صفحة جزء
[ ص: 458 ] ( على مسلم ) لأن الكافر غير مخاطب بفروع الإيمان في حق الأداء وقد حققناه فيما علقناه على المنار ( حر مكلف ) عالم بفرضيته [ ص: 459 ] إما بالكون بدارنا وإما بإخبار عدل أو مستورين ( صحيح ) البدن ( بصير ) غير محبوس وخائف من سلطان يمنع منه ( ذي زاد ) يصح به بدنه فالمعتاد اللحم ونحوه إذا قدر على خبز وجبن لا يعد قادرا ( وراحلة ) مختصة به وهو المسمى بالمقتب إن قدر [ ص: 460 ] وإلا فتشترط القدرة على المحارة للآفاقي لا لمكي يستطيع المشي لشبهه بالسعي للجمعة ، وأفاد أنه لو قدر على غير الراحلة من بغل أو حمار لم يجب قال في البحر : ولم أره صريحا [ ص: 461 ] وإنما صرحوا بالكراهة وفي السراجية الحج راكبا أفضل منه ماشيا به يفتى والمقتب أفضل من المحارة وفي إجارة الخلاصة حمل الجمل مائتان وأربعون منا والحمار مائة وخمسون فظاهره أن البغل كالحمار ،


( قوله على مسلم إلخ ) شروع في بيان شروط الحج وجعلها في اللباب أربعة أنواع .

الأول : شروط الوجوب وهي التي إذا وجدت بتمامها وجب الحج وإلا فلا وهي سبعة : الإسلام ، والعلم بالوجوب لمن في دار الحرب والبلوغ والعقل والحرية والاستطاعة والوقت أي القدرة في أشهر الحج أو في وقت خروج أهل بلده على ما يأتي .

والنوع الثاني : شروط الأداء وهي التي إن وجدت بتمامها مع شروط الوجوب ، وجب أداؤه بنفسه ، وإن فقد بعضها مع تحقق شروط الوجوب ، فلا يجب الأداء بل عليه الإحجاج أو الإيصاء عند الموت وهي خمسة : سلامة البدن ، وأمن الطريق وعدم الحبس ، والمحرم أو الزوج للمرأة وعدم العدة لها .

النوع الثالث : شرائط صحة الأداء وهي تسعة : الإسلام والإحرام ، والزمان ، والمكان ، والتمييز ، والعقل ومباشرة الأفعال إلا بعذر وعدم الجماع والأداء من عام الإحرام .

النوع الرابع : شرائط وقوع الحج عن الفرض وهي تسعة أيضا : الإسلام ، وبقاؤه إلى الموت ، والعقل ، والحرية والبلوغ والأداء بنفسه إن قدر ، وعدم نية النفل ، وعدم الإفساد ، وعدم النية عن الغير ( قوله على مسلم ) فلو ملك الكافر ما به الاستطاعة ثم أسلم بعد ما افتقر لا يجب عليه شيء بتلك الاستطاعة بخلاف ما لو ملكه مسلما فلم يحج حتى افتقر حيث يتقرر وجوبه دينا في ذمته فتح ، وهو ظاهر على القول بالفورية لا التراخي نهر .

