صفحة جزء
( باب الوصي وما يملكه ) قال ( ومن أوصى إلى رجل فقبل الوصي في وجه الموصي وردها في غير وجهه فليس برد ) لأن الميت مضى [ ص: 497 ] معتمدا عليه ، فلو صح رده في غير وجهه في حياته أو بعد مماته صار مغرورا من جهته فرد رده ، بخلاف الوكيل بشراء عبد بغير عينه أو ببيع ماله حيث يصح رده في غير وجهه لأنه لا ضرر هناك لأنه حي قادر على التصرف بنفسه ( فإن ردها في وجهه فهو رد ) لأنه ليس للموصي ولاية إلزامه التصرف ، ولا غرور فيه [ ص: 498 ] لأنه يمكنه أن ينيب غيره ( وإن لم يقبل ولم يرد حتى مات الموصي فهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل ) لأن الموصي ليس له ولاية الإلزام فبقي مخيرا ، فلو أنه باع شيئا من تركته فقد لزمته ، لأن ذلك دلالة الالتزام والقبول وهو معتبر بعد الموت ، وينفذ البيع لصدوره من الوصي ، وسواء علم بالوصاية أو لم يعلم ، بخلاف الوكيل إذا لم يعلم بالتوكيل فباع حيث لا ينفذ لأن الوصاية خلافة لأنه يختص بحال انقطاع ولاية الميت فتنتقل الولاية إليه ، وإذا كانت خلافة لا تتوقف على العلم كالوراثة .

أما التوكيل إنابة لثبوته في حال قيام ولاية المنيب فلا يصح من غير علمه كإثبات الملك بالبيع والشراء وقد بينا طريق العلم وشرط الإخبار فيما تقدم من الكتب . [ ص: 499 ] ( وإن لم يقبل حتى مات الموصي فقال لا أقبل ثم قال أقبل فله ذلك إن لم يكن القاضي أخرجه من الوصية حين قال لا أقبل ) لأن بمجرد قوله لا أقبل لا يبطل الإيصاء ، لأن في إبطاله ضررا بالميت وضرر الوصي في الإبقاء مجبور بالثواب ، ودفع الأول وهو أعلى أولى ، إلا أن القاضي إذا أخرجه عن الوصاية يصح ذلك لأنه مجتهد فيه ، إذ للقاضي ولاية دفع الضرر ، وربما يعجز عن ذلك فيتضرر ببقاء الوصاية فيدفع القاضي الضرر عنه وينصب حافظا لمال الميت متصرفا فيه فيندفع الضرر من الجانبين فلهذا ينفذ إخراجه ، فلو قال بعد إخراج القاضي إياه أقبل لم يلتفت إليه لأنه قبل بعد بطلان الوصاية بإبطال القاضي .


( باب الوصي وما يملكه )

لما فرغ من بيان أحكام الموصى له شرع في بيان أحكام الموصى إليه وهو الوصي ، وقدم أحكام الموصى له لكثرتها وكثرة [ ص: 497 ] وقوعها فكانت الحاجة إلى معرفتها أمس .

( قوله بخلاف الوكيل بشراء عبد بغير عينه أو ببيع ماله حيث يصح رده في غير وجهه ) قال صاحب النهاية : هذا الذي ذكره مخالف لعامة روايات الكتب من الذخيرة والتتمة وأدب القاضي للصدر الشهيد والجامع الصغير للإمام المحبوبي وفتاوى قاضي خان ، لأنه ذكر في هذه الكتب أن الوكيل إذا عزل نفسه عن الوكالة حال غيبة الموكل لا يصح . حتى لو عزل نفسه من غير علم الموكل لا يخرج عن الوكالة ، وموضعه في الذخيرة الفصل الثاني من وكالتها ، والفصل العاشر من التتمة ، والباب السابع والستون من آداب القاضي ، وباب بيع الأوصياء من وصايا الجامع الصغير ، وفصل التوكيل بالخصومة من فتاوى قاضي خان ، إلى هنا لفظ صاحب النهاية .

