صفحة جزء
[ ص: 178 ] ( فصل في البقر )

( ليس في أقل من ثلاثين من البقر السائمة صدقة ، فإذا كانت ثلاثين سائمة وحال عليها الحول ففيها تبيع أو تبيعة ) وهي التي طعنت في الثانية ( وفي أربعين مسن أو مسنة ) وهي التي طعنت في الثالثة ، [ ص: 179 ] بهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا رضي الله عنه ( فإذا زادت على أربعين وجب في الزيادة بقدر ذلك إلى ستين ) عند أبي حنيفة ; ففي الواحدة الزائدة ربع عشر مسنة ، وفي الاثنتين نصف عشر مسنة ، وفي الثلاثة ثلاثة أرباع عشر مسنة . [ ص: 180 ] وهذه رواية الأصل لأن العفو ثبت نصا بخلاف القياس ولا نص هنا . وروى الحسن عنه أنه لا يجب في الزيادة شيء حتى تبلغ خمسين ، ثم فيها مسنة وربع مسنة أو ثلث تبيع ، لأن مبنى هذا النصاب على أن يكون بين كل عقدين وقص ، وفي كل عقد واجب . وقال أبو يوسف ومحمد : لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين ، وهو رواية عن أبي حنيفة لقوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ { لا تأخذ من أوقاص البقر شيئا } وفسروه بما بين أربعين إلى ستين . قلنا : قد قيل إن المراد منها الصغار [ ص: 181 ] ( ثم في الستين تبيعان أو تبيعتان ، وفي سبعين مسنة وتبيع ، وفي ثمانين مسنتان ، وفي تسعين ثلاثة أتبعة ، وفي المائة تبيعان ومسنة . وعلى هذا يتغير الفرض في كل عشر من تبيع إلى مسنة ومن مسنة إلى تبيع ) لقوله عليه الصلاة والسلام { في كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة ، وفي كل أربعين مسن أو مسنة } ( والجواميس والبقر سواء ) لأن اسم البقر يتناولهما إذ هو نوع منه ، إلا أن أوهام الناس لا تسبق إليه في ديارنا لقلته ، فلذلك لا يحنث به في يمينه لا يأكل لحم بقر ، والله أعلم .


( فصل في البقر )

قدمها على الغنم لقربها من الإبل في الضخامة ، والبقر من بقر إذا شق ، سمي به لأنه يشق الأرض وهو اسم جنس ، والتاء في بقرة للوحدة فيقع على الذكر والأنثى لا للتأنيث ( قوله ففيها تبيع ) سمي الحولي من أولاد البقر به لأنه يتبع أمه بعد ، والمسن من البقر والشاة ما تمت له سنتان ، وفي الإبل ما دخل في السنة الثامنة . ثم لا تتعين الأنوثة في هذا الباب ولا في الغنم ، بخلاف الإبل لأنها لا تعد فضلا فيهما بخلاف الإبل . ثم إن وجد في الثلاثين تبيع وسط وجب هو ، أو ما يساويه وجب تبيع يساوي الوسط ، وإن شاء دفعه بطريق القيمة عن تبيع ; وإن كان الكل عجافا ليس فيها ما يساوي تبيعا وسطا وجب أفضلها ، ولو كانت البقر أربعين وفيها مسنة وسط أو ما يساويها [ ص: 179 ] فعلى ما عرف في الثلاثين ، وإن كان الكل عجافا وجب أن ينظر إلى قيمة تبيع وسط لأنه المعتبر في نصاب البقر وما فضل عنه عفو وإلى قيمة مسنة وسط ، فما وقع به التفاوت وجب نسبته في أخرى تلي أفضلها في الفضل ; مثلا لو كانت قيمة التبيع الوسط أربعين وقيمة المسنة الوسط خمسين تجب مسنة تساوي أفضلها وربع التي تليها في الفضل ، حتى لو كانت قيمة أفضلها ثلاثين والتي تليها عشرين تجب مسنة تساوي خمسة وثلاثين ، ولو كانت ستين عجافا ليس فيها ما يساوي تبيعان وسطا ففيها تبيعان من أفضلها إن كانا ، وإلا فاثنان من أفضلها ، وإن كان فيها تبيع وسط أو ما يساويه وجب التبيع الوسط وآخر من أفضل الباقي .

( قوله بهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا ) أخرج أصحاب السنن الأربعة عن مسروق عن معاذ بن جبل { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة ، ومن كل أربعين مسنة ، ومن كل حالم يعني محتلما دينارا أو عدله من المعافر ثياب تكون باليمن } حسنه الترمذي . ورواه بعضهم مرسلا وهذا أصح . ويعني بالدينار من الحالم الجزية .

ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وأعله عبد الحق بأن مسروقا لم يلق معاذا ، وصرح ابن عبد البر بأنه متصل ، وأما ابن حزم فإنه قال في أول كلامه إنه منقطع وإن مسروقا لم يلق معاذا ، وقال في آخره : وجدنا حديث مسروق إنما ذكر فيه فعل معاذ باليمن في زكاة البقر ، ومسروق عندنا بلا شك أدرك معاذا بسنه وعقله وشاهد أحكامه يقينا وأفتى في زمن عمر وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو رجل كان باليمن أيام معاذ بنقل الكافة من أهل بلده عن معاذ في أخذه لذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم انتهى .

وحاصله أنه يجعله بواسطة بينه وبين معاذ ، وهو ما فشا من أهل بلده أن معاذا أخذ كذا وكذا . والحق قول ابن القطان إنه يجب أن يحكم بحديثه عن معاذ على قول الجمهور في الاكتفاء بالمعاصرة ما لم [ ص: 180 ] يعلم عدم اللقي .

وأما على ما شرطه البخاري وابن المديني من العلم باجتماعهما ولو مرة فكما قال ابن حزم والحق خلافه ، وعلى كلا التقديرين يتم الاحتجاج به على ما وجهه ابن حزم ( قوله وهذه رواية الأصل ) عن أبي حنيفة فيما زاد على الأربعين ثلاث روايات : هذه ، ورواية الحسن أن لا شيء حتى تبلغ خمسين ، والرواية الثالثة كقولهما . وجه الأولى عدم المسقط مع أن الأصل أن لا يخلى المال عن شكر نعمته بعد بلوغه النصاب .

وجه هذه منعه بل قد وجد وهو ما رواه الدارقطني والبزار من حديث بقية عن المسعودي عن الحكم عن طاوس عن ابن عباس قال { بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن ، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة ، ومن كل أربعين مسنة ، قالوا فالأوقاص ؟ قال : ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بشيء . وسأسأله إذا قدمت عليه ، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله فقال : ليس فيها شيء } قال المسعودي : والأوقاص ما بين الثلاثين إلى أربعين والأربعين إلى ستين . وفي السند ضعف .

وفي المنن أنه رجع فوجده عليه الصلاة والسلام حيا ، وهو موافق لما في معجم الطبراني ، وفي سنده مجهول . وفيه أعني معجم الطبراني حديث آخر من طريق ابن وهب عن حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم أن معاذا قال { بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق أهل اليمن ، فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا ، ومن كل أربعين مسنة ، ومن الستين تبيعين ، ومن السبعين مسنة وتبيعا ، وأمرني أن لا آخذ فيما بين ذلك شيئا إلا أن يبلغ مسنة أو جذعا } وهو مرسل ، وسلمة بن أسامة ويحيى بن الحكم غير مشهورين ، ولم يذكرهما ابن أبي حاتم في كتابه . واعترض أيضا بأن معاذا لم يدركه عليه الصلاة والسلام حيا .

في الموطإ عن طاوس أن معاذا الحديث وفيه " فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم معاذ " وطاوس لم يدرك معاذا . وأخرج في المستدرك عن ابن مسعود قال " كان معاذ بن جبل شابا جميلا حليما سمحا من أفضل شباب قومه ولم يكن يمسك شيئا ، ولم يزل يدان حتى أغرق ماله كله في الدين ، فلزمه غرماؤه حتى تغيب عنهم أياما في بيته ، فاستأذنوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل في طلبه ، فجاء معه غرماؤه " فساق الحديث إلى أن قال " فبعثه إلى اليمن وقال له : لعل الله أن يجبرك ويؤدي عنك دينك ، فخرج معاذ إلى اليمن فلم يزل بها حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع معاذ " الحديث بطوله .

قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين . وفي مسند أبي يعلى { أنه قدم فسجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : يا معاذ ما هذا ؟ قال : وجدت اليهود والنصارى باليمن يسجدون لعظمائهم وقالوا هذا تحية الأنبياء ، فقال عليه الصلاة والسلام : كذبوا على أنبيائهم ، لو كنت آمر أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها } وفي هذا أن معاذا أدركه عليه الصلاة والسلام حيا ( قوله قد قيل إن المراد بها الصغار ) فتعارض التفسيران ، فلا تسقط الزكاة بالشك بعد تحقق السبب ، ثم إن كان خلاف القياس من حيث [ ص: 181 ] إنه إيجاب الكسور فقولهما مخالفه من وجهين : إثبات العفو بالرأي ، وكونه خارجا عن النظير في بابه ، فإن الثابت في هذا الباب جعل العفو تسعا تسعا ، والكسور في الجملة لها وجود في النقدين ، لكن دفع المصنف هذا ينتفي بما صرح به في رواية الطبراني من قوله { وأمرني أن لا آخذ فيما بين ذلك شيئا إلا أن تبلغ مسنة أو جذعا } وهكذا رواه القاسم بن سلام في كتاب الأموال ، لكن تمام هذا موقوف على صحة هذه الرواية أو حسنها ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية