معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج - أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج

صفحة جزء
ثم أنتم هؤلاء ؛ الخطاب وقع لليهود من بني قريظة؛ وبني النضير؛ لأنهم نكثوا؛ فقتل بعضهم بعضا؛ وأخرج بعضهم بعضا من ديارهم؛ وهذا نقض عهدهم. [ ص: 166 ] وقوله - عز وجل -: تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ؛ قرئت بالتخفيف؛ والتشديد: " تظاهرون " ؛ و " تظاهرون " ؛ فمن قرأ بالتشديد؛ فالأصل فيه: " تتظاهرون " ؛ فأدغم التاء في الظاء؛ لقرب المخرجين؛ ومن قرأ بالتخفيف فالأصل فيه أيضا: " تتظاهرون " ؛ فحذفت التاء الثانية؛ لاجتماع تاءين؛ وتفسير " تظاهرون " : تتعاونون؛ يقال: " قد ظاهر فلان فلانا " ؛ إذا عاونه؛ منه قوله: وكان الكافر على ربه ظهيرا ؛ أي: معينا. وقوله - عز وجل -: بالإثم والعدوان ؛ " العدوان " : الإفراط في الظلم; ويقال: " عدا فلان في ظلمه؛ عدوا؛ وعدوا؛ وعدوانا؛ وعداء " ؛ هذا كله معناه المجاوزة في الظلم؛ وقوله - عز وجل -: لا تعدوا في السبت ؛ إنما هو من هذا؛ أي: لا تظلموا فيه؛ وقوله - عز وجل -: وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ؛ القراءة في هذا على وجوه: " أسرى تفدوهم " ؛ و " أسرى تفادوهم " ؛ و " أسارى تفادوهم " ؛ ويجوز: " أسارى " ؛ ولا أعلم أحدا قرأ بها؛ وأصل الجمع " فعالى " .

أعلم الله مناقضتهم في كتابه؛ وأنه قد حرم عليهم قتلهم؛ وإخراجهم من ديارهم؛ وأنهم يفادونهم إذا أسروا؛ ويقتلونهم؛ ويخرجونهم من ديارهم؛ فوبخهم؛ فقال: فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ؛ يعني ما نال بني قريظة؛ وبني النضير؛ لأن بني النضير أجلوا إلى الشام؛ [ ص: 167 ] وبني قريظة أبيدوا؛ حكم فيهم بقتل المقاتلة؛ وسبي الذراري؛ فقال الله - عز وجل -: ذلك لهم خزي في الدنيا ؛ ولغيرهم من سائر الكفار الخزي في الدنيا القتل؛ وأخذ الجزية؛ مع الذلة؛ والصغار؛ ثم أعلم الله - عز وجل - أن ذلك غير مكفر عن ذنوبهم؛ وأنهم صائرون بعد ذلك إلى عذاب عظيم؛ فقال: ذلك لهم خزي في الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ؛ ومعنى " ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم " : " هؤلاء " ؛ في معنى: " الذين " ؛ و " تقتلون " : صلة ل " هؤلاء " ؛ كقولك: " ثم أنتم الذين تقتلون أنفسكم " ؛ ومثله قوله: وما تلك بيمينك يا موسى وقوله - عز وجل -: وهو محرم عليكم إخراجهم ؛ " هو " : على ضربين: جائز أن يكون إضمار الإخراج الذي تقدم ذكره؛ قال: " وتخرجون فريقا منكم من ديارهم... وهو محرم عليكم إخراجهم " ؛ ثم بين - لتراخي الكلام - أن ذلك الذي حرم: الإخراج؛ وجائز أن يكون للقصة؛ والحديث؛ والخبر؛ كأنه قال: " والخبر محرم عليكم إخراجهم " ؛ كما قال - عز وجل -: قل هو الله أحد ؛ أي: الأمر الذي هو الحق توحيد الله - عز وجل.

[ ص: 168 ] خزي ؛ يقال في الشر؛ والسوء: " خزي الرجل خزيا " ؛ ويقال في الحياء: " خزي؛ يخزى؛ خزاية " ؛ ومعنى يردون إلى أشد العذاب ؛ و " عذاب عظيم " ؛ و " عذاب أليم " : أن العذاب على ضربين؛ على قدر المعاصي؛ والدليل على ذلك قوله - عز وجل -: فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى ؛ فهذه النار الموصوفة ههنا لا يدخلها إلا الكفار؛

التالي السابق


الخدمات العلمية