صفحة جزء
مواضع التقديم والتأخير - الاستفهام

تفسير الاستفهام الدال على الإنكار

110- واعلم أنا وإن كنا نفسر الاستفهام في مثل هذا بالإنكار فإن الذي هو محض المعنى أنه ليتنبه السامع حتى يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتدع ويعيى بالجواب، إما لأنه قد ادعى القدرة على فعل لا يقدر عليه . فإذا ثبت على دعواه قيل له : " فافعل " فيفضحه ذلك . وإما لأنه [ ص: 120 ] هم بأن يفعل ما لا يستصوب فعله، فإذا روجع فيه تنبه وعرف الخطأ . وإما لأنه جوز وجود أمر لا يوجد مثله، فإذا ثبت على تجويزه قبح على نفسه وقيل له : فأرناه في موضع وفي حال . وأقم شاهدا على أنه كان في وقت .

ولو كان يكون للإنكار، وكان المعنى فيه من بدء الأمر، لكان ينبغي أن لا يجيء فيما لا يقول عاقل : إنه يكون حتى ينكر عليه، كقولهم : أتصعد إلى السماء؟ أتستطيع أن تنقل الجبال؟ أإلى رد ما مضى سبيل؟

وإذ قد عرفت ذلك فإنه لا يقرر بالمحال، وبما لا يقول أحد : إنه يكون إلا على سبيل التمثيل، وعلى أن يقال له: إنك في دعواك ما ادعيت بمنزلة من يدعي هذا المحال، وإنك في طمعك في الذي طمعت فيه بمنزلة من يطمع في الممتنع .

112- وإذ قد عرفت هذا فمما هو من هذا الضرب قوله تعالى : « أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي » [سورة الزخرف: 40 ] . ليس إسماع الصم مما يدعيه أحد فيكون ذلك للإنكار . وإنما المعنى فيه التمثيل والتشبيه وأن ينزل الذي يظن بهم أنهم يسمعون، أو أنه يستطيع إسماعهم منزلة من يرى أنه يسمع الصم ويهدي العمي . ثم المعنى في تقديم الاسم وأن لم يقل : " أتسمع الصم " هو أن يقال للنبي صلى الله عليه وسلم : أأنت خصوصا قد أوتيت [ ص: 121 ] أن تسمع الصم وأن يجعل في ظنه أنه يستطيع إسماعهم، بمثابة من يظن أنه قد أوتي قدرة على إسماع الصم .

ومن لطيف ذلك قول ابن أبي عيينة :


فدع الوعيد فما وعيدك ضائري أطنين أجنحة الذباب يضير؟



جعله كأنه قد ظن أن طنين أجنحة الذباب بمثابة ما يضير، حتى ظن أن وعيده يضير .

تفسير تقديم المفعول على المضارع وهو فعل لم يكن

واعلم أن حال المفعول فيما ذكرنا كحال الفاعل، أعني تقديم اسم المفعول يقتضي أن يكون الإنكار في طريق الإحالة والمنع من أن يكون بمثابة أن يوقع به مثل ذلك الفعل . فإذا قلت : أزيدا تضرب؟ كنت قد أنكرت أن يكون زيد بمثابة أن يضرب، أو بموضع أن يجترأ عليه ويستجاز ذلك فيه، ومن أجل ذلك قدم " غير " في قوله تعالى : « قل أغير الله أتخذ وليا » [سورة الأنعام: 40 ] وقوله عز وجل : « قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون » [سورة الأنعام: 14 ] وكان له من الحسن والمزية والفخامة، ما تعلم أنه لا يكون لو أخر فقيل : قل أأتخذ غير الله وليا [ ص: 122 ] وأتدعون غير الله وذلك لأنه قد حصل بالتقديم معنى قولك: أيكون غير الله بمثابة أن يتخذ وليا وأيرضى عاقل من نفسه أن يفعل ذلك؟ وأيكون جهل أجهل وعمى أعمى من ذلك؟ ولا يكون شيء من ذلك إذا قيل : أأتخذ غير الله وليا، وذلك لأنه حينئذ يتناول الفعل أن يكون فقط ولا يزيد على ذلك فاعرفه .

وكذلك الحكم في قوله تعالى : « فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه » [ سورة القمر : 24 ] . وذلك لأنهم بنوا كفرهم على أن من كان مثلهم بشرا لم يكن بمثابة أن يتبع ويطاع وينتهى إلى ما يأمر ويصدق أنه مبعوث من الله تعالى، وأنهم مأمورون بطاعته كما جاء في الأخرى : « إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا » [ سورة إبراهيم : 10 ] وكقوله عز وجل : « ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة » [ سورة المؤمنون :24 ] فهذا هو القول في الضرب الأول وهو أن يكون يفعل بعد الهمزة لفعل لم يكن .

معنى التقديم والفعل موجود

وأما الضرب الثاني وهو أن يكون يفعل لفعل موجود، فإن تقديم الاسم يقتضي شبها بما اقتضاه في الماضي من الأخذ بأن يقر أنه الفاعل أو الإنكار أن يكون الفاعل .

[ ص: 123 ] فمثال الأول قولك للرجل يبغي ويظلم : أأنت تجيء إلى الضعيف فتغصب ماله؟ أأنت تزعم أن الأمر كيت وكيت؟ وعلى ذلك قوله تعالى : « أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين » [ سورة يونس : 99 ] ومثال الثاني : « أهم يقسمون رحمت ربك » [ سورة الزخرف : 32 ] . 50

التالي السابق


الخدمات العلمية