صفحة جزء
ولما ذكر الاجتهاد في نحو الماء وهو [ ص: 102 ] مظروف ولا بد له من ظرف استطرد الكلام على ما يحل من الظروف فقال ( ويحل استعمال ) أي واقتناء ( كل إناء طاهر ) من حيث كونه طاهرا في الطهارة وغيرها إجماعا وقد { توضأ عليه الصلاة والسلام من شن من جلد ومن قدح من خشب ومن مخضب من حجر } فلا يرد المغصوب وجلد الآدمي ونحوهما ، وخرج بالطاهر النجس كالمتخذ من جلد ميتة فيحرم استعماله في نحو ماء قليل ، ولا ينافي الحرمة هنا ما يأتي من كراهة البول في الماء القليل لوجود التضمخ بالنجاسة هنا وعدم ذلك ثم ، لا في جاف والإناء غير رطب أو كثير لكنه يكره ، ومحل ذلك كما في التوسط في غير ما اتخذ من عظم كلب أو خنزير وما تفرع منهما أو من أحدهما وحيوان آخر .

أما هو فيحرم استعماله مطلقا . ولا يرد على المصنف ; لأن المفهوم فيه تفصيل ، وتكفي مخالفة حكم المفهوم حكم المنطوق ( إلا ذهبا أو فضة ) أي إناءيهما ( فيحرم ) استعماله على الرجال والنساء والخناثى في الطهارة وغيرها من غير ضرورة حتى يحرم على المكلف أن يسقي به مثلا غير مكلف ، والاستثناء في كلامه منقطع إن نظرنا إلى التأويل المار .

قال صلى الله عليه وسلم { لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ، ولا تأكلوا في صحافها } رواه الشيخان ، ويقاس بما فيه [ ص: 103 ] ما في معناه ، فإن دعت ضرورة إلى استعماله كمرود منهما لجلاء عينه جاز ، وسواء أكان الإناء صغيرا أم كبيرا ، نعم الطهارة منه صحيحة والمأكول ونحوه حلال ; لأن التحريم للاستعمال لا لخصوص ما ذكر ، ويحرم التطيب منه بنحو ماء ورد والاحتواء على مبخرة منه أو جلوسه بقربها بحيث يعد متطيبا بها عرفا حتى لو بخر البيت بها أو وضع ثيابه عليها كان مستعملا لها .

ويحرم تبخير نحو الميت بها أيضا ، والحيلة كما في المجموع في الاستعمال إذا كان في إناء مما ذكر أن يخرجه منه إلى شيء آخر ولو في أحد كفيه التي لا يستعمله بها فيصبه أولا في يده اليسرى ثم في اليمنى ثم يستعمله ، ويحرم البول في إناء منهما أو من أحدهما ، ولا يشكل ذلك بحل الاستنجاء بهما ; لأن الكلام ثم في قطعة ذهب أو فضة ، لا فيما طبع أو هيئ منهما لذلك كالإناء المهيإ منهما للبول فيه . وتحرم [ ص: 104 ] المكحلة والمرود والخلال والإبرة والمجمرة والملعقة والمشط ونحوها من ذهب أو فضة ، والكراسي التي تعمل للنساء ملحقة بالآنية كالصندوق فيما يظهر كما قاله البدر بن شهبة ، والشراريب الفضة غير محرمة عليهن فيما يظهر لعدم تسميتها آنية .

وعلة التحريم في النقدين مركبة من العين والخيلاء كما يدل عليه كلامهم ، ولا فرق في حرمة ما تقدم بين الخلوة وغيرها ، إذ الخيلاء موجودة على تقدير الاطلاع عليه ، ولو وجد الذهب والفضة عند الاحتياج استعمل الفضة لا الذهب فيما يظهر ، ومحل حرمة استعمال الذهب ما لم يصدأ فإن صدئ : أي بحيث يستر الصدأ جميع ظاهره وباطنه بحيث لا يبين جاز نعم يجري فيه التفصيل الآتي في المموه بنحو نحاس ( وكذا ) يحرم ( اتخاذه ) أي اقتناؤه من غير استعمال ( في الأصح ) ; لأن اتخاذه يجر إلى استعماله والثاني لا اقتصارا على مورد النهي عن الاستعمال ، ويحرم تزين الحوانيت والبيوت بآنية النقدين ، ويحرم تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب والفضة


حاشية الشبراملسي

( قوله : أي واقتناء ) أخذه من قوله الآتي وكذا اتخاذه إلخ ، فإنه يفيد جواز اقتناء غير الذهب والفضة ( قوله : ومن مخضب ) أي إجانة من حجر مختصر الصحاح للقرطبي ( قوله : وجلد الآدمي ) أي لا يرد على حصر الحرمة فيما ذكر من الذهب والفضة المغصوب إلخ ; لأن حرمتهما ليست من تلك الحيثية بل من حيث حرمة الآدمي والاستيلاء على حق الغير ، كذا ذكره في شرح الروض على ما نقله ابن قاسم في حواشي شرح البهجة الكبير .

أقول : يرد على هذا الجواب أن حرمة ما ذكره هنا في حصر الحرمة فيه ليست من حيث الطهارة بل هو من تلك الحيثية حلال ، فلا فرق بين ما حصر الحرمة فيه وما تركه فتأمله ا هـ بحروفه ( قوله : وخرج بالطاهر النجس ) أي والمتنجس ( قوله : لوجود التضمخ ) وهو محرم في بدن ، وكذا ثوب بناء على حرمة التضمخ بها فيه ، وهو ما صححه المصنف في بعض كتبه ا هـ حج ، وهو المعتمد ( قوله : لا في جاف ) عطف على قوله في نحو ماء قليل ( قوله كما في التوسط ) للأذرعي ( قوله : فيحرم استعماله مطلقا ) جافا أم لا ، ولكن يوجد في بعض النسخ لكن الأوجه خلافه ، والصواب ما في الأصل لما يأتي في اللباس ( قوله : في الطهارة وغيرها ) وإن لم يؤلف كأن كبه على رأسه واستعمل أسفله فيما يصلح له كما شمله إطلاقهم ا هـ حج رحمه الله ( قوله أن يسقى به مثلا غير مكلف ) وذلك ; لأن فيه استعمالا من الولي وقضيته أنه لا يحرم عليه دفعه للصبي ليشرب منه بنفسه .

وقد يقال إنه غير مراد ; لأنه يجب عليه منعه من المحرمات وإن لم يأثم الصبي بفعلها ، ومثله إعطاؤه آلة اللهو كالمزمار فينبغي أن يحرم لما مر ، ولا نظر لتألم الولد لترك ذلك ، كما أنه لا نظر لتأذيه بضرب الولي له تأديبا ( قوله : إلى التأويل المار ) هو قوله من حيث كونه طاهرا إلخ ( قوله : ولا تأكلوا في صحافها ) الصحفة : هي ما دون القصعة ، فهي من عطف الخاص على العام ; لأن الآنية تشمل الصحفة وغيرها ، وعليه فليس التقييد بها لإخراج [ ص: 103 ] غيرها ، بل ; لأن الغالب في العادة الأكل في الصحاف دون الشرب ( قوله : إلى استعماله ) أي ما ذكر من الذهب أو الفضة لا بقيد كونه إناء ليصح التمثيل بالمرود ( قوله : نحو الميت ) أي كالصغير ( قوله : والحيلة كما في المجموع ) قال في شرح العباب : ثم الظاهر أن هذه الحيلة إنما تمنع حرمة الاستعمال بالنسبة للتطيب منه لا بالنسبة لاتخاذه ، وجعل الطيب فيه ; لأنه مستعمل له بذلك وإن لم يستعمله بالأخذ منه ، وقد يتوهم من عبارته اختصاص الحيلة بحالة التطيب وليس كذلك . وعبارة الجواهر : من ابتلي بشيء من استعمال آنية النقد صب ما فيها في إناء غيرها بقصد التفريغ واستعمله ، فإن لم يجد فليجعل الطعام على رغيف ويصب الدهن وماء الورد في يده اليسرى ثم يأخذه منها باليمنى ويستعمله ويصب الماء للوضوء في يده ثم يصب من يده إلى محل الوضوء ، وكذا للشرب : أي بأن يصب في يده ثم يشرب منها .

قال غيره : وكذا لو مد بيسراه ثم كب بيمينه ا هـ . ثم قال : ونظر ابن الأستاذ في التفريغ في يساره بأنه يعد في العرف مستعملا ويرد بمنع ما ذكره . قال : وقضية ذلك أن غيره لو صب عليه من إناء الذهب في الوضوء أو غيره لم يكن مستعملا ; لأنه ما باشر ، فإن كان أذن له عصى من جهة الأمر فقط ، ثم قال : وأفاد قول المصنف مثلا أن الصب في اليسرى ليس بشرط ، وهو كذلك ا هـ . وعبارته في شرح الإرشاد قال في المجموع : والحيلة في استعمال ما في إناء النقد أن يخرج منه إلى شيء بين يديه ثم يأكله ، أو يصب الماء في يده ثم يشربه أو يتطهر به ، أو ماء الورد في يساره ثم ينقله ليمينه ثم يستعمله ا هـ .

وكأن الفرق بين ماء الورد والماء فيما ذكره أن الماء يباشر استعماله من إنائه من غير توسط اليد عادة ، فلم يعد صبه فيها ثم تناوله منها استعمالا لإنائه ، بخلاف الطيب فإنه لم يعتد فيه ذلك إلا بتوسط اليد فاحتيج لنقله منها إلى اليد الأخرى قبل استعماله ، وإلا كان مستعملا لإنائه فيما اعتيد فيه ا هـ . وقوله أو ماء الورد في يساره : أي بقصد التفريغ كما شرطه في شرح العباب أخذا من الجواهر ا هـ سم على حج رحمهما الله .

