صفحة جزء
قوله ( السادسة : امرأة المفقود الذي انقطع خبره لغيبة ظاهرها الهلاك ، كالذي يفقد من بين أهله ، أو في مفازة ، أو بين الصفين إذا قتل قوم ، أو من غرق مركبه ونحو ذلك . فإنها تتربص أربع سنين ، ثم تعتد للوفاة ) . هذا المذهب . وعليه جماهير الأصحاب . واعلم أن الخلاف هنا في مقدار تربص المرأة ، ثم اعتدادها فيما ظاهره الهلاك كالخلاف المتقدم في " باب ميراث المفقود " فيما ظاهره الهلاك حكما ومذهبا . قاله الأصحاب . فليعاود ذلك .

فائدتان إحداهما : تربص الأمة كالحرة في ذلك . على الصحيح من المذهب . وعليه أكثر الأصحاب أبو بكر وغيره . وقدمه في المغني ، والشرح ، والفروع ، وغيرهم . وقال القاضي : تتربص على النصف من الحرة . ورواه أبو طالب ، ورده المصنف ، والشارح ، وغيرهما .

الثانية : هل تجب لها النفقة في مدة العدة . أم لا ؟ فيه وجهان .

أحدهما : لا تجب . وهو الذي ذكره ابن الزاغوني في الإقناع . قال المجد في شرحه : هو قياس المذهب عندي . لأنه حكم بوفاته بعد مدة الانتظار . فصارت معتدة للوفاة .

والثاني : يجب . قاله القاضي . لأن النفقة لا تسقط إلا بيقين الموت ولم يوجد [ ص: 289 ] هنا . وذكره في المغني ، وزاد : أن نفقتها لا تسقط بعد العدة . لأنها باقية على نكاحه ، ما لم تتزوج أو يفرق الحاكم بينهما . قلت : فعلى الثاني يعايى بها .

قوله ( وهل يفتقر إلى رفع الأمر إلى الحاكم ليحكم بضرب المدة ، وعدة الوفاة ؟ على روايتين ) . وأطلقهما في الهداية ، والمذهب ، والمستوعب ، والخلاصة ، والمغني ، والمحرر ، والشرح ، والرعاية الكبرى ، والنظم ، والفروع .

إحداهما : يفتقر إلى ذلك . فيكون ابتداء المدة من حين ضربها الحاكم لها كمدة العنة . جزم به في الوجيز . وقدمه في الرعاية الصغرى ، والحاوي الصغير ، وشرح ابن رزين .

والرواية الثانية : لا يفتقر إلى ذلك . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : لا يعتبر الحاكم على الأصح . فلو مضت المدة والعدة تزوجت . واختاره ابن عبدوس في تذكرته . وهو الصواب . وقدمه في الرعاية الكبرى في أول كلامه . وعدم افتقار ضرب المدة إلى الحاكم من مفردات المذهب .

تنبيه :

ظاهر كلامه : أنه لا يشترط أن يطلقها ولي زوجها بعد اعتدادها للوفاة وهو إحدى الروايتين ، والمذهب منهما . وهو الصواب . قال المصنف ، والشارح : وهو القياس . وقدمه في الرعاية الكبرى . وصححه في النظم . وقال ابن عقيل : لا يعتبر فسخ النكاح على الأصح . كضرب المدة . انتهى .

[ ص: 290 ] وعنه يعتبر طلاق وليه بعد اعتدادها للوفاة ، ثم تعتد بعد طلاق الولي بثلاثة قروء . وقدمه ابن رزين في شرحه . وأطلقهما في المستوعب ، والمغني ، والشرح ، والفروع .

قوله ( وإذا حكم الحاكم بالفرقة : نفذ حكمه في الظاهر دون الباطن . فلو طلق الأول : صح طلاقه ) . لبقاء نكاحه . وكذا لو ظاهر منها : صح . وهذا المذهب . وعليه جماهير الأصحاب . وجزم به في الوجيز ، وغيره . وقدمه في الهداية ، والمذهب ، ومسبوك الذهب ، والمستوعب ، والخلاصة ، والمغني ، والبلغة ، والمحرر ، والشرح والرعايتين ، والحاوي الصغير ، والفروع وغيرهم . ويتخرج أن ينفذ حكمه باطنا . فينفسخ نكاح الأول . ولا يقع طلاقه ولا ظهاره وهو لأبي الخطاب في الهداية . وذكره في الفروع وغيره رواية . قلت : قد ذكر المصنف في هذا الكتاب في آخر " باب طريق الحكم وصفته " رواية ذكرها ابن أبي موسى بأن حكم الحاكم يزيل الشيء عن صفته في الباطن من العقود والفسوخ . وقال أبو الخطاب : القياس أنا إذا حكمنا بالفرقة نفذ ظاهرا وباطنا . وقال في الفروع : ويتوجه الإرث على الخلاف .

فائدة :

لو تزوجت امرأة المفقود قبل الزمان المعتبر ، ثم تبين أنه كان ميتا أو أنه طلقها قبل ذلك بمدة تنقضي فيها العدة : ففي صحة النكاح قولان . ذكرهما القاضي . الصحيح منهما : عدم الصحة . اختاره المصنف ، والشارح . [ ص: 291 ] وقال في الفروع : وإن بان موته وقت الفرقة ، ولم يجز التزويج : ففي صحته وجهان . انتهى .