وقال صاحب الغاية : وهذا القيد وهو قوله بغير عينه احتراز عن الوكيل بشراء عبد بعينه لأنه لا يملك عزل نفسه ثمة أيضا بغير علم الموكل كما في الوصي لأنه يؤدي إلى تغرير الموكل ، بخلاف ما إذا كان وكيلا بشراء عبد بغير عينه حيث يملك عزل نفسه لأنه لا يؤدي إلى تغرير الآمر ، وهذا فيما إذا وكله بشراء شيء بينه له أن يعزل نفسه بغير محضر الموكل على قول بعض المشايخ ، وإليه أشار صاحب الهداية في كتاب الوكالة في فصل الشراء بقوله ولا يملكه على ما قيل إلا بمحضر من الموكل : أي لا يملك الوكيل عزل نفسه بغير علم الموكل على قول بعض المشايخ ، فعن هذا عرفت أن ما قال بعضهم في شرحه هذا الذي قاله صاحب الهداية مخالف لعامة روايات الكتب كالتتمة والذخيرة وغيرهما ليس بشيء ، لأن المراد بما ذكر في التتمة وغيرها من قولهم الوكيل لا يملك إخراج نفسه عن الوكالة بغير علم الموكل ما إذا كان وكيلا بشراء شيء بعينه لا بشراء شيء بغير عينه ، ومراد صاحب الهداية هنا ما إذا كان وكيلا بشراء شيء بغير عينه فتوافقت الروايات جميعا ولم تختلف ، إلى هنا كلام صاحب الغاية ، وإلى هذا مال صاحب العناية أيضا كما يظهر من تقريره في شرحه .

أقول : بل ليس هذا التوفيق بشيء لأنهم عقدوا في أكثر المعتبرات لعزل الوكيل فصلا على حدة أو بابا على حدة وبينوا فيه عدم صحة عزل الموكل للوكيل بغير علم الوكيل ، وكذا عدم صحة عزل الوكيل نفسه بغير علم الموكل من غير تقييد بشيء ، فهل يجوز العقل أن يكون مرادهم بذلك ما إذا كان وكيلا بشراء شيء بعينه فيكون عقد الفصل أو الباب لبيان حكم العزل في مسألة بعينها من مسائل الوكالات بعبارة مطلقة ، ويكون حكم العزل في سائرها متروك الذكر بالكلية في عامة روايات الكتب ، ولعمري إن حمل كلام الثقات على مثل ذلك سفسطة لا تخفى . ولنذكر من بينها عبارة الذخيرة لعلك تأخذ منها حصة قال فيها : الفصل الثاني في رد الوكالة من الوكيل وفي عزل الوكيل ، وقال : قد ذكرنا أن الوكيل إذا رد الوكالة ترتد ، ولكن هذا إذا علم الموكل بالرد ، وإن لم يعلم فلا ترتد حتى إن من وكل غائبا فبلغه الخبر فرد الوكالة ولم يعلم الموكل به ثم قبل الوكيل الوكالة صح قبوله وصار وكيلا . ثم قال : ولا يصح عزل الوكيل من غير علم الوكيل ، ولا يخرج عن الوكالة عندنا الوكيل بالخصومة والوكيل بالبيع والشراء والنكاح والطلاق وسائر التصرفات في ذلك على السواء . ثم قال : وكذلك إذا عزل نفسه لا يصح عزله من غير علم الموكل ولا يخرج عن الوكالة انتهى . انظر بعين البصيرة هل فيه ما يساعد التقييد بما إذا كان وكيلا بشراء شيء بعينه ، عن هذا قال صاحب الكافي هاهنا يدل قول المصنف بخلاف الوكيل بشراء عبد بعينه إلخ ; ألا يرى أن الوكيل إذا أخرج نفسه من الوكالة لا يصح إلا بعلم الموكل دفعا للغرر والضرر المنهيين ، فإن يجب نفي الغرر والضرر عن الميت وهو أحق بالنظر أولى انتهى .

( قوله لأنه لا ضرر هناك لأنه حي قادر على التصرف بنفسه ) أقول : لقائل أن يقول : هذا [ ص: 498 ] التعليل ينتقض بصورة رد الوصي الوصية في غير وجه الموصي في حياته ، فإن الموصي حي قادر على التصرف بنفسه في حال حياته ، مع أنه لا يصح رد الوصي الوصية في غير وجه الموصي بعد أن قبلها في وجهه لا في حياته ولا بعد مماته كما تقدم آنفا . والجواب أن معنى الإيصاء إلى أحد استخلافه بعد الموت لا في حال الحياة ، فالتصرف الذي يرفعه الموصي إلى الوصي إنما هو التصرف الكائن بعد موته ، ولا شك أنه ليس بقادر في حياته على التصرف الحاصل بعد مماته ، كما أنه ليس بقادر عليه بعد مماته بلا شبهة فلا انتقاض . نعم إنه يقدر في حياته على الإيصاء إلى الآخر بدل الأول إذا علم رد الأول ، لكن الكلام هنا في عدم صحة رد الوصي بغير علم الموصي فإن معنى قوله في غير وجهه بغير علمه ، ومعنى قوله بوجهه بعلمه كما نص عليه في الذخيرة وذكر في الشروح أيضا .

