صفحة جزء
كتاب الإيلاء مصدر آلى : أي حلف ، وهو لغة : الحلف بدليل قراءة ابن عباس ; للذين يقسمون من نسائهم قال الشاعر :

وأكذب ما يكون أبو المثنى إذا آلى يمينا بالطلاق

وكان طلاقا في الجاهلية فغير الشارع حكمه ، وخصه بقوله ( هو حلف زوج يصح طلاقه ) بالله أو صفة له مما يأتي في الأيمان أو بما ألحق بذلك مما يأتي ( ليمتنعن من وطئها ) أي الزوجة ولو رجعية ومتحيرة لاحتمال الشفاء ، ولا تضرب المدة إلا بعد الشفاء ، ومحرمة لاحتمال التحلل بحصر وغيره كما قاله الزركشي ، وقياس ما مر عنه في الأولى أن لا تضرب المدة إلا بعد التحلل والتكفير ، وصغيرة بشرطها الآتي سواء قال في الفرج أم أطلق ، وسواء أقيد بالوطء الحلال أم سكت عن ذلك ( مطلقا ) بأن لم يقيد بمدة وكذا إن قال أبدا أو حتى أموت أنا أو زيد أو تموتي ، ولا [ ص: 69 ] يرد ذلك على المصنف لأنه لاستبعاده نزل منزلة الزائد على الأربعة ، ولو قال لا أطأ ثم قال أردت شهرا مثلا دين ( أو فوق أربعة أشهر ) ولو بلحظة لقوله تعالى { للذين يؤلون من نسائهم } الآية ، وإنما عدي فيها بمن ، وهو إنما يعدى بعلى لأنه ضمن معنى البعد كأنه قيل يؤلون مبعدين أنفسهم من نسائهم ، وقيل من للسببية : أي يحلفون بسبب نسائهم وقيل بمعنى على أو في على حذف مضاف فيهما : أي على ترك وطء أو في ترك وطء نسائهم ، وقيل من زائدة ، والتقدير يؤلون أي يعتزلون نساءهم ، أو إن آلى يتعدى بعلى ، ومن ثم قال أبو البقاء نقلا عن غيره : إنه يقال آلى من امرأته وعلى امرأته .

وفائدة كونه موليا في زيادة للحظة مع تعذر الطلب فيها لانحلال الإيلاء بمضيها إثمه إثم المولي بإيذائها وإياسها من الوطء تلك المدة فخرج بالزوج حلف أجنبي وسيد فيمين محضة كما يأتي ، وبيصح طلاقه الشامل للسكران والمريض بشرطه الآتي والعبد والكافر والصبي والمجنون والمكره ، وبليمتنعن الذي لا يقال عادة إلا فيما يقدر عليه العاجز عن الوطء بنحو جب أو شلل أو رتق أو قرن أو صغر فيها بقيده الآتي فلا إيلاء لانتفاء الإيذاء ، وبما تقرر اندفع إيراد هذا على كلامه بأنه غير مانع لدخول هذا فيه على أنه سيصرح بذلك وبوطئها خلفه على ترك التمتع بغيره وبقي الفرج إلى آخره حلفه على الامتناع من وطئها في الدبر أو الحيض أو النفاس أو الإحرام فهو محض يمين ، فإن قال لا أجامعك إلا في نحو الحيض أو نهار رمضان أو المسجد فوجهان ، أرجحهما لا ، وبه جزم السرخسي والرافعي في الصغير في صورتي الحيض والنفاس ومثلهما البقية وبفوق أربعة أشهر الأربعة فأقل لأن المرأة تصبر عن الزوج أربعة أشهر ثم يفنى صبرها أو يقل ، ولو حلف زوج المشرقية بالمغرب لا يطؤها لم يكن موليا كالإيلاء من صغيرة .

وقال البلقيني : يكون موليا لاحتمال الوصول على خلاف [ ص: 70 ] العادة ولا تضرب المدة إلا بعد الاجتماع ، ولو آلى مرتد أو مسلم من مرتدة فعندي تنعقد اليمين ، فإن جمعهما الإسلام في العدة وكان قد بقي من المدة أكثر من أربعة أشهر فهو مول وإلا فلا والأربعة هلالية ، فلو حلف لا يطؤها مائة وعشرين يوما حكم بكونه موليا حالا إذ الغالب عدم كمال الأربعة فكل شهر نقص تحققنا أنه مول وعلم من كلامه أن له ستة أركان : محلوف به ، وعليه ، ومدة ، وصيغة ، وزوجان وأن كلا له شروط لا بد منها .