قلت : وفيه نظر لأن على القول بالتراخي يتحقق الوجوب من أول سني الإمكان ولكنه يتخير في أدائه فيه أو بعده كما في الصلاة تجب بأول الوقت موسعا وإلا لزم أن لا يتحقق الوجوب إلا قبيل الموت ، وأن لا يجب الإحجاج على من كان صحيحا ثم مرض أو عمي وأن لا يأثم المفرط بالتأخير إذا مات قبل الأداء وكل ذلك خلاف الإجماع فتدبر ( قوله وقد حققناه إلخ ) حاصل ما ذكره هناك : أن في تكليفه بالعبادات ثلاثة مذاهب مذهب السمرقنديين ن غير مخاطب بها أداء واعتقادا والبخاريين مخاطب اعتقادا فقط والعراقيين مخاطب بهما فيعاقب عليهما قال : وهو المعتمد كما حرره ابن نجيم لأن ظاهر النصوص يشهد لهم وخلافه تأويل ولم ينقل عن أبي حنيفة وأصحابه شيء ليرجع إليه ا هـ ولا يخفى أن قوله في حق الأداء يفهم أنه مخاطب بها اعتقادا فقط كما هو مذهب البخاريين وهو ما صححه صاحب المنار لكن ليس في كلام الشارح أن ما هنا هو ما اعتمده هناك وما قيل إن ما هنا خلاف المذهب فيه نظر لما علمت من أنه لا نص عن أصحاب المذهب فافهم ( قوله حر ) فلا يجب على عبد مدبرا كان أو مكاتبا أو مبعضا أو مأذونا به ولو بمكة أو كانت أم ولد لعدم أهليته لملك الزاد والراحلة ، ولذا لم يجب على عبيد أهل مكة بخلاف اشتراط الزاد والراحلة في حق الفقير ، فإنه للتيسير لا للأهلية ، فوجب على فقراء مكة ، وبهذا التقرير ظهر الفرق بين وجوب الصلاة والصوم على العبد دون الحج نهر وهو وجود الأهلية فيهما لا فيه والمراد أهلية الوجوب وإلا فالعبد أهل للأداء فيقع له نفلا كما سيأتي ( قوله مكلف ) أي بالغ عاقل فلا يجب على صبي ولا مجنون ، وفي المعتوه خلاف في الأصول فذهب فخر الإسلام إلى أنه يوضع الخطاب عنه كالصبي ، فلا يجب [ ص: 459 ] عليه شيء من العبادات وذهب الدبوسي إلى أنه مخاطب بها احتياطا بحر وقدمنا الكلام على المعتوه في أول الزكاة فراجعه .

[ تنبيه ]

ذكر في البدائع أنه لا يجوز أداء الحج من مجنون وصبي لا يعقل كما لا يجب عليهما ا هـ ونقل غيره صحة حجهما ووفق في شرح اللباب بالفرق بين من له بعض إدراك وغيره .

قلت : وفيه نظر بل التوفيق بحمل الأول على أدائهما بنفسهما والثاني على فعل الولي ففي الولوالجية وغيرها الصبي يحج به أبوه وكذا المجنون لأن إحرامه عنهما وهما عاجزان كإحرامهما بنفسهما . ا هـ . وسيأتي تمامه ( قوله إما بالكون في دارنا ) سواء علم بالفرضية أم لا نشأ على الإسلام فيها أم لا بحر وقوله أو بإخبار عدل إلخ هذا لمن أسلم في دار الحرب ، فلا يجب عليه قبل العلم بالوجوب بقي لو أدى قبله ذكر القطبي في مناسكه بحثا أنه لا يجزيه عن الفرض ، ونوزع بأن العلم ليس من شروط وقوع الحج عن الفرض ، كما علم مما مر وبأن الحج يصح بمطلق النية بلا تعيين الفرضية بخلاف الصلاة وبأنه يصح مما نشأ في دارنا وإن لم يعلم بالفرضية علمته ( قوله أو مستورين ) أفاد أن الشرط أحد شطري الشهادة العدد أو العدالة كما في النهر ( قوله صحيح البدن ) أي سالم عن الآفات المانعة عن القيام بما لا بد منه في السفر ، فلا يجب على مقعد ومفلوج وشيخ كبير لا يثبت على الراحلة بنفسه وأعمى ، وإن وجد قائدا ، ومحبوس ، وخائف من سلطان لا بأنفسهم ، ولا بالنيابة في ظاهر المذهب عن الإمام وهو رواية عنهما وظاهر الرواية عنهما وجوب الإحجاج عليهم ، ويجزيهم إن دام العجز وإن زال أعادوا بأنفسهم .

والحاصل : أنه من شرائط الوجوب عنده ومن شرائط وجوب الأداء عند هما وثمرة الخلاف تظهر في وجوب الإحجاج والإيصاء كما ذكرنا وهو مقيد بما إذا لم يقدر على الحج وهو صحيح فإن قدر ثم عجز قبل الخروج إلى الحج تقرر دينا في ذمته ، فيلزمه الإحجاج ، فلو خرج ومات في الطريق لم يجب الإيصاء لأنه لم يؤخر بعد الإيجاب ولو تكلفوا الحج بأنفسهم سقط عنهم وظاهر التحفة اختيار قولهما وكذا الإسبيجابي وقواه في الفتح ومشى على أن الصحة من شرائط وجوب الأداء ا هـ من البحر والنهر ، وحكى في اللباب اختلاف التصحيح وفي شرحه أنه مشى على الأول في النهاية وقال في البحر العميق إنه المذهب الصحيح وأن الثاني صححه قاضي خان في شرح الجامع واختاره كثير من المشايخ ومنهم ابن الهمام ( قوله بصير ) فيه الخلاف المار كما علمته ( قوله غير محبوس ) هذا من شروط الأداء كما مر والظاهر أنه لو كان حبسه لمنعه حقا قادرا على أدائه لا يسقط عنه وجوب الأداء .