( قوله وإذا كانت خلافة لا تتوقف على العلم كالوراثة ) أقول : يرد عليه أن يقال : هب أن الوصاية خلافة لكنها ليست بخلافة ضرورية كالوراثة بل هي خلافة اختيارية ; ألا يرى أنه لو لم يقبلها الموصي إليه ولم يردها حتى مات الموصي فهو بالخيار ، إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل كما مر في الكتاب آنفا ، فإذا كانت خلافة يتوقف ثبوتها على اختيار الموصي إليه إياها فعدم توقف ثبوتها على علم الموصي إليه بها مشكل جدا ، إذ لا يخفى أن اختيار شيء وقبوله بدون العلم به متعسر بل متعذر فليتأمل .

( قوله وقد بينا طريق العلم وشرط الإخبار فيما تقدم من الكتب ) قال جمهور الشراح : ومن تلك الكتب ما ذكره المصنف في فصل القضاء بالمواريث من كتاب أدب القاضي بقوله ومن أعلمه الناس بالوكالة يجوز تصرفه ، ولا يكون النهي [ ص: 499 ] عن الوكالة حتى يشهد عنده شاهدان أو رجل عدل ، وهذا عند أبي حنيفة ، وقالا : هو والأول سواء : أي الواحد فيهما يكفي انتهى . وقال بعض المتأخرين : قوله فيما تقدم من الكتب " ما " عبارة عن الكتب ، ومن للتبعيض : أي بيناه في بعض الكتب المتقدمة أراد كتاب القضاء وليس ما عبارة عن الكتب ، ومن للتبيين كما فهم ذلك من تقرير بعض الشراح ، إذ ليس لما ذكره أثر في غير كتاب القضاء أصلا انتهى . أقول : ليس ما قاله هذا البعض بصحيح ، لأن المصنف كما ذكره في كتاب أدب القاضي ذكره في كتاب الوكالة وفي كتاب الشفعة أيضا ، فإنه قال في باب عزل الوكيل من كتاب الوكالة : فإن لم يبلغه العزل فهو على وكالته وتصرفه جائز حتى يعلم ، ثم قال فيه : وقد ذكرنا اشتراط العدد أو العدالة في المخبر فلا نعيده . وقال في باب طلب الشفعة والخصومة فيها من كتاب الشفعة : وإذا بلغ الشفيع بيع الدار لم يجب عليه الإشهاد حتى يخبره رجلان أو رجل وامرأتان أو واحد عدل عند أبي حنيفة ، وقالا : يجب عليه أن يشهد إذا أخبره واحد حرا كان أو عبدا صبيا أو امرأة إذا كان الخبر حقا ، وأصل الاختلاف في عزل الوكيل وقد ذكرناه بدلائله وأخواته فيما تقدم انتهى . والعجب من ذلك القائل أنه كيف اجترأ على الحكم بأن ليس لما ذكره أثر في غير كتاب القضاء أصلا بدون التتبع لما تقدم من الكتب .

( قوله إلا أن القاضي إذا أخرجه عن الوصاية يصح ذلك ) قال عامة الشراح : قوله " إلا أن القاضي إذا أخرجه " استثناء من قوله ثم قال اقبل [ ص: 500 ] فله ذلك : يعني أن القاضي إذا أخرجه عنها حين قال لا أقبل لا يصح قبوله بعد ذلك انتهى . أقول : فيه نظر ، لأن المصنف قيد قوله فله ذلك بقوله إن لم يكن القاضي أخرجه حين قال لا أقبل ، وذلك القيد يفيد بمفهوم المخالفة أن القاضي إذا أخرجه عن الوصاية لم يكن له ذلك : أي لم يصح قبوله ، والمفهوم معتبر في الروايات بالإجماع كما نصوا عليه ، فلم يبق احتياج إلى استثناء ما إذا أخرجه القاضي عن الوصايا من قوله فله ذلك ، فلو كان قوله هنا إلا أن القاضي إذا أخرجه استثناء من قوله فله ذلك يلزم الاستدراك في الكلام كما لا يخفى ، فالوجه عندي أن يكون قوله هنا إلا أن القاضي إذا أخرجه استثناء من قوله في قربه ودفع الأول وهو الأعلى أولى ، فيكون هذا الاستثناء داخلا في حيز تعليل مسألة الكتاب ويكون ناظرا إلى مفهوم قيدها وهو قوله إن لم يكن القاضي أخرجه حين قال لا أقبل ، كما أن ما قبل هذا الاستثناء كان ناظرا إلى منطوق أصلها ، ويؤيده أن هذا الاستثناء لم يكن مذكورا في البداية أصلا مع كون المسألة مذكورة هناك أيضا بحالها

التالي السابق


الخدمات العلمية