صفحة جزء
( قال لها أنت طالق إن شاء الله متصلا ) [ ص: 367 ] إلا لتنفس أو سعال أو جشاء أو عطاس أو ثقل لسان أو إمساك فم أو فاصل مفيد لتأكيد أو تكميل أو حد أو طلاق ، أو نداء كأنت طالق يا زانية أو يا طالق إن شاء الله صح الاستثناء بزازية وخانية ، بخلاف الفاصل اللغو كأنت طالق رجعيا إن شاء الله وقع وبائنا لا يقع ; ولو قال : رجعيا أو بائنا يقع بنية البائن لا الرجعي قنية [ ص: 368 ] وقواه في النهر ( مسموعا ) بحيث لو قرب شخص أذنه إلى فيه يسمع فيصح استثناء الأصم خانية .

( لا يقع ) للشك ( وإن ماتت قبل قوله إن شاء الله ) وإن مات يقع ( ولا يشترط ) فيه ( القصد ولا التلفظ ) بهما ، فلو تلفظ بالطلاق وكتب الاستثناء موصولا أو عكس أو أزال الاستثناء بعد الكتابة لم يقع عمادية ( ولا العلم بمعناه ) حتى لو أتى بالمشيئة من غير قصد جاهلا لم يقع خلافا للشافعي [ ص: 369 ] وأفتى الشيخ الرملي الشافعي فيمن حلف على شيء بالطلاق فأنشأ له الغير ظانا صحته بعدم الوقوع . ا هـ .

قلت : ولم أره لأحد من علمائنا ، والله أعلم . ولو شهد بها وهو لا يذكرها ، إن كان بحال لا يدري ما يجري على لسانه لغضب جاز له الاعتماد عليهما وإلا لا بحر


مطلب مسائل الاستثناء والمشيئة

( قوله قال لها إلخ ) شروع في مسائل الاستثناء ، وعقد لها في الهداية فصلا على حدة . قال في الفتح : وألحق الاستثناء بالتعليق لاشتراكهما في منع الكلام من إثبات موجبه إلا أن الشرط يمنع الكل والاستثناء البعض ، وقدم مسألة إن شاء الله لمشابهتها الشرط في منع الكل ، وذكر أداة التعليق ولكنه ليس على طريقة لأنه منع لا إلى غاية والشرط منع إلى غاية يحققه كما يفيده : أكرم بني تميم إن دخلوا ، ولذا لم يورده في بحث التعليقات ، ولفظ الاستثناء اسم توقيفي قال تعالى { - ولا يستثنون - } أي لا يقولون إن شاء الله .

مطلب الاستثناء يثبت حكمه في صيغ الإخبار لا في الأمر والنهي

وللمشاركة في الاسم أيضا اتجه ذكره في فصل الاستثناء وإنما يثبت حكمه في صيغ الإخبار وإن كان إنشاء إيجاب لا في الأمر والنهي ; فلو قال أعتقوا عبدي من بعد موتي إن شاء الله لا يعمل الاستثناء فلهم عتقه ; ولو قال بع عبدي هذا إن شاء الله كان للمأمور بيعه . وعن الحلواني : كل ما يختص باللسان يبطله الاستثناء كالطلاق والبيع ، بخلاف ما لا يختص به كالصوم لا يرفعه ، لو قال نويت صوم غد إن شاء الله تعالى له أداؤه بتلك النية ، كذا في الفتح ; ومعنى قوله توقيفي أنه وارد في اللغة لا اصطلاحي فقط .

مطلب الاستثناء يطلق على الشرط لغة واستعمالا

وفي حاشية البيضاوي للخفاجي من سورة الكهف : الاستثناء يطلق على التقييد بالشرط في اللغة والاستعمال كما نص عليه السيرافي في شرح الكتاب . قال الراغب : الاستثناء رفع ما يوجبه عموم سابق كما في قوله تعالى { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة } أو رفع ما يوجبه اللفظ ، كقوله امرأتي طالق إن شاء الله . ا هـ . وفي الحديث { من حلف على شيء فقال إن شاء الله فقد استثنى } ا هـ ويأتي الخلاف في أنه إبطال أو تعليق ( قوله متصلا ) احتراز عن المنفصل ، بأن وجد بين اللفظين فاصل من سكوت بلا ضرورة تنفس ونحوه أو من كلام لغو كما يأتي وقيد في الفتح السكوت بالكثير . [ ص: 367 ]

