صفحة جزء
( و ) أدنى ( الجهر إسماع غيره و ) أدنى [ ص: 535 ] ( المخافتة إسماع نفسه ) ومن بقربه ; فلو سمع رجل أو رجلان فليس بجهر ، والجهر أن يسمع الكل خلاصة ( ويجري ذلك ) المذكور ( في كل ما يتعلق بنطق ، كتسمية على ذبيحة ووجوب سجدة تلاوة وعتاق وطلاق واستثناء ) وغيرها ; فلو طلق أو استثنى ولم يسمع نفسه لم يصح في الأصح ; وقيل في نحو البيع يشترط سماع المشتري .


( قوله وأدنى الجهر إسماع غيره إلخ ) اعلم أنهم اختلفوا في حد وجود القراءة على ثلاثة أقوال :

فشرط الهندواني والفضلي لوجودها خروج صوت يصل إلى أذنه ، وبه قال الشافعي .

وشرط بشر المريسي وأحمد خروج الصوت من الفم وإن لم يصل إلى أذنه ، لكن بشرط كونه مسموعا في الجملة ، حتى لو أدنى أحد صماخه إلى فيه يسمع .

ولم يشترط الكرخي وأبو بكر البلخي السماع ، واكتفيا بتصحيح الحروف . واختار شيخ الإسلام وقاضي خان وصاحب المحيط والحلواني قول الهندواني ، وكذا في معراج الدراية . ونقل في المجتبى عن الهندواني أنه لا يجزيه ما لم تسمع أذناه ومن بقربه ، وهذا لا يخالف ما مر عن الهندواني لأن ما كان مسموعا له يكون مسموعا لمن في قربه كما في الحلية والبحر . ثم إنه اختار في الفتح أن قول الهندواني وبشر متحدان بناء على أن الظاهر سماعه بعد وجود الصوت إذا لم يكن مانع . وذكر في البحر تبعا للحلية أنه خلاف الظاهر ، بل الأقوال ثلاثة . وأيد العلامة خير الدين الرملي في فتاواه كلام الفتح بما لا مزيد عليه ، فارجع إليه . وذكر أن كلا من قولي الهندواني والكرخي مصححان ، وأن ما قاله الهندواني أصح وأرجح لاعتماد أكثر علمائنا عليه .

وبما قررناه ظهر لك أن ما ذكر هنا في تعريف الجهر والمخافتة ، ومثله في سهو المنية وغيره مبني على قول الهندواني لأن أدنى الحد الذي توجد فيه القراءة عنده خروج صوت يصل إلى أذنه أي ولو حكما . كما لو كان هناك مانع من صمم أو جلبة أصوات أو نحو ذلك ، وهذا معنى قوله أدنى المخافتة إسماع نفسه ، وقوله ومن بقربه تصريح باللازم عادة كما مر . وفي القهستاني وغيره أو من بقربه بأو ، وهو أوضح ، ويبتنى على ذلك أن أدنى الجهر إسماع غيره : أي ممن لم يكن بقربه بقرينة المقابلة ، ولذا قال في الخلاصة والخانية عن الجامع الصغير : إن الإمام إذا قرأ في صلاة المخافتة بحيث سمع رجل أو رجلان لا يكون جهرا ، والجهر أن يسمع الكل ا هـ أي كل الصف الأول لا كل المصلين : بدليل ما في القهستاني عن المسعودية إن جهر الإمام إسماع الصف الأول . ا هـ .

وبه علم أنه لا إشكال في كلام الخلاصة ، وأنه لا ينافي كلام الهندواني ، بل هو مفرع عليه بدليل أنه في المعراج [ ص: 535 ] نقله عن الفضلي ، وقد علمت أن الفضلي قائل بقول الهندواني . فقد ظهر بهذا أن أدنى المخافتة إسماع نفسه أو من بقربه من رجل أو رجلين مثلا ، وأعلاها تصحيح الحروف كما هو مذهب الكرخي ، ولا تعتبر هنا في الأصح .

وأدنى الجهر إسماع غيره ممن ليس بقربه كأهل الصف الأول ، وأعلاه لا حد له فافهم ، واغنم تحرير هذا المقام فقد اضطرب فيه كثير من الأفهام ( قوله ويجري ذلك المذكور ) يعني كون أدنى ما يتحقق به الكلام إسماع نفسه أو من بقربه ( قوله لم يصح في الأصح ) أي الذي هو قول الهندواني . وأما على قول الكرخي فيصح وإن لم يسمع نفسه لاكتفائه بتصحيح الحروف كما مر ( قوله وقيل إلخ ) قال في الذخيرة معزيا إلى القاضي علاء الدين في شرح مختلفاته : الأصح عندي أن بعض التصرفات يكتفى بسماعه ، وفي بعضها يشترط سماع غيره مثلا في البيع لو أدنى المشتري صماخه إلى فم البائع وسمع يكفي ، ولو سمع البائع نفسه ولم يسمعه المشتري لا يكفي ; وفيما إذا حلف لا يكلم فلانا فناداه من بعيد بحيث لا يسمع لا يحنث في يمينه ، نص عليه في كتاب الأيمان لأن شرط الحنث وجود الكلام معه ولم يوجد ا هـ .

قال في النهر : أقول : ينبغي أن يكون الحكم كذلك في كل ما يتوقف تمامه على القبول ولو غير مبادلة كالنكاح ا هـ ولم يعول الشارح على هذا القول فعبر عنه بقيل تبعا للفتح ، حيث قال : قيل الصحيح في البيع إلخ وكذا عبر عنه في الكافي إشارة إلى ضعفه كما في الشرنبلالية ، لكن الأول ارتضاه في الحلية والبحر ، وهو أوجه بدليل المسألة المنصوصة في كتاب الأيمان لأن ( الكلام ) من الكلم وهو الجرح ; سمي به لأنه يؤثر في نفس السامع فتكليمه فلانا لا يحصل إلا بسماعه وكذا اشتراط سماع الشهود كلام العاقدين في النكاح وسماع التلاوة في وجوب السجدة على السامع ونحو ذلك مما اشترط فيه سماع الغير تأمل

التالي السابق


الخدمات العلمية