صفحة جزء
قوله ( ويشترط لوجوب الحج على المرأة : وجود محرمها ) هذا المذهب مطلقا . يعني : أن المحرم من شرائط الوجوب ، كالاستطاعة وغيرها . وعليه أكثر الأصحاب ، ونقله الجماعة عن الإمام أحمد ، وهو ظاهر كلام [ ص: 411 ] الخرقي ، وقدمه في المحرر ، والفروع ، والفائق ، والحاويين ، والرعايتين ، وصححه في النظم ، وجزم به في المبهج ، والإيضاح ، والعمدة ، والإفادات . قال ابن منجى في شرحه : هذا المذهب ، وهو من المفردات ، وعنه أن المحرم من شرائط لزوم الأداء ، وجزم به في الوجيز ، وأطلقهما الزركشي ، فعليها : يحج عنها لو ماتت ، أو مرضت مرضا لا يرجى برؤه ، ويلزمها أن توصي به . وهي أيضا من المفردات . ، وعلى المذهب : لم تستكمل شروط الوجوب ، وأطلقهما في الهداية في باب الفوات والإحصار والمذهب ، ومسبوك الذهب ، والكافي ، والتلخيص ، والبلغة ، والشرح ، والزركشي ، والمستوعب ، والهادي ، وعنه لا يشترط المحرم إلا في مسافة القصر . كما لا يعتبر في أطراف البلد ، وأطلقهما في المذهب ، ومسبوك الذهب ، والهادي ، والتلخيص ، والمحرر ، والفائق ، ونقل الأثرم : لا يشترط المحرم في الحج الواجب . قال الإمام أحمد : لأنها لا تخرج مع النساء ومع كل من أمنته ، وعنه لا يشترط المحرم في القواعد من النساء اللاتي لا يخشى منهن ولا عليهن فتنة . ذكرها المجد ، ولم يرتضه صاحب الفروع .

وقال الشيخ تقي الدين : تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم . وقال : هذا متوجه في كل سفر طاعة . قال في الفروع : كذا قال [ وظاهر كلام المصنف وغيره : أن الخنثى كالرجل ] .

فائدة : قال المجد في شرحه : ظاهر كلام الخرقي : أن المحرم شرط للوجوب دون أمن الطريق وسعة الوقت . حيث شرطه ولم يشترطهما ، وظاهر نقل أبي الخطاب : يقتضي رواية بالعكس ، وهو أنه قطع بأنهما شرطان [ ص: 412 ] للوجوب ، وذكر في المحرر : رواية بأنه شرط لزوم . قال : والتفرقة على كلا الطريقين مشكلة ، والصحيح : التسوية بين هذه الشروط الثلاثة ، إما نفيا ، وإما إثباتا . انتهى . قلت : ممن سوى بين الثلاثة : المصنف في الكافي ، والشارح ، وصاحب المستوعب ، والمحرر فيه ، والرعايتين ، والحاويين ، والفائق ، والوجيز ، وابن عقيل وغيرهم ، وأشار ابن عقيل إلى أنها تزاد للحفظ والراحة لنفس السعي . قال في الفروع : وما قاله المجد صحيح ، وذكر كلام ابن عقيل . انتهى .

وممن فرق بين المحرم ، وسعة الوقت ، وأمن الطريق : المصنف في المقنع ، والكافي . فإنه قدم فيهما : أنهما من شرائط اللزوم ، وقدم في المحرر : أنه من شرائط الوجوب ، وكذلك فعل الناظم ، وتبع صاحب الهداية صاحب المذهب ، ومسبوك الذهب ، والخلاصة ، والهداية ، فقطعوا بأنهما من شرائط الوجوب ، وأطلقوا في المحرم الروايتين . وقطع في الإيضاح : أن المحرم شرط للوجوب ، وأطلق فيهما روايتين عكس صاحب الهداية ومن تابعه ، وقدم في التلخيص : أنهما من شرائط اللزوم كالمصنف ، وأطلق في المحرر الروايتين ، وظاهر كلامه في الفروع التفرقة ، فإنه أطلق فيهما الروايتين " منه وعنه " وقال : اختار الأكثر أنهما من شرائط الأداء . وقدم أن المحرم من شرائط الوجوب ، فموافقته للمجد تنافي ما اصطلحه في الفروع ، وظهر أن للمصنف في هذه المسألة ثلاث طرق في كتبه : الكافي ، والمقنع . والهادي .

تنبيهات : الأول : دخل في عموم كلام المصنف في قوله ( وهو زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب ، أو بسبب مباح ) رابها وهو زوج أمها وربيبها وهو ابن زوجها وهو صحيح ، وهو المذهب ، نص عليهما . وعليه الأصحاب . [ ص: 413 ] ونقل الأثرم في أم امرأته : يكون محرما لها في حج الفرض فقط ، وهو من المفردات . قال الأثرم : كأنه ذهب إلى أنها لم تذكر في قوله تعالى { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن } الآية ، وعنه الوقف في نظر شعرها ، وشعر الربيبة ; لعدم ذكرهما في الآية ، وهي أيضا من المفردات .

الثاني : قوله ( نسب أو سبب مباح ) يحترز منه عن السبب غير المباح . كالوطء بشبهة أو زنا ، فليس بمحرم لأم الموطوءة وابنتها ; لأن السبب غير مباح ، قال المصنف وغيره : كالتحريم باللعان وأولى ، وعنه بلى . يكون محرما ، وهو قول في شرح الزركشي ، وأطلقهما في الحاوي الكبير ، واختاره ابن عقيل في الفصول في وطء الشبهة لا الزنا . وهو ظاهر ما في التلخيص ، فإنه قال : بسبب غير محرم ، واختاره الشيخ تقي الدين ، وذكره قول أكثر العلماء ; لثبوت جميع الأحكام ، فيدخل في الآية ، بخلاف الزنا .