( قوله : في يده اليسرى ) هذا في غير الماء ، أما هو فلا يشترط فيه ذلك بل يكفي صبه في يده ثم يشربه منها من غير نقل إلى الأخرى كما يفيده ما تقدم عن شرح الإرشاد ( قوله ثم يستعمله ) نعم هي لا تمنع حرمة الوضع في الإناء ولا حرمة اتخاذه فتفطن له ا هـ ابن حجر رحمه الله ( قوله : المهيإ منهما ) قضيته أنه لو بال [ ص: 104 ] في إناء ليس معدا للبول لا يحرم ، والظاهر أنه غير مراد ( قوله والشراريب الفضة ) أي التي تجعلها فيما تتزين به بخلاف ما تجعله في نحو إناء تشرب منه أو تأكل فيه ( قوله : مركبة من العين ) أي من ذات الذهب والفضة . قال سم على منهج : فالخيلاء جزء علة أو شرط ا هـ . قال في حواشي الروض : الفرق بين شطر العلة وشرطها أن شطر العلة الوصف المناسب أو المتضمن لمعنى مناسب وما يقف عليه الحكم ولا يناسب هو الشرط ، قاله الغزالي في شفاء الغليل ا هـ . ولا ينافيه قول الشارح مركبة وإن كان ظاهرا في أن كلا من العين والخيلاء جزء لجواز أن يريد بالتركيب نفي أن كل واحدة علة حتى يبقى الحكم ببقاء إحداهما ( قوله : فإن صدئ ) صدئ كتعب كما في المصباح ا هـ . فالمصدر صدأ بوزن تعب ، وأما الوسخ الذي يستر الإناء فالصداء بالمد .

( قوله : بنحو نحاس ) أي فإن كان الصدأ لو فرض نحاسا تحصل منه شيء بالعرض على النار لم يحرم وإلا حرم ( قوله : في الأصح ) وإنما جاز اتخاذ نحو ثياب الحرير بالنسبة للرجل على خلاف ما أفتى به ابن عبد السلام الذي استوجهه بعضهم ; لأن للنفس ميلا ذاتيا لذاك أكثر فكان اتخاذه مظنة استعماله بخلاف غيره ا هـ حج ( قوله : ; لأن اتخاذه يجر إلى استعماله ) كآلة اللهو . قال الزركشي كالشبابة ومزمار الرعاة وككلب لم يحتج له : أي حالا ، وقرد وإحدى الفواسق الخمس وصور نقشت على غير ممتهن وسقف مموه بنقد يتحصل منه شيء ا هـ وما ذكره في القرد غير صحيح لتصريحهم بصحة بيعه والانتفاع به ، وما أدى إلى معصية له حكمها ا هـ حج ( قوله : ويحرم تحلية الكعبة ) هل من التحلية ما يجعل من الذهب والفضة في ستر الكعبة أو تختص بما يجعل ببابها أو جدرانها فيه نظر ، والذي يظهر الآن الأول

حاشية المغربي

( قوله : لوجود التضمخ ) يؤخذ منه إذا لم يكن تضمخ كأن كان يغترف منه بشيء في شيء أنه لا يحرم ، فهل الحكم كذلك أو الحرمة مطلقا نظرا لما من شأنه يراجع ، ثم رأيت ابن حجر صرح بالأول ( قوله : ولا يرد ) يعني حل استعمال النجس المذكور في التفصيل قبل كلام الأذرعي ( قوله : إلى التأويل المار ) أي قوله : [ ص: 103 ] من حيث إلخ ( قوله : نحو الميت ) أي كالصغير ( قوله : والحيلة كما في المجموع إلخ ) هذه الحيلة إنما تمنع حرمة الاستعمال بالنسبة للتطيب منه لا بالنسبة لاتخاذه وجعل الطيب فيه ; لأنه مستعمل له بذلك ، كما قاله الشهاب ابن حجر في شرح العباب ، وذكر فيه أن هذه الحيلة لا تختص بالتطيب بل تجري في الأكل ونحوه ، ومنه أن يمد القلم بيسراه ثم يكتب بيمناه ، وعلم أن الصب في اليسرى ليس بقيد ، لكن يشترط أن يكون نحو الصب في نحو اليسرى قبل الاستعمال بقصد التفريغ ، وكل ذلك مأخوذ من شرح العباب المذكور كما نقله الشهاب ابن قاسم ( قوله : لا فيما طبع أو هيئ منهما لذلك إلخ ) عبارة التحفة محله في قطعة لم تهيأ ; لأنها حينئذ لا تعد إناء ولم تطبع انتهت ، وسيأتي [ ص: 104 ] الكلام عليه في محله ( قوله : والشراريب ) لم يظهر لي ما مراده بها ، وما في حاشية شيخنا غ من أن المراد بها ما تجعله من الشراريب للتزين بها خروج عما الكلام فيه ، وأحكام اللباس لها محل غير هذا سيأتي ( قوله : نعم يجري فيه التفصيل إلخ ) أي بأن يقدر الصدأ نحو نحاس

التالي السابق


الخدمات العلمية