[ تنبيه ]

ذكر في شرح اللباب عن شمس الإسلام أن السلطان ومن بمعناه من الأمراء ملحق بالمحبوس فيجب الحج في ماله الخالي عن حقوق العباد وتمامه فيه ولا يخفى أن هذا إن دام عجزه إلى الموت وإلا فيجب عليه الحج بنفسه بعد زوال عذره وهو مقيد أيضا بما إذا كان قادرا على الحج ثم عجز وإلا فلا يلزمه الإحجاج على الخلاف المذكور آنفا ( قوله يمنع منه ) أي من الحج أي الخروج إليه ط ( قوله ذي زاد وراحلة ) أفاد أنه لا يجب إلا بملك الزاد وملك أجرة الراحلة ، فلا يجب بالإباحة أو العارية كما في البحر وسيشير إليه ( قوله مختصة به ) فلا يكفي لو قدر على راحلة مشتركة يركبها مع غيره بالمعاقبة شرح اللباب ( قوله وهو المسمى بالمقتب ) بضم الميم اسم مفعول أي ذو القتب وهو كما في القاموس الإكاف الصغير حول السنام ح وذكر ضمير الراحلة باعتبار كونها مركوبا [ ص: 460 ] قوله وإلا ) أي إن لم يقدر على ركوب المقتب ( قوله على المحارة ) هي شبه الهودج قاموس أي على شق منها بشرط أن يجد له معادلا كما صرح به الشافعية ، وما في البحر من أنه يمكنه أن يضع في الشق الآخر أمتعته رده الخير الرملي وفي شرح اللباب إما بركوب زاملة أي مقتب أو بشق محمل ، وأما المحفة فمن مبتدعات المترفهة فليس لها عبرة ا هـ والظاهر أن المراد بالمحفة التخت المعروف في زماننا المحمول بين جملين أو بغلين لكن اعترضه الشيخ عبد الله العفيف في شرح منكسه بأنه منابذ لما قرروه من أنه يعتبر في كل ما يليق بحاله عادة وعرفا فمن لا يقدر إلا عليها اعتبر في حقه بلا ارتياب ، وإن قدر بالمحمل أو المقتب فلا يعذر ولو كان شريفا أو ذا ثروة . ا هـ . ( قوله للآفاقي ) مرتبط بقوله وراحلة لا بقوله فتشترط لإيهامه أن غير الآفاقي يشترط له المقتب فلا يناسب قوله لا المكي يستطيع المشي .

والحاصل : أن الزاد لا بد منه ولو لمكي كما صرح به غير واحد كصاحب الينابيع والسراج ، وما في الخانية والنهاية من أن المكي يلزمه الحج ولو فقيرا لا زاد له نظر فيه ابن الهمام إلا أن يراد ما إذا كان يمكنه الاكتساب في الطريق ، وأما الراحلة فشرط للآفاقي دون المكي القادر على المشي وقيل شرط مطلقا لأن ما بين مكة وعرفات أربع فراسخ ، ولا يقدر كل أحد على مشيها كما في المحيط وصحح صاحب اللباب في منسكه الكبير الأول ، ونظر فيه شارحه القاري بأن القادر نادر ومبنى الأحكام على الغالب ، وحد المكي عندنا من كان داخل المواقيت إلى الحرم كما ذكره الكرماني ، وهو بعيد جدا بل الظاهر ما في السراج وغيره أنه من بينه وبين مكة أقل من ثلاثة أيام وفي البحر الزاخر واشتراط الراحلة في حق من بينه وبين مكة ثلاثة أيام فصاعدا أما ما دونه فلا إذا كان قادرا على المشي وتمامه في شرح اللباب .

[ تنبيه ]

في اللباب : الفقير الآفاقي إذا وصل إلى ميقات فهو كالمكي قال شارحه أي حيث لا يشترط في حقه إلا الزاد والراحلة إن لم يكن عاجزا عن المشي ، وينبغي أن يكون الغني الآفاقي كذلك إذا عدم الركوب بعد وصوله إلى أحد المواقيت فالتقييد بالفقير لظهور عجزه عن المركب ، وليفيد أنه يتعين عليه أن لا ينوي نفلا على زعم أنه لا يجب عليه لفقره لأنه ما كان واجبا وهو آفاقي فلما صار كالمكي وجب عليه فلو نواه نفلا لزمه الحج ثانيا . ا هـ .

