صفحة جزء
[ ص: 117 - 118 ] ( وأولى الناس بالصلاة على الميت السلطان إن حضر ) لأن في التقدم عليه ازدراء به ( فإن لم يحضر فالقاضي ) لأنه صاحب ولاية ( فإن لم يحضر فيستحب تقديم إمام الحي ) لأنه رضيه في حال حياته . قال ( ثم الولي والأولياء على الترتيب المذكور في النكاح ) ، .


( فصل في الصلاة على الميت ) هي فرض كفاية ) : وقوله في التحفة إنها واجبة في الجملة محمول عليه ، ولذا قال في وجه كونه على الكفاية [ ص: 117 ] لأن ما هو الفرض وهو قضاء حق الميت يحصل بالبعض ، والإجماع على الافتراض ، وكونه على الكفاية كاف .

وقيل في مستند الأول قوله تعالى { وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم } والحمل على المفهوم الشرعي أولى ما أمكن وقد أمكن بجعلها جنازة ، لكن هذا إذا لم يصرح أهل التفسير بخلاف هذا . وفي الثاني قوله عليه الصلاة والسلام { صلوا على صاحبكم } فلو كان فرض عين لم يتركه عليه الصلاة والسلام . وشرط صحتها إسلام الميت وطهارته ووضعه أمام المصلي ، فلهذا القيد لا تجوز على غائب ولا حاضر محمول على دابة أو غيرها ، ولا موضوع متقدم عليه المصلي ، وهو كالإمام من وجه .

وإنما قلنا من وجه لأن صحة الصلاة على الصبي أفادت أنه لم يعتبر إماما من كل وجه ، كما أنها صلاة من وجه . وعن هذا قلنا : إذا دفن بلا غسل ولم يمكن إخراجه إلا بالنبش سقط هذا الشرط وصلي على قبره بلا غسل للضرورة ، بخلاف ما إذا لم يهل عليه التراب بعد فإنه يخرج فيغسل ، ولو صلي عليه بلا غسل جهلا مثلا ولا يخرج إلا بالنبش تعاد لفساد الأولى . وقيل تنقلب الأولى صحيحة عند تحقق العجز فلا تعاد .

وأما صلاته عليه الصلاة والسلام على النجاشي كان إما لأنه رفع سريره له حتى رآه عليه الصلاة والسلام بحضرته فتكون صلاة من خلفه على ميت يراه الإمام وبحضرته دون المأمومين وهذا غير مانع من الاقتداء ، وهذا وإن كان احتمالا لكن في المروي ما يومئ إليه ، وهو ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث عمران بن الحصين أنه عليه الصلاة والسلام قال : { إن أخاكم النجاشي توفي فقوموا صلوا عليه ، فقام عليه الصلاة والسلام وصفوا خلفه ، فكبر أربعا وهم لا يظنون أن جنازته بين يديه } فهذا اللفظ يشير إلى أن الواقع خلاف ظنهم لأنه هو فائدته المعتد بها ، فإما أن يكون سمعه منه عليه الصلاة والسلام أو كشف له ، وإما أن ذلك خص به النجاشي فلا يلحق به غيره وإن كان أفضل منه كشهادة خزيمة مع شهادة الصديق .

فإن قيل : بل قد صلى على غيره من الغيب وهو معاوية بن معاوية المزني ويقول الليثي { نزل جبريل عليه السلام بتبوك فقال : يا رسول الله : إن معاوية بن المزني مات بالمدينة أتحب أن أطوي لك الأرض فتصلي عليه ؟ قال نعم ، فضرب بجناحه على الأرض فرفع له سريره فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة عليهم السلام ، في كل صف سبعون ألف ملك ، ثم رجع فقال عليه الصلاة والسلام لجبريل عليه السلام : بم أدرك هذا ؟ قال : بحبه سورة { قل هو الله أحد } وقراءته إياها جائيا وذاهبا وقائما وقاعدا وعلى كل حال } رواه الطبراني من حديث أبي أمامة وابن سعد في الطبقات من حديث أنس وعلي وزيد وجعفر لما استشهد بمؤتة على ما في مغازي الواقدي : حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ، وحدثني عبد الجبار بن عمارة عن عبد الله بن أبي بكر قالا : { لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام فهو ينظر إلى معتركهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : أخذ الراية زيد بن حارثة فمضى حتى استشهد وصلى عليه ودعا وقال : استغفروا له ، دخل الجنة وهو يسعى ، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فمضى حتى استشهد ، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له وقال : استغفروا له دخل الجنة فهو يطير فيها بجناحين حيث شاء } .

