البحر الرائق شرح كنز الدقائق

ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

صفحة جزء
( قوله : وأقله نفلا ساعة ) لقول محمد في الأصل إذا دخل المسجد بنية الاعتكاف فهو معتكف ما أقام تارك له إذا خرج فكان ظاهر الرواية واستنبط المشايخ منه أن الصوم ليس من شرطه على ظاهر الرواية ; لأن مبنى النفل على المسامحة حتى جازت صلاته قاعدا ، أو راكبا مع قدرته على الركوب والنزول ونظر فيه المحقق في فتح القدير بأنه لا يمتنع عند العقل القول بصحة اعتكاف ساعة مع اشتراط الصوم له وإن كان الصوم لا يكون أقل من يوم وحاصله أن من أراد أن يعتكف فليصم سواء كان يريد اعتكاف يوم ، أو دونه ولا مانع من اعتبار شرط يكون أطول من مشروطه ومن ادعاه فهو بلا دليل فهذا الاستنباط غير صحيح بلا موجب فالاعتكاف لا يقدر شرعا بكمية لا تصح دونها كالصوم بل كل جزء منه لا يفتقر في كونه عبادة إلى الجزء الآخر ولم يستلزم تقدير شرطه تقديره . ا هـ .

ولا يخفى أن ما ادعاه أمر عقلي مسلم وبهذا لا يندفع ما صرح به المشايخ الثقات من أن ظاهر الرواية أن الصوم ليس من شرطه وممن صرح به صاحب المبسوط وشرح الطحاوي وفتاوى قاضي خان والذخيرة والفتاوى الظهيرية والكافي للمصنف والبدائع والنهاية وغاية البيان والتبيين وغيرهم والكل مصرحون بأن ظاهر الرواية أن [ ص: 324 ] الصوم ليس من شرطه لكن وقع لصاحب المبسوط أنه قال وفي ظاهر الرواية يجوز النفل من الاعتكاف من غير صوم فإنه قال في الكتاب إذا دخل المسجد بنية الاعتكاف فهو معتكف ما أقام تارك له إذا خرج وظاهره أن مستند ظاهر الرواية ما ذكره في الكتاب ولا يمتنع أن يكون مستنده صريحا آخر بل هو الظاهر لنقل الثقات وعبارة البدائع وأما اعتكاف التطوع فالصوم ليس بشرط لجوازه في ظاهر الرواية وروى الحسن أنه شرط واختلاف الرواية فيه مبني على اختلاف الرواية في اعتكاف التطوع أنه مقدر بيوم ، أو غير مقدر ذكر محمد في الأصل أنه غير مقدر فلم يكن الصوم شرطا ; لأن الصوم مقدر بيوم إذ صوم بعض اليوم ليس بمشروع فلا يصلح شرطا لما ليس بمقدر . ا هـ .

وهي تفيد أن ظاهر الرواية مروي لا مستنبط وأشار إلى أنه لو شرع في النفل ثم قطعه لا يلزمه القضاء في ظاهر الرواية ; لأنه غير مقدر فلم يكن قطعه إبطالا وقد ذكروا في الحيض أن الساعة اسم لقطعة من الزمن عند الفقهاء ولا يختص بخمسة عشر درجة كما يقوله أهل الميقات فكذا هنا وأطلق في المسجد فأفاد أن الاعتكاف يصح في كل مسجد وصححه في غاية البيان لإطلاق قوله تعالى { وأنتم عاكفون في المساجد }