مطلب قال أنت طالق وسكت ثم قال ثلاثا تقع واحدة

وفي الخانية قال لزوجته أنت طالق وسكت ثم قال ثلاثا ، إن كان سكوته لانقطاع النفس تطلق ثلاثا وإلا تقع واحدة . وفي أيمان البزازية : أخذه الوالي وقال بالله فقال مثله ، ثم قال لتأتين يوم الجمعة فقال الرجل مثله فلم يأت لم يحنث لأنه بالحكاية والسكوت صار فاصلا بين اسم الله تعالى وحلفه ، وكذا فيما لو كان الحلف بالطلاق . ا هـ . ( قوله إلا لتنفس ) أي وإن كان له منه بد ، بخلاف ما لو سكت قدر النفس ثم استثنى لا يصح الاستثناء للفصل ، كذا في الفتح . فعلم أن السكوت قدر النفس بلا تنفس كثير وأن السكوت للتنفس ولو بلا ضرورة عفو ( قوله أو إمساك فم ) أي إذا أتى بالاستثناء عقب رفع اليد عن فمه ( قوله لتأكيد ) نحو أنت طالق طالق إن شاء الله إذا قصد التأكيد فإنه تقدم في الفروع قبيل الكنايات أنه لو كرر لفظ الطلاق وقع الكل ، فإن نوى التأكيد دين ا هـ وكذا أنت حر حر إن شاء الله كما في البحر ح ويأتي تمام الكلام على ذلك ( قوله أو تكميل ) نحو أنت طالق واحدة وثلاثا إن شاء الله ، بخلاف ثلاثا وواحدة إن شاء الله فيقع الثلاث كما في البحر لأن ذكر الواحدة بعد الثلاث لغو ، بخلاف العكس ( قوله كأنت طالق يا زانية أو يا طالق إن شاء الله ) مثالان : المفيد الحد ، والطلاق على سبيل النشر المرتب .

قال في البحر : وفي البزازية أنت طالق ثلاثا يا زانية إن شاء الله يقع وصرف الاستثناء إلى الوصف ، وكذا أنت طالق يا طالق إن شاء الله ، وكذا أنت طالق يا صبية إن شاء الله يصرف الاستثناء إلى الكل ولا يقع الطلاق ، كأنه قال يا فلانة ، والأصل عنده أن المذكور في آخر الكلام إذا كان يقع به طلاق أو يلزمه حد ، كقوله : يا طالق يا زانية فالاستثناء على الكل . ا هـ . ح .

أقول : في هذه العبارة تحريف وسقط ، فالأول في قوله وكذا أنت طالق يا صبية ، فإن صوابه ولو قال أنت طالق يا صبية إلخ كما عبر في الذخيرة لمخالفته حكم ما قبله ، والثاني في قوله والأصل إلخ فإن قوله فالاستثناء على الكل مخالف لقوله قبله يقع ، وصرف الاستثناء إلى الوصف : أي يقع الطلاق بقوله أنت طالق . ويصرف الاستثناء إلى الوصف : أي ما وصفها به من قوله يا طالق أو يا زانية فلا يقع به طلاق ، ولا يلزمه حد . فالصواب قوله في الذخيرة والأصل أن المذكور في آخر الكلام إذا كان يقع به طلاق ، أو يجب به حد فالاستثناء عليه نحو قوله يا زانية أو يا طالق ، وإن كان لا يجب به حد ولا يقع به طلاق فالاستثناء على الكل نحو قوله يا خبيثة . ا هـ .

