صفحة جزء
ثم شرع في الحكم الثالث وهو وجوب القضاء فقال ( ومن لم يجد ماء ولا ترابا ) لكونه في موضع ليسا فيه ، أو وجدهما ومنع من استعمالهما مانع من نحو حاجة عطش في الماء أو نداوة في التراب مانعة من وصول الغبار للعضو ولم يمكنه تجفيفه بنحو نار ( لزمه في الجديد أن يصلي الفرض ) الأداء ولو جمعة ، لكنه لا يحسب من الأربعين لنقصه لحرمة الوقت لقوله [ ص: 318 ] صلى الله عليه وسلم { إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم } فإن كان جنبا وجب عليه الاقتصار على قراءة الفاتحة ، وصلاته متصفة بالصحة فتبطل بما يبطل به غيرها من بقية الصلوات ولو بسبق الحدث كما هو قضية كلامهم خلافا لبعض المتأخرين .

ولا يشترط لصحة صلاته ضيق الوقت ، بل إنما يمتنع عليه الصلاة ما دام يرجو أحد الطهورين كما قاله الأذرعي وهو ظاهر وأفتى به الوالد رحمه الله تعالى ( ويعيد ) إذا وجد الماء أو التراب بمحل تسقط به الصلاة وإلا حرم عليه قضاؤها ، وإنما وجبت الإعادة لأنه عذر نادر .

والثاني تجب الصلاة بلا إعادة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بها في حديث عائشة وهو مطرد في كل صلاة أديت في الوقت مع خلل وهو مذهب المزني ، واختاره في شرح المهذب لأنه أدى وظيفة الوقت ، وإنما يجب القضاء بأمر جديد ولم يثبت فيه شيء ، ولو رأى أحد الطهورين في أثناء هذه الصلاة بطلت ، وتجب الإعادة على من على بدنه نجاسة يخاف من غسلها مبيح تيمم أو حبس عليها وكان لو سجد لسجد عليها فإنه يصلي وجوبا إيماء بأن ينحني له بحيث لو زاد أصابها ويعيد كما جزم به في التحقيق والمجموع وهو المعتمد ، وخرج بالفرض النفل فليس لمن ذكر فعلها إذ لا ضرورة إليها ، ولو كان حدثه أكبر امتنع عليه مس المصحف وحمله والجلوس في المسجد وقراءة شيء من القرآن سوى الفاتحة في الصلاة كما مر ، وتقدم أن صلاة الجنازة كالنفل في أنها تؤدى مع مكتوبة بتيمم واحد ، وقياسه أن هؤلاء لا يصلونها وهو [ ص: 319 ] كذلك إذا حصل فرضها بغيرهم .

ويؤخذ مما ذكر أن من صلى هذه الصلاة لا يسجد فيها لتلاوة ولا سهو وهو كذلك كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى .

أما فاقد السترة فله التنفل لعدم لزوم الإعادة له كدائم الحدث ونحوه ممن يسقط فرضه بالصلاة مع وجود المنافي وإن وقع في كلام المصنف ما يخالفه .

ومراده بالإعادة هنا القضاء كما في المحرر .


حاشية الشبراملسي

( قوله : ولم يمكنه تجفيفه إلخ ) أي فإن أمكنه وجب ، ومنه يؤخذ أنه لو كان به جراحة في يديه فغسل وجهه ثم أراد التيمم عن جراحة اليدين أنه يكلف تنشيف الوجه واليدين قبل أخذ التراب ، لأنه إن أخذه مع بلل يديه صار كالتراب الندي المأخوذ من الأرض فلا يصح التيمم به فتنبه له فإنه دقيق .

وينبغي أن محل تكليفه تنشيف الوجه ما لم يقف في مهب الريح ، فإن وقف فيه وحرك وجهه لأخذ التراب من الهواء فلا لوصول التراب إلى جميع أجزاء الوجه في الحالة المذكورة ( قوله لا يحسب من الأربعين لنقصه ) وينبغي أن مثله ما لو تيمم بمحل يغلب فيه وجود الماء فلا يحسب من الأربعين لأنه إنما يصلي لحرمة الوقت ويقضي بعد ذلك ( قوله : لحرمة الوقت ) متعلق بيصلي فهو علة للمقيد مع قيده فالمقيد وهو الفرض وقوله مع قيده وهو الأداء وقوله لقوله صلى الله عليه وسلم هو علة لقوله [ ص: 318 ] لزمه أن يصلي إلخ ( قوله : وجب عليه الاقتصار على قراءة الفاتحة إلخ ) عبارة الشارح في شرح العباب بعد قول المصنف نعم فاقد الطهورين يقرأ الفاتحة فقط حتما في صلاة الفرض نصها : قال في الإسعاد : وهل يلحق بالفاتحة آية خطبة الجمعة والسورة المعينة المنذورة كل يوم لفاقد الطهورين يوما بكماله لم أر فيه نقلا .