وصحح قاضي خان في فتاويه أنه يصح في كل مسجد له أذان وإقامة واختار في الهداية أنه لا يصح إلا في مسجد الجماعة وعن أبي يوسف تخصيصه بالواجب أما في النفل فيجوز في غير مسجد الجماعة ذكره في النهاية وصحح في فتح القدير عن بعض المشايخ ما روي عن أبي حنيفة أن كل مسجد له إمام ومؤذن معلوم ويصلي فيه الخمس بالجماعة يصح الاعتكاف فيه وفي الكافي أراد به أبو حنيفة غير الجامع فإن الجامع يجوز الاعتكاف فيه وإن لم يصلوا فيه الصلوات كلها ويوافقه ما في غاية البيان عن الفتاوى يجوز الاعتكاف في الجامع وإن لم يصلوا فيه بالجماعة وهذا كله لبيان الصحة وأما الأفضل فأن يكون في المسجد الحرام ثم في مسجد المدينة وهو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مسجد بيت المقدس ثم مسجد الجامع ثم المساجد العظام التي كثر أهلها كذا في البدائع وشرح الطحاوي وظاهره أن المجاورة بمكة ليس بمكروه والمروي عن أبي حنيفة الكراهة وعلى قولهما لا بأس به وهو الأفضل قال في النهاية وعليه عمل الناس اليوم إلا أن يقال إن مرادهم الاعتكاف فيه في أيام الموسم فلا يدل على المسألة .


( قوله : ولا يخفى أن ما ادعاه أمر عقلي مسلم إلخ ) قال في النهر بعد ذكر كلام الفتح ولا يخفى أن هذا التجويز العقلي مما لا قائل به فيما نعلم فلا يصح حمل كلام محمد عليه ثم ذكر عبارة البدائع الآتية ثم قال وبهذا عرف أن ما في البحر أن الثقات مصرحون بأن ظاهر الرواية عدم اشتراطه فجاز أن يكون مستندهم صريحا آخر بل هو الظاهر من ضيق العطن ا هـ .

والعطن مربض الغنم حول الماء قال الشيخ إسماعيل وفيه بحث ; لأن ما بسطه في البحر يحتاج إليه نظر الظاهر المبسوط الجازم بالاستنباط الذي لا يقوى كلام البدائع وحده على دفعه كما لا يخفى ا هـ .

أقول : منع المحقق مبني على استنباط عدم اشتراط الصوم من كلام الإمام محمد في الأصل فإنه قال واعلم أن المنقول من مستند إثبات هذه الرواية الظاهرة هو قول في الأصل إذا دخل المسجد إلخ ولا يخفى أن ما ذكره المحقق من التجويز العقلي وارد على هذا الاستدلال وليس مراده حمل كلام الأصل عليه حتى يرد ما أورده في النهر ولا منع أنهم مصرحون بأن ذلك ظاهر الرواية حتى يرد ما ذكره المؤلف بل هو يقول إن المنقول أن ما صرحوا به من أنه ظاهر الرواية مبني على ما مر فلا يمكن دفعه إلا بمنع أن المنقول ذلك ودعوى جواز أن يكون مستندهم صريحا آخر خارج عما البحث فيه وإن كان هو الظاهر [ ص: 324 ] فتدبر ( قوله : وأطلق في المسجد إلخ ) كان الأولى ذكره قبل قوله وأقله نفلا ساعة وقوله فأفاد أن الاعتكاف إلخ قال في النهر فيه نظر ففي الخلاصة والخانية ويصح في كل مسجد له أذان وإقامة هو الصحيح وهذا هو مسجد الجماعة كما في العناية ونقل بعضهم أن صحته في كل مسجد . قولهما وهذا الكتاب لم يوضع إلا لبيان أقوال الإمام نعم اختار الطحاوي قولهما ا هـ .

قال الرملي ما اختاره الطحاوي أيسر خصوصا في زماننا فينبغي أن يعول عليه والله تعالى أعلم ( قوله وظاهره أن المجاورة بمكة غير مكروهة إلخ ) قال في النهر لا يخفى أنه لا دلالة في الكلام على ما ادعى أما أولا فلأنه لا يلزم من الاعتكاف في غير أيام الموسم المجاورة بل قد يكون خاليا عنها فيمن كان حول مكة وأما ثانيا فلأنه لا يلزم أيضا من كراهة المجاورة كون اعتكافه في المسجد ليس أفضل ألا ترى إلى أن الصلوات ونحوها من المجاور أفضل من غيرها ا هـ .

واستظهره الشيخ إسماعيل .

التالي السابق


الخدمات العلمية