صفحة جزء
قال ( يخرج ذلك عن نفسه ) لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الذكر والأنثى } الحديث ( و ) يخرج عن ( أولاده الصغار ) لأن السبب رأس يمونه ويلي عليه لأنها تضاف إليه يقال زكاة الرأس ، وهي أمارة السببية ، [ ص: 285 ] والإضافة إلى الفطر باعتبار أنه وقته ، ولهذا تتعدد بتعدد الرأس مع اتحاد اليوم ، والأصل في الوجوب رأسه وهو يمونه ويلي عليه فيلحق به ما هو في معناه كأولاده الصغار لأنه يمونهم ويلي عليهم ( ومماليكه ) لقيام الولاية والمؤنة ، وهذا إذا كانوا للخدمة ولا مال للصغار ، فإن كان لهم مال يؤدي من مالهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى خلافا لمحمد رحمه الله لأن الشرع أجراه مجرى المؤنة فأشبه النفقة .


( قوله والسبب رأس يمونه ويلي عليه ) المفيد لسببية الرأس المذكور لفظ " عن " في قوله { عن كل حر وعبد صغير أو كبير ذكر أو أنثى } وكذا لفظ " على " بعد ما قامت الدلالة على أن المراد به معنى عن استفدنا منه أن هذه الصدقة تجب على الإنسان بسبب هؤلاء ، والقطع من جهة الشرع أنه لا يجب عمن لم يكن من هؤلاء في مؤنته وولايته ، فإنه لا يجب على الإنسان بسبب عبد غيره وولده ، وفي رواية الدارقطني حديث ابن عمر قال في آخره { ممن تمونون } ولو مان صغيرا لله تعالى لا لولاية شرعية له عليه لم يجب أن يخرج عنه إجماعا فلزم أنهم السبب إذا كانوا بذلك الوصف ، والمصنف استدل عليه بالإضافة في قولهم زكاة الرأس وتمامه موقوف على كون هذا التركيب مسموعا من صاحب الشرع ; لأن السببية لا تثبت إلا بوضعه أو من أهل الإجماع ، وبما ذكر في ضمن تأويل الإضافة في قولهم : زكاة الرأس أو صدقة الفطر بأنها إلى الشرط لما أوجبه من تعدد الواجب عند اتحاد اليوم وتعدد الرأس ، فإنه يقتضي اعتبار الشارع السببية للرأس ، وأورد عليه أنه معارض بتعدد الواجب مع اتحاد الرأس وتعدد الوقت باعتبار تكرر السنين ، فلو كان السبب الرأس لم يتكرر عند تكررها ، كالحج لما اتحد سببه وهو البيت لم يتكرر بتكرر السنين . وأجيب بمنعه وإسناده بتكرر الواجب مع اتحاد السبب وتكرر الوقت في الزكاة ، فإن السبب فيها المال .

والجواب : أن المال لم يعتبر سببا إلا باعتبار النماء ولو تقديرا ، والنماء متكرر نظرا إلى [ ص: 285 ] دليله وهو الحول ، فكان السبب وهو المال النامي متكررا لأنه بنماء هذا الحول غيره بالنماء الآخر في الحول الآخر ، بل الحق في الجواب أن المدعي أن تضاعف الواجب في وقت واحد عند تعدد شيء دليل سببية المتعدد ، وأين هو من التكرر في أوقات متكررة فالثابت هناك واجب واحد في الوقت الواحد مع الشيء الواحد ، فأنى يكون هذا نقضا محوجا للجواب ؟ ثم بعد ذلك إثبات سببية شيء لهذا مثل الاستدلال بالدوران على علية شيء بلا فرق ، وهو غير مرضي عندنا في مسالك العلة .

فكذا يجب أن يكون هنا إذ لا فرق ، فالمعول عليه في إثبات السببية حينئذ ما سلكناه من إفادة السمع ، ثم إعطاء الضابط بأنه رأس يمونه ويلي عليه ، يلزم عليه تخلف الحكم عن السبب في الجد إذا كانت نوافله صغارا في عياله ، فإنه لا يجب عليه الإخراج عنهم في ظاهر الرواية ، ودفعه بادعاء انتفاء جزء السبب بسبب أن ولاية الجد منتقلة من الأب إليه ، فكانت كولاية الوصي غير قوي إذ الوصي لا يمونه إلا من ماله إذا كان له مال ، بخلاف الجد إذا لم يكن للصبي مال فكان كالأب فلم يبق إلا مجرد انتقال الولاية ولا أثر له كمشتري العبد ، ولا مخلص إلا بترجيح رواية الحسن ، أن على الجد صدقة فطرهم .

وهذه مسائل يخالف فيها الجد الأب في ظاهر الرواية ولا يخالفه في رواية الحسن هذه والتبعية في الإسلام وجر الولاء والوصية لقرابة فلان ( قوله فيلحق به ) هذا بيان حكمه المنصوص يعني إنما أمر الشارع بالإخراج عن هؤلاء لأنهم في معناه بما قلنا لا أنه إلحاق لإفادة حكمهم ، إذ حكمهم ذلك منصوص عليه ( قوله يؤدي من مالهم ) الأب كالوصي ، وكذا يؤدي عن مماليك ابنه الصغير من ماله وعند محمد لا يؤدي عن مماليكه أصلا ، والمجنون كالصغير ( قوله لأن الشرع أجراه مجرى المؤنة فأشبه النفقة ) هذا دليل قولهما ونفقة الصغير إذا كان له [ ص: 286 ] مال في ماله فكذا هذا ، والأولى كون المراد نفقة الأقارب لأن وجه قول محمد أنها عبادة والصبي ليس من أهلها كالزكاة ، وقد وجب إخراج الأب عنه فيكون في ماله ، فيقولان في جوابه ، هي عبادة فيها معنى المؤنة لقوله عليه الصلاة والسلام { أدوا عمن تمونون } إذ قد قبلنا هذا الحديث ، أو ما قدمناه من قوله عليه الصلاة والسلام { ممن تمونون } في حديث ابن عمر فألحقها بالمؤنة فكانت كنفقة الأقارب تجب في مال الصغير إذا كان غنيا لما فيها من معنى المؤنة وإن كانت عبادة .

التالي السابق


الخدمات العلمية