وقضية كلام الإرشاد نعم وهو متجه في آية الخطبة ، وفيه في السورة المنذورة تردد إذ النذر يسلك به مسلك جائز الشرع ، والأوجه إلحاقها بما قبلها ، إذ ما ذكر في التردد خلاف الأصل ا هـ .

أقول : وبقي ما لو قرأ بقصد القرآن مع الجنابة مع القدرة على الطهارة بالماء هل تجزئه القراءة مع حرمة ذلك كالصلاة في الدار المغصوبة أو لا أخذا مما قالوه في الإجارة من أنه لو استأجره لقراءة شيء من القرآن في وقت معين وأجنب فيه فقرأ وهو جنب حيث قالوا لا يستحق الأجرة لأن المقصود من القراءة الثواب وقراءته لا ثواب فيها ؟ فيه نظر .

والأقرب الثاني لما ذكر ، وليس هذا كالصلاة في الدار المغصوبة لأن تلك لها جهتان كونها صلاة وليست منهيا عنها من هذه الجهة ، وكونها شغلا لملك الغير وهو محرم ولو بغير صلاة فليست الحرمة من جهة الصلاة ، بخلافه هنا فإن الحرمة من جهة القراءة ( قوله لبعض المتأخرين ) هو الإسنوي ( قوله : وهو ) أي هذا الثاني ( قوله : ولو رأى إلخ ) أي أو توهمه كما بحثه شيخنا ابن الرملي زيادي ( قوله : فليس لمن ذكر ) أي من فاقد الطهورين ومن على بدنه نجاسة أو حبس عليها ( قوله : فعلها ) أي صلاة النفل ( قوله : ولو كان حدثه أكبر ) أي فاقد الطهورين ( قوله : من القرآن ) ينبغي أن يستثنى من ذلك ما لو خاف نسيانه لو لم يقرأ وكان لا يدفع خوف نسيانه إجراؤه على قلبه ( قوله : هؤلاء ) أي فاقد الطهورين ومن ببدنه نجاسة أو حبس بمكان نجس ( قوله : لا يصلونها ) قضية حصره فيما ذكر أن غيرهم ممن يصح منه الفرض يتنفل ويدخل فيه من تحير [ ص: 319 ] في القبلة والمربوط على خشبة ونحوهما ، وفيه بعد لأنهم إنما يصلون للضرورة ولا ضرورة للنفل ( قوله إذا حصل فرضها بغيرهم ) كذا في نسخة ، ويشكل على هذه النسخة أن صلاة الجنازة حيث كانت كالنفل فحقها ألا يصلوها مطلقا إلا أن يقال : إن هذه فرض في الجملة ، ولا يلزم من تشبيهها بالنفل إعطاؤها حكمه من كل وجه ( قوله : مما ذكر ) هو قوله إذ لا ضرورة إليها ( قوله : وهو كذلك ) أي ما لم يكن مأموما وإلا وجب للمتابعة ( قوله : لزوم الإعادة له ) قضيته أن من تيمم في محل يغلب فيه وجود الماء لا يتنفل ، وصريح ما مر في قوله أو وجده في صلاة فرضا أو نفلا لا تسقط إلخ خلافه فليتأمل ( قوله : القضاء ) الأولى ما يشمل القضاء لأنه لو غلب على ظنه في أول الوقت عدم وجود ماء أو تراب فيه صلى أوله ، ثم إن وجد أحدهما في الوقت على خلاف ظنه وجب فعلها فيه .

حاشية المغربي

[ ص: 318 ] قوله : والثاني تجب الصلاة بلا إعادة ) هو أحد أقوال ثلاثة في القديم . والثاني منها ندب فعل الصلاة للفاقد المذكور . والثالث حرمته مع وجوب الإعادة فيهما ( قوله : فعلها ) الضمير فيه للنفل بالتأويل [ ص: 319 ] قوله : ومراده بالإعادة هنا القضاء ) قال الشهاب ابن حجر : بل مراده ما يشمل الأمرين فيلزمه فعلها في الوقت إن وجد ما مر فيه وإلا فخارجه

التالي السابق


الخدمات العلمية