معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج - أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج

صفحة جزء
قوله - عز وجل -: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ؛ " فقراء " : جمع " فقير " ؛ مثل " ظريف " ؛ و " ظرفاء " ؛ وقالوا في " أحصروا " ؛ قولين: قالوا أحصرهم فرض الجهاد؛ فمنعهم من التصرف؛ وقالوا: أحصرهم عدوهم؛ لأنه شغلهم بجهاده؛ ومعنى " أحصروا " : صاروا إلى أن حصروا أنفسهم للجهاد؛ كما تقول: " رابط في سبيل الله " ؛ ومعنى: لا يستطيعون ضربا في الأرض [ ص: 357 ] أي: قد ألزموا أنفسهم أمر الجهاد؛ فمنعهم ذلك من التصرف؛ وليس لأنهم لا يقدرون أن يتصرفوا؛ وهذا كقولك: " أمرني المولى أن أقيم؛ فما أقدر على أن أبرح " ؛ فالمعنى أني قد ألزمت نفسي طاعته؛ ليس أنه لا يقدر على الحركة؛ وهو صحيح سوي؛ ويقال: " ضربت في الأرض ضربا " ؛ و " ضرب الفحل الناقة " ؛ إذا حمل عليها ضرابا؛ و " الضريب " : الجليد الذي يسقط على الأرض؛ يقال: " ضربت الأرض " ؛ و " جلدت الأرض " ؛ و " جلدت الأرض " ؛ وروى الكسائي : " ضربت الأرض " ؛ و " جلدت " ؛ والأكثر " ضربت " ؛ و " جلدت " .

ومعنى يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ؛ أي: يحسبهم الجاهل؛ ويخالهم أغنياء؛ من التعفف عن المسألة؛ وإظهار التجمل.

ومعنى: لا يسألون الناس إلحافا ؛ روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من سأل وله أربعون درهما؛ فقد ألحف " ؛ ومعنى " ألحف " : أي: اشتمل بالمسألة؛ وهو مستغن عنها؛ و " اللحاف " ؛ من هذا اشتقاقه؛ لأنه يشمل الإنسان في التغطية؛ والمعنى أنه ليس منهم سؤال؛ فيكون منهم إلحاف؛ كما قال امرؤ القيس :


على لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود الديافي جرجرا



المعنى: ليس به منار فيهتدى بها؛ وكذلك ليس من هؤلاء سؤال فيقع فيه إلحاف.

التالي السابق


الخدمات العلمية