قوله ( وإذا فعلت ذلك ) . يعني : إذا تربصت أربع سنين واعتدت للوفاة ( ثم تزوجت ثم قدم زوجها الأول ) ( ردت إليه ، إن كان قبل دخول الثاني بها ) . وهذا المذهب . نص عليه . وجزم به في الوجيز ، وغيره . وقدمه في المغني ، والشرح ، والفروع ، وغيرهم . وذكر القاضي رواية : أنه يخير . أخذ ذلك من قول الإمام أحمد رحمه الله " إذا تزوجت امرأته ، فجاء : خير بين الصداق وبين امرأته " . قال المصنف ، والشارح : والصحيح أن عموم كلام الإمام أحمد رحمه الله : يحمل على خاص كلامه في رواية الأثرم ، وأنه لا تخيير إلا بعد الدخول . فتكون زوجة الأول رواية واحدة .

قوله ( وإن كان بعده ) . يعني بعد الدخول والوطء : خير الأول بين أخذها وبين تركها مع الثاني . وهو المذهب . كما قال المصنف . وقدمه في الشرح ، وشرح ابن منجا ، والمحرر ، والنظم ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، والفروع ، وغيرهم . وهو من مفردات المذهب . وقال المصنف هنا : والقياس أنها ترد إلى الأول . ولا خيار إلا أن يفرق الحاكم بينهما . ونقول بوقوع الفرقة باطنا . فتكون زوجة الثاني بكل حال . وكذا قال في الهداية ، والمحرر . وحكاه في الفروع عن جماعة من الأصحاب . [ ص: 292 ] وعنه : التوقف في أمره . ونقل أبو طالب : لا خيار للأول مع موتها ، وأن الأمة كنصف الحرة ، كالعدة . وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله : هي زوجة الثاني ظاهرا وباطنا . وجعل في الروضة التخيير المذكور إليها . فأيهما اختارته : ردت على الآخر ما أخذته منه . انتهى . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : وترث الثاني . ذكره أصحابنا . وهل ترث الأول ؟ قال الشريف أبو جعفر : ترثه . كذا قال في الفروع . وقال ابن نصر الله في حواشيه على الفروع : وصوابه : وقال أبو حفص . وخالفه غيره ، وأنه متى ظهر الأول حيا فالفرقة ونكاح الثاني موقوف . فإن أخذها بطل نكاح الثاني حينئذ . وإن أمضى ثبت نكاح الثاني . فعلى المذهب : إن اختار الأول أخذها فله ذلك بالعقد الأول من غير افتقار إلى طلاق الثاني . على الصحيح من المذهب . نص عليه . قال في المغني ، والشرح ، والفروع ، وغيرهم : والمنصوص : وإن لم يطلق . وقيل : لا بد من طلاق الثاني . قال القاضي : قياس قوله يحتاج إلى الطلاق . انتهى .

وإن اختار أن يتركها للثاني : تركها له . فتكون زوجته من غير تجديد عقد على الصحيح من المذهب . وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب . وقدمه في الشرح ، والفروع . قلت : فيعايى بها . وقال المصنف : الصحيح أنه يجدد العقد .

قوله ( ويأخذ صداقها منه ) . [ ص: 293 ] يعني : إذا تركها الأول للثاني أخذ صداقها منه . وهذا المذهب ، وعليه الأصحاب . وقال ابن عقيل : القياس أنه لا يأخذه .

قوله ( وهل يأخذ صداقها الذي أعطاها ، أو الذي أعطاها الثاني ؟ على روايتين ) . وأطلقهما في الهداية ، والمذهب ، ومسبوك الذهب ، والمستوعب ، والمغني ، والمحرر ، والشرح ، والرعايتين ، والحاوي ، والفروع ، وغيرهم .

إحداهما : يأخذ قدر صداقها الذي أعطاها هو ، لا الثاني . وهو المذهب . صححه في التصحيح . قال في القاعدة الرابعة والخمسين بعد المائة : هذا أصح الروايتين . وجزم به في الوجيز ، والمنور ، ومنتخب الأدمي ، ونظم المفردات . واختاره أبو بكر . وقدمه في الخلاصة ، والكافي ، وشرح ابن رزين .

والرواية الثانية : يأخذ صداقها الذي أعطاها الثاني . وعلى كلا الروايتين : يرجع الثاني على الزوجة بما أخذه الأول منه . على الصحيح . جزم به في الوجيز ، وغيره . وقدمه في الخلاصة ، وشرح ابن رزين . وعنه : لا يرجع به عليها . قال في المغني : وهو أظهر . وأطلقهما في الهداية ، والمذهب ، ومسبوك الذهب ، والمستوعب ، والمغني ، والشرح ، والمحرر ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، والفروع ، والقواعد . [ ص: 294 ]

قوله ( فأما من انقطع خبره لغيبة ظاهرها السلامة كالتاجر ، والسائح فإن امرأته تبقى أبدا إلى أن يتيقن موته ) . هذا إحدى الروايات . قدمه في الهداية ، والمذهب ، والمستوعب ، والخلاصة ، والمصنف ، والشارح ، وقالا : هذا المذهب ، ونصراه . وجزم به في العمدة . وعنه : أنها تتربص تسعين عاما من يوم ولد . ثم تحل . هذا المذهب . جزم به في الوجيز . وقدمه في المحرر ، والنظم ، والفروع . والمصنف في هذا الكتاب . في " باب ميراث المفقود " وغيرهم . وهو من مفردات المذهب . وعنه : تنتظر أبدا . فعليها : يجتهد الحاكم فيه كغيبة ابن تسعين سنة . ذكره في الترغيب . قال في الرعايتين ، والحاوي الصغير في هذا الباب : وإن جهل بغيبة ظاهرها السلامة ، ولم يثبت موته : بقيت ما رأى الحاكم . ثم تعتد للموت . وقدموا هذا . وتقدم الخلاف في ذلك مستوفى في " باب ميراث المفقود " فليعاود .

قوله ( وكذلك امرأة الأسير ) . وقاله غيره من الأصحاب أيضا .

التالي السابق


الخدمات العلمية