ثم اعلم أن هذا التفصيل نقله في الذخيرة بلفظ وفي نوادر أبي الوليد عن أبي يوسف إلخ . ونقل قبله عن ظاهر الرواية انصراف الاستثناء إلى الكل بدون تفصيل وقال إنه الصحيح ، ومثله في شرح تلخيص الجامع ، فما مشى عليه في البزازية خلاف الصحيح كما أوضحناه أول باب طلاق غير المدخول بها ، ويوافقه قول الشارح هنا صح الاستثناء ، فإن المتبادر منه انصراف الاستثناء إلى الكل أي الطلاق والوصف لا إلى الوصف فقط ، وحينئذ فلا يقع الطلاق ولا يلزمه حد ولا لعان ، لكن هذا مخالف لما مشى عليه في البزازية كما علمت فلا يناسب عزو الشارح المسألة إلى البزازية فافهم ( قوله وقع ) الأولى فإنه يقع ، وإنما كان الفاصل هنا لغوا لأنه لا فائدة في ذكر الرجعي [ ص: 368 ] لكونه مدلول الصيغة شرعا ط ، وانظر لم لم يجعل تأكيدا أو تفسيرا ؟ كما قالوا في : حر حر أو حر وعتيق ( قوله وقواه في النهر ) اعلم أنه قال في القنية : لو قال أنت طالق رجعيا أو بائنا إن شاء الله يسأل عن نيته ، فإن عني الرجعي لا يقع ، وإن عنى البائن يقع ولا يعمل الاستثناء ا هـ قال في البحر : وصوابه إن عنى الرجعي يقع لعدم صحة الاستثناء للفاصل ، وإن عنى البائن لم يقع لصحة الاستثناء . ا هـ .

قال في النهر : أقول بل الصواب ما في القنية ، وذلك أن معنى كلامه أنت طالق أحد هذين ، وبهذا لا يكون الرجعي لغوا وإن نواه بخلاف ما إذا نوى البائن ، وأما البائن فليس لغوا على كل حال . ا هـ .

أقول : لا يخفى ما في هذا الكلام من عدم الالتئام والتناقض التام . بيانه أن قوله : وأما البائن فليس لغوا على كل حال يقتضي عدم الوقوع لصحة الاستثناء ومساواته للرجعي الذي قال فيه إنه لا يكون لغوا وإن نواه ، وحينئذ فلا يقع فيهما ، وهو خلاف ما في القنية ، ومناقض لقوله بخلاف ما إذا نوى البائن فافهم ، ولذا قال ح : إن الحق ما في البحر لأنه إذا نوى الرجعي فجملة أنت طالق تفيده ، فكان قوله رجعيا أو بائنا الذي هو بمعنى أحد هذين لغوا ، بخلاف ما إذا نوى البائن فإن تلك الجملة لا تفيده فلم يكن قوله رجعيا أو بائنا لغوا .

فإن قلت : لما نوى البائن كان قوله رجعيا لغوا إذا كان يكفيه أن يقول أنت طالق بائنا . قلت : هو تركيب صحيح لغة وشرعا ، كما في إحدى امرأتي طالق ، وحيث كان مقصوده البائن وكان قوله أنت طالق غير مفيد للبائن ، فهو مخير بين أن يقول أنت طالق رجعيا أو بائنا وينوي البائن ، وبين أن يقول أنت طالق بائنا . ا هـ . ( قوله مسموعا ) هذا عند الهندواني وهو الصحيح كما في البدائع . وعند الكرخي ليس بشرط ( قوله بحيث إلخ ) أشار به إلى أن المراد بالمسموع ما شأنه أن يسمع وإن لم يسمعه المنشئ لكثرة أصوات مثلا ط ( قوله للشك ) أي للشك في مشيئة الله تعالى الطلاق لعدم الاطلاع عليها ح ( قوله وإن ماتت قبل قوله إن شاء الله ) لأن ما جرى تعليق لا تطليق وموتها لا ينافي التعليق لأنه مبطل والموت أيضا مبطل فلا يتنافيان ، فيكون الاستثناء صحيحا فلا يقع عليها الطلاق كذا في التبيين ح ( قوله وإن مات يقع ) أي إذا مات الزوج وهو يريده يقع لأنه لم يتصل به الاستثناء وتعلم إرادته بأن يذكر لآخر ذلك قبل الطلاق وكذا في النهر ح ( قوله ولا يشترط فيه القصد ) هو الظاهر من المذهب لأن الطلاق مع الاستثناء ليس طلاقا . قال شداد بن حكيم رحمه الله : وهو الذي صلى بوضوء الظهر ظهر اليوم الثاني ستين سنة ، خالفني في هذه المسألة خلف بن أيوب الزاهد ، فرأيت أبا يوسف في المنام فسألته ، فأجاب بمثل قولي وطالبته بالدليل فقال : أرأيت لو قال أنت طالق فجرى على لسانه أو غير طالق أيقع ؟ قلت لا ، قال : هذا كذلك بزازية وفتح ( وله ولا التلفظ بهما ) أي بالطلاق والاستثناء ( قوله أو عكس ) أي كتب الطلاق وتلفظ بالاستثناء ( قوله أو أزال الاستثناء إلخ ) أشار به إلى قسم رابع ، وهو ما إذا كتبهما معا فإنه يصح أيضا وإن أزال الاستثناء بعد الكتابة فافهم ( قوله ولا العلم بمعناه ) فصار كسكوت البكر إذا زوجها أبوها ولا تدري أن السكوت رضا يمضي به العقد عليها فتح ( قوله من غير قصد ) راجع لقوله ولا يشترط القصد ، وقوله جاهلا راجع لقوله ولا العلم بمعناه ح . [ ص: 369 ]

