صفحة جزء
[ ص: 107 - 108 ] باب ) صح وقف [ ص: 109 ] مملوك ، [ ص: 110 ] إن بأجرة ، [ ص: 111 ] ولو حيوانا ، ورقيقا : كعبد على مرضى لم يقصد ضرره ،


[ ص: 108 ] باب ) في بيان أحكام الوقف وما يتعلق به ( صح وقف ) بفتح الواو وسكون القاف . ابن عرفة الوقف مصدرا إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازما بقاؤه في ملك معطيها ولو تقديرا فتخرج عطية الذات والعارية والعمرى والعبد المخدم حياته يموت قبل موت ربه لعدم لزوم بقائه في ملك معطيه ، لجواز بيعه برضاه مع معطاه . وقول ابن عبد السلام إعطاء منافع على سبيل التأبيد يبطل طرده بالمخدم حياته ولا يرد بأن جواز بيعه يمنع اندراجه تحت التأبيد ; لأن التأبيد إنما هو في الإعطاء ، وهو صادق على المخدم المذكور لا في لزوم بقائه في ملك معطيه ، واسما : ما أعطيت منفعته مدة إلخ ، وصرح الباجي ببقاء ملك المحبس على محبسه ، وهو لازم تزكية حوائط الأحباس على ملك محبسها . وقول اللخمي التحبيس يسقط ملك المحبس غلط

الحط يخرج من حده الحبس غير المؤبد ، وقد صرح بجوازه ابن الحاجب والمصنف . البناني قوله مدة وجوده مبني على أن الحبس لا يكون إلا مؤبدا ، وإطلاق الحبس على غير المؤبد مجاز عنده كما صرح به ، ونصه : الروايات واردة بإطلاق لفظ الحبس على ما حبس مدة يصير بعدها ملكا ، وهو مجاز . ا هـ . وعلى ما ذهب هو إليه ينبني قوله أيضا لازما بقاؤه إلخ ، وأخرج بقوله لازما بقاؤه : العبد المخدم حياته يموت قبل موت سيده ; لأنه فيه يظهر قوله مدة وجوده .

وأما إن مات سيده قبله فإنه يبطل أخذ أمه ويرجع لورثة سيده قاله ابن القاسم ، فهو خارج حينئذ بقوله مدة وجوده والله أعلم بقي أن الوقف تمليك انتفاع لا منفعة كما تقدم والله أعلم . ابن عرفة : وهو مندوب [ ص: 109 ] إليه ; لأنه صدقة ويتعذر عروض وجوبه ، بخلاف الصدقة وفيه تناف ظاهر ، وأنه من المواساة التي للحفظ من الهلاك وشديد الأذى ، ويجب بالنذر وبالحنث وبأمر من تجب طاعته أمرا جازما . وفي المقدمات التحبيس سنة قائمة عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده . وفي اللباب حكمه الجواز خلافا لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وحقيقته لغة : الحبس ، وشرعا : حبس عين لمن يستوفي منافعها أبدا .

النووي ، وهو مما اختص به المسلمون . الشافعي رضي الله تعالى عنه لم تحبس أهل الجاهلية فيما علمت دارا ولا أرضا تبررا بتحبيسها ، وإنما حبس أهل الإسلام ولا يرد عليه بناء قريش الكعبة وحفر بئر زمزم ; لأنه لم يكن تبررا ، بل فخرا .

روى مسلم عن أبي هريرة " رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له } وروى البخاري { عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال أصاب أبي أرضا بخيبر فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصبت أرضا لم أصب مالا أنفس منها ، فكيف تأمرني بها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها فتصدق بها عمر } على أنه لا يباع أصلها ، ولا يوهب ولا يورث في الفقراء والغرباء والرقاب وفي سبيل الله ، والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه .

تت عبر بالوقف كابن الحاجب دون الحبس ; لأنه أصرح في الدلالة على التأبيد من غير احتياج لقرينة قاله عبد الوهاب ، وهما سواء عن ابن رشد وغيره ، وقال شريح رحمه الله تعالى لا حبس عن فرائض الله تعالى . ابن يونس أراد أنه يورث مالك ، تكلم شريح ببلده ولم يرد المدينة فيرى إحباس الصحابة ، وينبغي للمرء أنه لا يتكلم فيما لم يحط به خبرا ، قال الله تعالى { ولا تقف ما ليس لك به علم } وإضافة وقف شيء ( مملوك ) لواقفه أو موكله من إضافة المصدر لمفعوله من أرض أو دار أو حانوت أو قنطرة أو مسجد أو رباط أو مصحف أو كتاب أو رقيق أو دابة أو عرض أو غيرها ، واحترز [ ص: 110 ] به عن وقف الإنسان نفسه على نوع من العبادات قاله ابن عبد السلام عن الغزالي ابن عرفة المحبس الحقي الأرض وما تعلق بها كالدور والحوانيت والحوائط والآبار والمقابر والطرق ، ولا خلاف فيه بين أصحاب الإمام مالك رضي الله تعالى عنهم ، وأراد بالمقابر المتخذة حيث يجوز اتخاذها . سمع ابن القاسم إن أحدثت قبور بفناء قوم كانوا يرمون به في غيبتهم ثم قدموا فلهم تسوية قديمها للرمي عليها ، ولا أحب تسوية جديدها . ابن رشد كرهه في الجديدة في الأفنية ، ولو كانت في الأملاك المحجورة لم يكرهه ، وقد قال علي بن أبي طالب " رضي الله عنه " واروا في بطنها وانتفعوا بظهرها . ابن رشد لو دفن في الأملاك المحجورة بلا إذن ربها لكان عليه تحويلهم إلى مقابر المسلمين ، وفعل ذلك بقتلى أحد لما أراد معاوية " رضي الله عنه " إجراء العين التي بجانب أحد أمر مناديا ينادي بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام من كان له قتيل فليخرجه وليحوله ، قال جابر " رضي الله عنه " فأخرجناهم من قبورهم رطابا ينتقعون يعني شهداء أحد .