الثالث : قال في الفروع : المراد والله أعلم بالشبهة ما جزم به جماعة : أنه الوطء الحرام مع الشبهة ، كالجارية المشتركة ونحوها . لكن ذكر الشيخ تقي الدين وأبو الخطاب في الانتصار ، في مسألة تحريم المصاهرة : أن الوطء في نكاح فاسد كالوطء بشبهة .

الرابع " ظاهر كلام المصنف هنا وجماعة : أن الملاعن يكون محرما للملاعنة ; لأنها تحرم عليه على التأبيد بسبب مباح . ولا أعلم به قائلا ، فلهذا قال الأدمي البغدادي ، وصاحب الوجيز : بسبب مباح لحرمتها ، وهو مراد من أطلق .

الخامس : قال الشيخ تقي الدين وغيره : وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين في التحريم ، دون المحرمية . انتهى . [ ص: 414 ] فيكون ذلك مستثنى من كلام من أطلق ، وقال في المحرر : المحرم زوجها ، أو من تحرم عليه أبدا . لا بد من تحريمها بوطء شبهة أو زنا ، فقيل : إنما قال ذلك : لئلا يرد عليه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ; لأن تحريمهن ، على المسلم أبدا بسبب مباح ، وهو الإسلام ، وليسوا بمحارم لهن ، فقيل : كان يجب استثناؤهن كما استثنى المزني بها . فأجيب : لانقطاع حكمهن ، فأورد عليه الملاعنة ، ولا جواب عنه .

السادس : ظاهر كلام المصنف : أن العبد ليس بمحرم لسيدته ; لأنها لا تحرم عليه على التأبيد . وهو صحيح ، وهو المذهب ، وعليه أكثر الأصحاب ، وجزم به كثير منهم ، قال الزركشي : هذا المذهب المشهور ، والمجزوم به عند الأكثرين . انتهى .

[ قال القاضي موفق الدين في شرح مناسك المقنع : وهو المشهور المعروف أمره ] ونقله الأثرم وغيره ، وكان أيضا لا يؤمن عليها كالأجنبي ، ولا يلزم من النظر المحرمية ، وعنه هو محرم لها ، قال المجد : لأن القاضي ذكر في شرح المذهب : أن مذهب أحمد أنه محرم ، وأطلقهما في المحرر ، والنظم ، والرعايتين ، والحاويين .

[ السابع : ظاهر كلام المصنف وغيره : دخول العبد إذا كان قريبا قال في الفروع : وشرط كون المحرم ذكرا مكلفا مسلما ، نص عليه . وكذا قال في الرعاية الصغرى وغيره : واشترط الحرية في المحرم في الرعاية الكبرى ، وجزم به ] .

فوائد . الأولى : قوله ( إذا كان بالغا عاقلا ) . بلا نزاع ، وهو المذهب . وعليه الأصحاب ، ونص عليه : أنه يشترط فيه [ ص: 415 ] أيضا أن يكون مسلما ، وهو من مفردات المذهب ، جزم به ناظمها . قال في الفروع : ويتوجه اشتراط كون المسلم أمينا عليها ، قلت : وهو قوي في النظر . قال : ويتوجه أنه لا يعتبر إسلامه إن أمن عليها ، وقال في الرعاية : ويحتمل أن الذمي الكتابي محرم لابنته المسلمة ، إن قلنا : يلي نكاحها كالمسلم . انتهى ، قلت : يشكل هذا على قول الأصحاب : إنهم يمنعون من دخوله الحرم ، لكن لنا هناك قول بالجواز للضرورة ، أو للحاجة ، أو مطلقا ، فيتمشى هذا الاحتمال على بعض هذه الأقوال . الثانية : نفقة المحرم تجب عليها ، نص عليه ، فيعتبر أن تملك زادا وراحلة لها وله .

الثالثة : لو بذلت النفقة له لم يلزم المحرم غير عبدها السفر بها على الصحيح من المذهب ، وعنه لزمه . الرابعة : ما قاله صاحب الفروع : أن ظاهر كلامهم لو أراد أجرة لا تلزمها ، قال : ويتوجه أنها كنفقته كما في التغريب في الزنا ، وفي قائد الأعمى ، فدل ذلك كله على أنه لو تبرع لم يلزمها للمنة . قال : ويتوجه أن يجب للمحرم أجرة مثله لا النفقة كقائد الأعمى ، ولا دليل يخص وجوب النفقة .

الخامسة : إذا أيست المرأة من المحرم ، وقلنا : يشترط للزوم السعي ، أو كان ووجد ، وفرطت بالتأخير حتى عدم : فعنه تجهز رجلا يحج عنها ، قلت : وهو أولى كالمغصوب ، وعنه ما يدل على المنع ، وأطلقهما المجد في شرحه . وصاحب الفروع ، قال المجد : يمكن حمل المنع على أن تزوجها لا يبعد عادة ، والجواز على من أيست ظاهرا أو عادة ، لزيادة سن أو مرض أو غيره مما يغلب على ظنها عدمه . [ ص: 416 ] ثم إن تزوجت أو استنابت من لها محرم ، ثم فقد ، فهي كالمعضوب ، وقال الآجري ، وأبو الخطاب في الانتصار : إن لم يكن محرم سقط فرض الحج ببدنها ، ووجب أن يحج عنها غيرها . قال في الفروع : وهو محمول على الإياس . قال في التبصرة : إن لم تجد محرما فروايتان ; لتردد النظر في حصول الإياس منه .

التالي السابق


الخدمات العلمية