صفحة جزء
[ ص: 31 ] 11- فأما قوله: (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) فإنما دخله حرف الاستفهام، وليس باستفهام لذكره "السواء"؛ لأنه إذا قال في الاستفهام: "أزيد عندك أم عمرو ؟" وهو يسأل أيهما عندك؛ فهما مستويان عليه، وليس واحد منهما أحق بالاستفهام من الآخر، فلما جاءت التسوية في قوله: (آنذرتهم) شبه بذلك الاستفهام، إذ أشبهه في التسوية. ومثلها : (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم) ولكن : (أستغفرت) ليست بممدودة؛ لأن "الألف" التي فيها ألف وصل؛ لأنها من "استغفر" "يستغفر" فـ "الياء" مفتوحة من "يفعل".

وأما (آنذرتهم) ففيها ألفان "ألف" (أنذرت) وهي مقطوعة؛ لأنه يقول: "ينذر" فـ "الياء" مضمومة، ثم جعلت معها ألف الاستفهام؛ فلذلك مددت وخففت الآخرة منهما؛ لأنه لا تلتقي همزتان. وقال: (أفلا تبصرون) : (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين) . وقال بعضهم: "إنه على قوله: (أفلا تبصرون) وجعل قوله: (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين) بدلا من : (تبصرون) . لأن ذلك: كأن عنده بصرا منهم أن يكون عندهم هكذا". وهذه "أم" التي تكون في معنى "أيهما؟".

[ ص: 32 ] وقد قال قوم: "إنها يمانية" وذلك أن أهل اليمن يزيدون "أم" في جميع الكلام، وأما ما سمعنا من [أهل] اليمن فيجعلون "أم" مكان "الألف واللام" الزائدتين؛ يقولون: "رأيت أمرجل" و "قام أمرجل" يريدون: "الرجل".

ولا يشبه أن يكون: (أم أنا خير) على لغة أهل اليمن . وقد زعم أبو زيد أنه سمع أعرابيا فصيحا ينشدهم:


(12) يا دهن أم كان مشي رقصا بل قد تكون مشيتي ترقصا

فسأله فقال: "معناه: ما كان مشيي رقصا فـ "أم" ها هنا زائدة. وهذا لا يعرف، وقال علقمة بن عبدة :


(13) وما القلب أم ما ذكره ربعية     يخط لها من ثرمداء قليب

يريد "ما ذكره ربعية" يجعله بدلا من "القلب". وقال بعض الفقهاء: "إن معناه أنه قال فرعون : أفلا تبصرون أم أنتم بصراء. وقال الشاعر [ ذو الرمة ]:

[ ص: 33 ]

(14) فيا ظبية الوعساء بين جلاجل     وبين النقا أأنت أم أم سالم

يريد: "أأنت أحسن أم أم سالم ؟" فأضمر "أحسن". يريد: "أليس أنا خيرا من هذا الذي هو مهين".

ولها موضع آخر تكون فيه منقطعة من الكلام كأنك تميل إلى أوله؛ قال: (لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه) . وهذا لم يكن قبله استفهام، وهذا قول العرب: "إنها لإبل" ثم يقول: "أم شاء؟"، "لقد كان كذا وكذا أم حدثت نفسي؟"، ومثل قول الشاعر: [ الأخطل ] :

(15) كذبتك عينك أم رأيت بواسط     غلس الظلام من الرباب خيالا

وليس قوله: (أم يقولون افتراه) لأنه شك، ولكنه قال هذا ليقبح صنيعهم كما تقول: "ألست الفاعل كذا وكذا؟" ليس تستفهم إنما توبخه. ثم قال: (بل هو الحق من ربك) . ومثل هذا في القرآن كثير. قال: (فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون) ثم قال: (أم يقولون شاعر نتربص به.... أم عندهم خزآئن ربك) كل هذا على استفهام الاستئناف.

وليس لـ "أم" غير هذين الموضعين.

[ ص: 34 ] لأنه أراد أن ينبه، ثم ذكر ما قالوا عليه، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، ليقبح ما قالوا عليه، نحو قولك للرجل: "ألخير أحب إليك أم الشر؟" وأنت تعلم أنه يقول: "الخير"، ولكن أردت أن تقبح عنده ما صنع.

وأما قوله: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) فقد نهاه عن الآثم والكفور جميعا. وقد قال بعض الفقهاء: إن "أو" تكون بمنزلة الواو؛ وقال [ النمر بن تولب ]:


(16) يهينون من حقروا شيئه     وإن كان فيهم يفي أو يبر

يقول: "يفي ويبر". وكذلك هي عندهم ها هنا وإنما هي بمنزلة: "كل الخبز أو اللحم أو التمر" إذا رخصت له في هذا النحو؛ فلو أكل كله أو واحدا منه لم يعص؛ فيقع النهي عن كل ذا في هذا المعنى. فيكون إن أكل الكل أو واحدا عصى، كما كان في الأمر إن صنع واحدا أطاع. وقال: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) ومعناه: "ويزيدون". ومخرجها في العربية أنك تقول: "لا تجالس زيدا أو عمرا أو خالدا " فإن أتى واحدا منهم أو كلهم كان عاصيا؛ كما أنك إذا قلت: "اجلس إلى فلان أو فلان أو فلان"؛ فجلس إلى واحد منهم أو كلهم كان مطيعا. فهذا مخرجه من العربية. وأرى الذين قالوا: إنما "أو" بمنزلة "الواو" إنما قالوها؛ لأنهم رأوها في معناها. وأما : (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) ؛ فإنما يقول: "أرسلناه إلى مائة ألف عند الناس"، ثم قال: "أو يزيدون عند الناس"؛ لأن الله تبارك وتعالى لا يكون منه شك.

[ ص: 35 ] وقد قال قوم: "إنما" "أو" ها هنا بمنزلة "بل"، وقد يقول الرجل: "لأذهبن إلى كذا وكذا" ثم يبدو له بعد فيقول: "أو أقعد"، فقال ها هنا : "أرسلناه إلى مائة ألف عند الناس" ثم قال: "أو يزيدون عند الناس" أي: أن الناس لا يشكون أنهم قد زادوا.

والوجه الآخر هكذا؛ أي: "فكذا حال الناس فيهم أي: أن الناس يشكون فيهم، وكذا حال "أم" المنقطعة؛ إن شئت جعلتها على: "بل" فهو مذهب حسن. وقال متمم بن نويرة :


(17) فلو كان البكاء يرد شيئا     بكيت على جبير أو عفاق
على المرأين إذ هلكا جميعا     بشأنهما وحزن واشتياق

وقال ابن أحمر:


(18) فقلت البثي شهرين أو نصف ثالث     إلى ذاك ما قد غيبتني غيابيا

وأما قوله: أإنا لمبعوثون أوآباؤنا الأولون فإن هذه الواو واو عطف، كأنهم قالوا: (أإنا لمبعوثون) فقيل لهم: "نعم وآباؤكم" فقالوا : (أوآباؤنا) ، وقوله: (أولم ير الإنسان) ، (أولم يهد لهم) . وأشباه هذا في القرآن كثير.

قالوا: ومثل الفاء في قوله: (أفلم يهد لهم) وقوله: (أفلم يدبروا القول) .

[ ص: 36 ] وإن شئت جعلت هذه الفاءات زائدة. وإن شئت جعلتها جوابا لشيء كنحو ما يقولون: "قد جاءني فلان" فتقول: "أفلم أقض حاجته؟" فجعل هذه الفاء معلقة بما قبلها.

التالي السابق


الخدمات العلمية