مطلب فيما لو حلف وأنشأ له آخر

( قوله وأفتى الشيخ الرملي الشافعي إلخ ) اعلم أن هذه المسألة مبنية عند الشافعية على أن من أخذ بقول غيره معتمدا عليه لا يحنث ، وفرعوا عليه ما لو فعل المحلوف عليه معتمدا على إفتاء مفت بعدم حنثه به وغلب على ظنه صدقه لم يحنث وإن لم يكن أهلا للإفتاء إذ المدار على غلبة الظن وعدمها لا على الأهلية . قالوا : ومنه قول غير الحالف له بعد حلفه إلا أن يشاء الله ثم يخبره بأن مشيئة غيره تنفعه فيفعل المحلوف عليه اعتمادا على خبر المخبر ا هـ وبهذا تعلم ما في عبارة الشارح من الخفاء ، لأن قوله ظانا صحته حال من الضمير في له وهو مشروط بالإخبار كما علمته ، وقوله بعدم الوقوع متعلق بقوله وأفتى ( قوله قلت إلخ ) اعلم أن المقرر عندنا أنه يحنث بفعل المحلوف عليه ولو مكرها أو مخطئا أو ذاهلا أو ناسيا أو ساهيا أو مغمى عليه أو مجنونا ، فإذا كان يحنث بفعله مكرها ونحوه فكيف لا يحنث بفعله قصدا مع ظن عدم الحنث ؟ نعم صرحوا في الأيمان بأنه لو حلف على ماض أو حال يظن نفسه صادقا لا يؤاخذ فيها إلا في ثلاث : طلاق وعتاق ونذر ، وقد قال الشارح هناك فيقع الطلاق على غالب الظن إذا تبين خلافه ، وقد اشتهر عن الشافعية خلافه . ا هـ . ( قوله إن كان بحال إلخ ) أما لو لم يكن بتلك الحال لا يجوز له الاعتماد عليهما كما في الفتح وغيره .

قلت : ومقتضى هذا الفرع أن من وصل في الغضب إلى حالة لا يدري فيها ما يقول يقع طلاقه وإلا لم يحتج إلى اعتماد قول الشاهدين أنه استثنى مع أنه مر أول الطلاق أنه لا يقع طلاق المدهوش .

وأفتى به الخير الرملي فيمن طلق وهو مغتاظ مدهوش لأن الدهش من أقسام الجنون . ولا يخفى أن من وصل إلى حالة لا يدري فيها ما يقول كان في حكم المجنون ، وقدمنا الجواب هناك بأنه ليس المراد بما هنا أنه وصل إلى حالة لا يدري ما يقول بأن لا يقصده ولا يفهم معناه بحيث يكون كالنائم والسكران ، بل المراد أنه قد ينسى ما يقول لاشتغال فكره باستيلاء الغضب ، والله تعالى أعلم

التالي السابق


الخدمات العلمية