبالأجزاء وإن كان يخالفه فيها فبتغييره أكثرها أو في بعضها فبغلبة ما به الخلاف ، كاللبن يخالف في الطعم واللون ، فإن غلب لونه وطعمه منع وإلا جاز ، وكذا ماء البطيخ يخالفه في الطعم فتعتبر الغلبة فيه بالطعم .

والوجه أنه يخرج من الأقسام ما خالط جامدا فسلب رقته وجريانه لأن هذا ليس بماء مقيد والكلام فيه ، بل ليس بماء أصلا كما يشير إليه قول [ ص: 74 ] المصنف فيما يأتي قريبا في المختلط بالأشنان إلا أن يغلب فيصير كالسويق لزوال اسم الماء عنه .

التالي السابق


الخدمات العلمية