قلت في استدلاله بفعل معاوية " رضي الله عنه " نظر ; لأن قتلى أحد ما أقبروا إلا حيث جاز إقبارهم ، واستدلاله بإخراجهم يوهم كون القبر غير حبس ، والأقرب أنه فعله لتحل منفعة عامة حاجبة حسبما يأتي في بيع الحبس لتوسعة جامع الخطبة . ابن عات سأل بعضهم أيجوز حرث البقيع بعد أربعين سنة دون دفن فيه وأخذ ترابه للبناء ، فقال : الحبس لا يجوز أن يتملك ابن سهل أفتى بعض الفقهاء بالمشي على أسنمة القبور { وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشق المقابر على أسنمتها لا يثبها } ، وقال غيره : المشي على المقابر إن كان له قبر ضرورة ويؤمر بالتحفظ من المشي عليها لئلا يهدمها وللضرورة أحكام ، وأقره ابن سهل ، وأفتى بعض شيوخنا بعض أهل الخير في بناء دار له وجد في بقعة منها عظام آدمي يكون محله حبسا لا ينتفع به ، ولا بهوائه فتركه وهواءه براحا .

الباجي تحبيس الرباع جائز اتفاقا فإن ملك بشراء أو نحوه ، بل ( وإن ) ملكت منفعته ( بأجرة ) فيها لا بأس أن يكري أرضه على أن تتخذ مسجدا عشر سنين ، فإذا [ ص: 111 ] انقضت كان النقض للذي بناه . ابن عرفة قول ابن الحاجب يصح في العقار المملوك لا المستأجر اختصار لقول ابن شاس لا يجوز وقف الدار المستأجرة ، وفي كون مراد ابن شاس ففي وقف مالك منفعتها أو بائعها نظر ، وفسره ابن عبد السلام في لفظ ابن الحاجب بالأول ، وهو بعيد لخروجه بالمملوك والأظهر الثاني ، وفي نقله الحكم بإبطاله نظر ; لأن الحبس إعطاء منفعته دائما ، وأمد الإجارة خاص ، فالزائد عليه يتعلق به التحبيس لسلامته عن المعارض .

ثم في لغو حوز المستأجر للحبس فيفتقر لحوزه بعد أمد الإجارة وصحته له فيتم من حين عقده قولان مخرجان على قولي ابن القاسم وأشهب في لغو حوز ما في إجارته لمن وهب له بعد إجارته وصحته له إن كان المملوك الذي أريد وقفه عقارا ، بل ( ولو ) كان ( حيوانا ورقيقا ) فيها من حبس رقيقا أو دواب في سبيل الله تعالى استعملوا في ذلك ولا يباعوا ولا بأس أن يجبس الرجل الثياب والسروج الإمام مالك " رضي الله عنه " ما ضعف من الدواب المحبسة في سبيل الله تعالى حتى لم يبق فيها قوة عمل الغزو بيعت واشتري مثلها مما ينتفع فيه من الخيل فتجعل في السبيل . ابن القاسم فإن لم يبلغ ثمن فرس أو هجين أو برذون فليعن بذلك في ثمن فرس . ابن وهب عن مالك رضي الله تعالى عنهما وكذلك الفرس يكلب ويخبث . ابن القاسم ما بلي من الثياب المحبسة ، ولم يبق فيها منفعة بيعت واشتري بثمنها ثياب ينتفع بها ، فإن لم يبلغ في السبيل .

وشبه في الصحة ( ك ) وقف ( عبد على ) أشخاص ( مرضى ) بفتح الميم والضاد المعجمة وسكون الراء جمع مريض ليخدمهم فيصح ما ( لم يقصد ) سيده بوقفه عليهم ( ضرره ) أي العبد ، فإن كان قصده فلا يصح . ابن رشد يكره تحبيس الرقيق لرجاء عتقه ، فإن نزل وفات مضى ، وما لم يفت استحب لمحبسه صرفه لما هو أفضل . ابن عرفة أراد فوته بالحوز لا بالموت .

التالي السابق


الخدمات العلمية