قلنا : إنما ادعينا الخصوصية بتقدير أن لا يكون رفع له سريره ولا هو مرئي له ، وما ذكر بخلاف ذلك . وهذا مع ضعف الطرق فما في المغازي مرسل من الطريقين ، وما في الطبقات ضعيف بالعلاء وهو ابن زيد ، ويقال ابن يزيد اتفقوا على ضعفه ، وفي رواية الطبراني بقية بن الوليد وقد عنعنه ، ثم دليل الخصوصية [ ص: 118 ] أنه لم يصل على غائب إلا على هؤلاء ومن سوى النجاشي صرح فيه بأنه رفع له وكان بمرأى منه مع أنه قد توفي خلق منهم رضي الله عنهم غيبا في الأسفار كأرض الحبشة والغزوات ومن أعز الناس عليه كان القراء ، ولم يؤثر قط عنه بأنه صلى عليهم وكان على الصلاة على كل من توفي من أصحابه حريصا حتى قال { لا يموتن أحد منكم إلا آذنتموني به ، فإن صلاتي عليه رحمة له } على ما سنذكر .

. وأما أركانها فالذي يفهم من كلامهم أنها الدعاء والقيام والتكبير لقولهم : إن حقيقتها هو الدعاء والمقصود منها ، ولو صلى عليها قاعدا من غير عذر لا يجوز وكذا راكبا ، ويجوز القعود للعذر ، ويجوز اقتداء القائمين به على الخلاف السابق في باب الإمامة ، وقالوا : كل تكبيرة بمنزلة ركعة ، وقالوا يقدم الثناء والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام لأنه سنة الدعاء ، ولا يخفى أن التكبيرة الأولى شرط لأنها تكبيرة الإحرام

( قوله وأولى الناس بالصلاة عليه إلخ ) الخليفة أولى ( إن حضر ) ثم إمام المصر وهو سلطانه ، ثم القاضي ، ثم صاحب الشرط ، ثم خليفة الوالي ، ثم خليفة القاضي ، ثم إمام الحي ، ثم ولي الميت . وهو من سنذكر . وقال أبو يوسف : الولي أولى مطلقا وهو رواية عن أبي حنيفة وبه قال الشافعي ، لأن هذا حكم يتعلق بالولاية كالإنكاح فيكون الولي مقدما على غيره فيه . وجه الأول ما روي أن الحسين بن علي قدم سعيد بن العاص لما مات الحسن وقال : لولا السنة ما قدمتك ، وكان سعيد واليا بالمدينة يعني متوليها ، وهو الذي يسمى في هذا الزمان النائب ، ولأن في التقدم عليهم ازدراء بهم وتعظيم أولي الأمر واجب . وأما إمام الحي فلما ذكر ، وليس تقديمه بواجب بل هو استحباب وتعليل الكتاب يرشد إليه . وفي جوامع الفقه : إمام المسجد الجامع أولى من إمام الحي ( قوله والأولياء على الترتيب إلخ ) يستثنى منه الأب مع الابن ، فإنه لو اجتمع للميت أبوه وابنه فالأب أولى بالاتفاق على الأصح . وقيل تقديم الأب قول محمد ، وعندهما الابن أولى على حسب

[ ص: 119 ] اختلافهم في النكاح ; فعند محمد أب المعتوهة أولى بإنكاحها من ابنها ، وعندهما ابنها أولى . وجه الفرق أن الصلاة تعتبر فيها الفضيلة والأب أفضل ، ولذا يقدم الأسن عند الاستواء كما في أخوين شقيقين أو لأب أسنهم أولى ، ولو قدم الأسن أجنبيا ليس له ذلك ، وللصغير منعه لأن الحق لهما لاستوائهما في الرتبة ، وإنما قدمنا الأسن بالسنة ، قال عليه الصلاة والسلام في حديث القسامة " ليتكلم أكبركما " وهذا يفيد أن الحق للابن عندهما ، إلا أن السنة أن يقدم هو أباه ، ويدل عليه قولهم سائر القرابات أولى من الزوج إن لم يكن له منها ابن ، فإن كان فالزوج أولى منهم لأن الحق للابن وهو أن يقدم أباه ، ولا يبعد أن يقال : إن تقديمه على نفسه واجب بالسنة ، ولو كان أحدهما شقيقا والآخر لأب جاز تقديم الشقيق الأجنبي ، ومولى العتاقة وابنه أولى من الزوج ، والمكاتب أولى بالصلاة على عبيده وأولاده ، ولو مات العبد وله ولي حر فالمولى أولى على الأصح ، وكذا المكاتب إذا مات ولم يترك وفاء فإن أديت الكتابة كان الولي أولى ، ولذا إن كان المال حاضرا يؤمن عليه التوي ، وإن لم يكن للميت ولي فالزوج أولى ثم الجيران من الأجنبي أولى ; ولو أوصى أن يصلي عليه فلان ففي العيون أن الوصية باطلة ، وفي نوادر ابن رستم جائزة ، ويؤمر فلان بالصلاة عليه . قال الصدر الشهيد : الفتوى على الأول

التالي السابق


الخدمات العلمية