حاشية الشبراملسي

كتاب الإيلاء ( قوله : قراءة ابن عباس ) قد يشعر بأن أهل اللغة لم يصرحوا بأن معناه ذلك وليس مرادا ، ففي المختار آلى يولي إيلاء : حلف ( قوله من نسائهم ) وعليه فيكون ( قوله : تربص ) مبتدأ حذف خبره : أي لهم تربص أربعة إلخ ( قوله وأكذب ما يكون ) أي أكذب أحواله إذا حلف بالطلاق ( قوله : أو بما ألحق بذلك مما يأتي ) أي من كل ما يدل التزامه على امتناعه من الوطء خوفا من لزوم ما التزمه بالوطء ( قوله : إلا بعد الشفاء ) أي وبعد الرجعة ( قوله : وقياس ما مر ) أي من أنها لا تضرب المدة إلا بعد الشفاء ، وقوله عنه : أي الزركشي ، وقوله في الأولى هي قوله ومتحيرة إلخ ( قوله : إلا بعد التحلل ) أي في المحرمة والتكفير : أي في المظاهر منها ، وقد يقال المانع في الظهار من جانبه ، وهو متمكن من التكفير وإن لم يكن فوريا فيغلظ عليه بضرب المدة من الحلف لعدم تكفيره ، [ ص: 69 ] وهو واجب عليه ( قوله لاستبعاده ) أي في النفوس ( قوله : ولو بلحظة ) عبارة شيخنا الزيادي : قوله على أربعة أشهر : أي بزمن يتأتى فيه المطالبة والرفع إلى الحاكم ا هـ . لكن هذا مخالف لقول الشارح الآتي : وفائدة كونه موليا زيادة اللحظة إلخ ( قوله : إثمه إثم المولي ) وهو كبيرة على ما في الزواجر . قال سم على حج : عد في الزواجر الإيلاء من الكبائر ، ثم قال : وعدي لهذا من الكبائر غير بعيد وإن لم أر من ذكره ا هـ . لكن نقل عن الشارح أنه صغيرة وهو أقرب ( قوله : فهو محض ) وفي نسخة بأن قيد نفي وطئها بحالة حيضها فلا ينافي ما مر فهو محض إلخ ، ومراده بما مر قوله وسواء أقيد بالوطء الحلال أم سكت عن ذلك ( قوله : فهو محض يمين ) أي وليس إيلاء فليس لها مطالبته بالوطء بعد أربعة أشهر ، ومتى وطئ حنث ولزمه ما التزمه ( قوله : أرجحهما لا ) أي لا يكون موليا خلافا لحج ، ووجهه أنه إذا وطئ في شيء مما ذكر حصل به الفيئة وإن حرم وطؤه [ ص: 70 ] قوله : كان موليا ) معتمد ، وفي نسخة : لم يكن موليا كالإيلاء من صغيرة ، وما في الأصل هو الأقرب لما يأتي في الصغيرة من أنه إذا بقي بعد إطاقتها الوطء ما يزيد على أربعة أشهر كان موليا ( قوله إذ الغالب عدم نقصها ) وفي نسخة عدم كمال الأربعة فكل شهر نقص تحققنا أنه مول ا هـ . وهذه هي الصواب ، وعليه فلو جاءت الأربعة كوامل على خلاف الغالب تبين عدم صحة الإيلاء بناء على أن العبرة بما في نفس الأمر ( قوله : فإنه مول ) أي لزيادته على الأربعة .

حاشية المغربي

[ ص: 68 ] كتاب الإيلاء ( قوله : وخصه بقوله ) كان الأصوب أن يقول وخصه بما تضمنته قوله : ( قوله : كما قاله الزركشي ) يعني : في المتحيرة والمحرمة ليتأتى له قوله : وقياس ما مر عنه في الأولى ( قوله : والتكفير ) يعني : في المظاهر منها وكأنه توهم [ ص: 69 ] أنه قدمها أيضا عن الزركشي أو أنه ذكرها وأسقطها النساخ ( قوله : دين ) أي إن كان الحلف بالطلاق كما هو ظاهر ( قوله : لقوله تعالى { للذين يؤلون } إلخ . ) لا يخفى أن الذي في الآية إنما هو حكم الإيلاء بعد وقوعه وليس فيها تعرض لحقيقة الإيلاء التي الكلام فيها والذي في كلام غيره إنما هو ذكر الآية استدلالا عاما للباب وعبارة الجلال المحلي كغيره والأصل فيه قوله تعالى إلخ . ( قوله : للسببية ) مجيء من للسببية غريب ولعله أراد بها التعليل على أن المعنى قد لا يظهر عليه فليتأمل ( قوله : في ترك وطء ) انظر ما معنى الظرفية هنا على أن هذا لا يلائم قوله قبله وهو إنما يعدى بعلى ( قوله : أي يعتزلون ) أي : على سبيل المجاز من إطلاق السبب على المسبب ، ثم لا يخفى أن التفسير بيعتزلون يصدق بما إذا لم يكن حلف ( قوله : من امرأته وعلى امرأته ) هذا إنما يتم إن كان قوله : من امرأته بمعنى على وإلا فالظاهر أن معنى الأول حلفه بطلاق امرأته على شيء آخر فليراجع ( قوله : أو نهار رمضان ) لعل محله إذا كان بينه وبين رمضان دون أربعة أشهر ( قوله : قال البلقيني لو حلف إلخ . ) كذا في حواشي والده ، لكن في نسخة [ ص: 70 ] من الشارح ما نصه : ولو حلف زوج المشرقية بالمغرب لا يطؤها لم يكن موليا كالإيلاء من صغيرة .

وقال البلقيني : يكون موليا لاحتمال إلخ . ولعل هذا رجع إليه الشارح آخرا بعد ما تبع حواشي والده ( قوله : ولا تضرب المدة إلا بعد الاجتماع ) لعل الصورة أنه عين مدة أو أن الصورة أنه لا يمكن الوصول إليها أصلا في العادة فليراجع ( قوله : إذ الغالب عدم نقصها ) كذا في نسخ ، والصواب ما في بعض النسخ عدم كمال الأربعة ( قوله : وأن كلا له شروط ) لا يخفى أن ذلك إنما يعلم من كلامه السابق واللاحق

التالي السابق


الخدمات العلمية