صفحة جزء
( و ) كما صح أيضا وقف كل ( منقول ) قصدا ( فيه تعامل ) للناس ( كفأس وقدوم ) بل ( ودراهم ودنانير ) . [ ص: 364 ] قلت : بل ورد الأمر للقضاة بالحكم به كما في معروضات المفتي أبي السعود ومكيل وموزون فيباع ويدفع ثمنه مضاربة أو بضاعة فعلى هذا لو وقف كرا على شرط أن يقرضه لمن لا بذر له ليزرعه لنفسه فإذا أدرك أخذ مقداره ثم أقرضه لغيره وهكذا جاز خلاصة ، وفيها : وقف بقرة على أن ما خرج من لبنها أو سمنها للفقراء إن اعتادوا ذلك رجوت أن يجوز ( وقدر وجنازة ) وثيابها ومصحف وكتب لأن التعامل يترك به القياس لحديث { ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن } بخلاف ما لا تعامل فيه كثياب ، [ ص: 365 ] ومتاع وهذا قول محمد وعليه الفتوى اختيار وألحق في البحر السفينة بالمتاع .


مطلب في وقف المنقول قصدا ( قوله : كل منقول قصدا ) إما تبعا للعقار فهو جائز بلا خلاف عندهما كما مر لا خلاف في صحة وقف السلاح والكراع أي الخيل للآثار المشهورة والخلاف فيما سوى ذلك فعند أبي يوسف لا يجوز وعند محمد يجوز ما فيه تعامل من المنقولات واختاره أكثر فقهاء الأمصار كما في الهداية وهو الصحيح كما في الإسعاف ، وهو قول أكثر المشايخ كما في الظهيرية ; لأن القياس قد يترك بالتعامل ونقل في المجتبى عن السير جواز وقف المنقول مطلقا عند محمد وإذا جرى فيه التعامل عند أبي يوسف وتمامه في البحر والمشهور الأول ( قوله : وقدوم ) بفتح أوله وضم ثانيه مخففا ومثقلا .

مطلب في وقف الدراهم والدنانير ( قوله : بل ودراهم ودنانير ) عزاه في الخلاصة إلى الأنصاري وكان من أصحاب زفر ، وعزاه في الخانية إلى زفر حيث قال : وعن زفر شرنبلالية وقال المصنف في المنح : ولما جرى التعامل في زماننا في البلاد الرومية وغيرها في وقف الدراهم والدنانير دخلت تحت قول محمد المفتى به في وقف كل منقول فيه تعامل كما لا يخفى ; فلا يحتاج على هذا إلى تخصيص القول بجواز وقفها بمذهب الإمام زفر من رواية الأنصاري والله تعالى أعلم ، وقد أفتى مولانا صاحب البحر بجواز وقفها ولم يحك خلافا . ا هـ . ما في المنح قال الرملي : لكن في إلحاقها بمنقول فيه تعامل نظر إذ هي مما ينتفع بها مع بقاء عينها على ملك الواقف ، وإفتاء صاحب البحر بجواز وقفها بلا حكاية خلاف لا يدل على أنه داخل تحت قول محمد المفتى به في وقف منقول فيه تعامل ; لاحتمال أنه اختار قول زفر وأفتى به وما استدل به في المنح من مسألة البقرة الآتية ممنوع بما قلنا إذ ينتفع بلبنها وسمنها مع بقاء عينها لكن إذا حكم به حاكم ارتفع الخلاف ا هـ ملخصا .

[ ص: 364 ] قلت وإن الدراهم لا تتعين بالتعيين ، فهي وإن كانت لا ينتفع بها مع بقاء عينها لكن بدلها قائم مقامها لعدم تعينها ، فكأنها باقية ولا شك في كونها من المنقول ، فحيث جرى فيها تعامل دخلت فيما أجازه محمد ولهذا لما مثل محمد بأشياء جرى فيها التعامل في زمانه قال في الفتح : إن بعض المشايخ زادوا أشياء من المنقول على ما ذكره محمد لما رأوا جريان التعامل فيها ، وذكر منها مسألة البقرة الآتية ومسألة الدراهم والمكيل حيث قال : ففي الخلاصة : وقف بقرة على أن ما يخرج من لبنها وسمنها يعطى لأبناء السبيل ، قال : إن كان ذلك في موضع غلب ذلك في أوقافهم رجوت أن يكون جائزا ، وعن الأنصاري وكان من أصحاب زفر فيمن وقف الدراهم ، أو ما يكال أو ما يوزن أيجوز ذلك قال : نعم قيل وكيف قال يدفع الدراهم مضاربة ، ثم يتصدق بها في الوجه الذي وقف عليه وما يكال أو يوزن يباع ويدفع ثمنه لمضاربة أو بضاعة قال فعلى هذا القياس إذا وقف كرا من الحنطة على شرط أن يقرض للفقراء الذين لا بذر لهم ليزرعون لأنفسهم ، ثم يوجد منهم بعد الإدراك قدر القرض ، ثم يقرض لغيرهم بهذا الفقراء أبدا على هذا السبيل ، يجب أن يكون جائزا قال ومثل هذا كثير في الري وناحية دوماوند ا هـ .

وبهذا ظهر صحة ما ذكره المصنف من إلحاقها بالمنقول المتعارف على قول محمد المفتى به وإنما خصوها بالنقل عن زفر لأنها لم تكن متعارفة إذ ذاك ; و لأنه هو الذي قال بها ابتداء قال في النهر : ومقتضى ما مر عن محمد عدم جواز ذلك أي وقف الحنطة في الأقطار المصرية لعدم تعارفه بالكلية . نعم وقف الدراهم والدنانير تعورف في الديار الرومية . ا هـ . ( قوله : ومكيل ) معطوف على قول المصنف ودراهم ( قوله : ويدفع ثمنه مضاربة أو بضاعة ) وكذا يفعل في وقف الدراهم والدنانير ، وما خرج من الربح يتصدق به في جهة الوقف وهذا هو المراد في قول الفتح عن الخلاصة ، ثم يتصدق بها فهو على تقدير مضاف أي بربحها ، وعبارة الإسعاف ثم يتصدق بالفضل ( قوله : فعلى هذا ) أي القول بصحة وقف المكيل ( قوله : وجنازة ) بالكسر النعش وثيابها ما يغطى به الميت وهو في النعش ط .

مطلب في التعامل والعرف ( قوله : لأن التعامل يترك به القياس ) فإن القياس عدم صحة وقف المنقول لأن من شرط الوقف التأبيد ، والمنقول لا يدوم والتعامل كما في البحر عن التحرير ، هو الأكثر استعمالا وفي شرح البيري عن المبسوط أن الثابت بالعرف كالثابت بالنص ا هـ وتمام تحقيق ذلك في رسالتنا المسماة [ نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف ] وظاهر ما مر في مسألة البقرة اعتبار العرف الحادث ، فلا يلزم كونه من عهد الصحابة ، وكذا هو ظاهر ما قدمناه آنفا من زيادة بعض المشايخ أشياء جرى التعامل فيها وعلى هذا فالظاهر اعتبار العرف في الموضع ، أو زمان الذي اشتهر فيه دون غيره فوقف الدراهم متعارف في بلاد الروم دون بلادنا وقف الفأس والقدوم كان متعارفا في زمن المتقدمين ولم نسمع به في زماننا فالظاهر أنه لا يصح الآن ولئن وجد نادرا لا يعتبر لما علمت من أن التعامل هو الأكثر استعمالا فتأمل ( قوله : لحديث إلخ ) رواه أحمد في كتاب السنة ، ووهم من عزاه للمسند [ ص: 365 ] من حديث أبي وائل عن ابن مسعود ، وهو موقوف حسن وتمامه في حاشية الحموي عن المقاصد الحسنة للسخاوي ( قوله : ومتاع ) ما يتمتع به فهو عطف عام على خاص ، فيشمل ما يستعمل في البيت من أثاث المنزل كفراش وبساط وحصير لغير مسجد والأواني والقدور . نعم تعورف وقف الأواني من النحاس ونص المتقدمون على وقف الأواني والقدور المحتاج إليها في غسل الموتى ( قوله : هذا ) أي جواز وقف المنقول المتعارف ( قوله : وألحق في البحر السفينة بالمتاع ) أي فلا يصح لكن قال شيخ مشايخنا السائحاني : إنهم تعاملوا وقفها فلا تردد في صحته . ا هـ . وكأنه حدث بعد صاحب البحر وألحق في المنح وقف البناء بدون الأرض ، وكذا وقف الأشجار بدونه ; لأنه منقول فيه تعامل وتمامه في الدرر المنتقى . و سيأتي عند قول المصنف بنى على أرض إلخ .

التالي السابق


الخدمات العلمية