ملخصا ونظيره ما سنذكره في باب الحج عن الغير من أن المأمور بالحج إذا واصل إلى مكة لزمه أن يمكث ليحج حج الفرض عن نفسه ، لكونه صار قادرا على ما فيه كما ستعلمه إن شاء الله تعالى ( قوله لشبهه بالسعي إلى الجمعة ) أي في عدم اشتراط الراحلة فيه ( قوله وأفاد ) أي حيث عبر بالراحلة وهي من الإبل خاصة ، وهو الموافق للهداية وشروحها ، ولما في كتب اللغة من أنها المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى وما في القهستاني من تفسيرها بأنها ما يحمله ويحمل ما يحتاجه من طعام وغيره ، وأنها في الأصل البعير القوي على الأسفار والأحمال . ا هـ .

لا يخالف ذلك لأن غير البعير لا يحمل الإنسان مع ما يحتاجه في المسافة البعيدة وقد صرح في المجتبى عن شرح الصباغي بأنه لو ملك كري حمار [ ص: 461 ] فهو عاجز عن النفقة ا هـ والذي ينبغي ما قاله الإمام الأذرعي من الشافعية من اعتبار القدرة على البغل والحمار فيمن بينه وبين مكة مراحل يسيرة دون البعيدة لأن غير الإبل لا يقوى عليها قال السندي في منسكه الكبير ، وهو تفصيل حسن جدا ولم أر في كلام أصحابنا ما يخالفه بل ينبغي أن يكون هذا التفصيل مرادهم . ا هـ .

فافهم ( قوله وإنما صرحوا بالكراهة ) أي التنزيهية كما استظهره صاحب البحر بدليل أفضلية مقابله ط ( قوله به يفتى ) لعل وجهه أن فيه زيادة النفقة ، وهي مقصودة في الحج ولذا اشترط في الحج عن الغير أن يحج راكبا إذا اتسعت النفقة ، حتى لو حج ماشيا ولو بأمره ضمن كما صرح به اللباب ، لكن سيأتي آخر كتاب الحج أن من نذر حجا ماشيا وجب عليه المشي في الأصح وعليه المتون وعلله في الهداية وغيرها بأنه التزم القربة بصفة الكمال لقوله صلى الله عليه وسلم " { من حج ماشيا كتب الله له بكل خطوة حسنة من حسنات الحرم قيل وما حسنات الحرم ؟ قال كل حسنة بسبعمائة } " ولأنه أشق على البدن فكان أفضل وتمامه في شرح الجامع الخاني وقال في الفتح إن قيل كره أبو حنيفة الحج ماشيا فكيف يكون صفة كمال قلنا إنما كرهه إذا كان مظنة سوء الخلق كأن يكون صائما مع المشي أو لا يطيقه وإلا فلا شك أن المشي أفضل في نفسه لأنه أقرب إلى التواضع والتذلل ، ثم ذكر الحديث المار وغيره .

قلت : وأما مسألة الحج عن الغير فلعل وجهها أن الميت لما عجز عن إحدى المشقتين ، وهي مشقة البدن ولم يقدر إلا على الأخرى وهي مشقة المال صارت كأنها هي المقصودة فلزم الإتيان بها كاملة ، ولذا وجب الإحجاج من منزل الآمر والإنفاق من ماله ولم يجزه تبرع غيره عنه لعدم حصول مقصوده فليتأمل ( قوله والمقتب أفضل من المحارة ) لأنه صلى الله عليه وسلم حج كذلك و لأنه أبعد من الرياء والسمعة وأخف على الحيوان ( قوله وفي إجارة الخلاصة إلخ ) قال الخير الرملي نقله في الخلاصة عن الفتاوى الصغرى ، ولعمري هذا إجحاف على الحمار وإنصاف في حق الجمل فتأمل .

وذكر في الجوهرة أن المن ستة وعشرون أوقية والأوقية سبعة مثاقيل وهي عشرة دراهم والمائتان وأربعون منا هي الوسق وهي قنطار دمشقي تقريبا ( قوله فظاهره أن البغل كالحمار ) كذا في النهر وكأنه أراد الحمار القوي المعد لحمل الأثقال في الأسفار فإنه كالبغل وإلا فأكثر الحمير دون البغال بكثير فافهم

التالي السابق


الخدمات العلمية