البحر الرائق شرح كنز الدقائق

ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

صفحة جزء
قوله : ( أنت طالق قبل أن أتزوجك أو أمس ونكحها اليوم لغو ) بيان للمضاف إلى زمن ماض بعد بيان المستقبل لأنه أسنده إلى حالة منافية فصار كقوله طلقتك وأنا صبي أو نائم أو مجنون وكان جنونه معهودا وإلا طلقت للحال قيد بالطلاق لأنه لو قال لعبده أنت حر قبل أن أشتريك أو أنت حر أمس ، وقد اشتراه اليوم عتق عليه لإقراره له بالحرية قبل ملكه كما لو أقر بعتق عبد ثم اشتراه ولا فرق في المسألة الأولى بين أن يزيد على قوله قبل أن أتزوجك بشهر أولا كما في المحيط وقيد بكونه لم يعلقه بالتزوج لأنه لو علقه بالتزوج فلا يخلو إما أن يقدم الجزاء أو يؤخره فإن قدمه فله صورتان إحداهما أن يجعل القبلية متوسطة كقوله : أنت طالق قبل أن أتزوجك إذا تزوجت بك .

والثانية أن يؤخرها كقوله : أنت طالق إذا تزوجتك قبل أن أتزوجك ، وفيهما يقع الطلاق عند وجود التزوج اتفاقا وتلغو القبلية لأنه في الصورة الثانية تم الشرط ، والجزاء فصح التعليق وبقوله قبل أن أتزوجك قصد إبطاله لأنه أثبت وصفا للجزاء لا يليق به وأنه لا يمكن فيلغى وأما في الصورة الأولى فالتعليق المتأخر ناسخ للإضافة قبله فصار كما لو قال أنت طالق قبل أن تدخلي الدار إن دخلتيها تعلق بدخولها ولغا قوله : قبل أن تدخلي ، وإن أخر الجزاء بأن قال إن تزوجتك فأنت طالق قبل أن أتزوجك لم يقع عندهما خلافا لأبي يوسف لأن ذكر الفاء رجح جهة الشرطية ، والمعلق بالشرط كالمنجز عند وجوده فصار كأنه قال بعد التزوج أنت طالق قبل أن أتزوجك .

والحاصل أن أبا يوسف لم يفرق بين تقديم الشرط وتأخيره وهما فرقا ، وفي شرح تلخيص الجامع لا يقال بأن قوله قبل أن أتزوجك كلام لغو ، وقد فصل بين الشرط ، والمشروط فوجب أن لا يتعلق الطلاق بالتزوج لأنا نقول لا نسلم أنه لغو بل تصريح بما انتظمه صدر الكلام لأنه يقتضي كونه إيقاعا في الحال إدخال وجود القول منه بوصف بكونه قبل التزوج فصار كما لو قال لمنكوحته : أنت طالق الساعة إذا دخلت الدار أو أنت طالق قبل أن تدخلي الدار إن دخلت الدار لأن قوله الساعة وقبل أن تدخلي تصريح بما اقتضاه صدر الكلام على أنه لو جعل هناك فاصلا يتنجز وهنا لو جعل قبل أن أتزوجك فاصلا يلغو فكان أولى باعتبار كونه غير فاصل تصحيحا لكلام العاقل ا هـ .

وفي المحيط إن تزوجت فلانة بعد فلانة فهما طالقتان فتزوجهما كما قال : طلقتا لأنه أضاف الطلاق إلى تزوجهما لأن قوله بعد فلانة أي بعد تزوج فلانة فصار تزوج فلانة مذكورا ضرورة وقد تزوجهما كما شرط فوجد الشرط فنزل الطلاق ، وإن قال إن تزوجت فلانة قبل فلانة فهما طالقتان فتزوج الأولى طلقت لأن الشرط في حقها قد وجد وهو القبلية لأن وصف الشيء بالقبلية لا يقتضي وجود ما بعده ، وإن تزوج الثانية طلقت أيضا وقيل ينبغي أن لا تطلق ، ولو قال إن تزوجت زينب قبل عمرة بشهر فهما طالقتان فتزوج زينب ثم عمرة بعدها بشهر طلقت زينب للحال لوجود الشرط ولا يستند كما لو قال أنت طالق قبل قدوم فلانة بشهر ولا تطلق عمرة لأنه أضاف طلاق عمرة إلى شهر قبل تزوجها ، ولو قال إن تزوجت زينب قبيل عمرة فتزوج زينب وحدها لا تطلق لأن قبيل عبارة عن ساعة لطيفة يتصل به ما ذكر عقيبه وذلك لا يعرف إلا بالتزويج بعمرة كما لو قال أنت طالق قبيل الليل لا تطلق إلا عند غروب الشمس فلو قال قبل الليل تطلق للحال فإن تزوج عمرة بعد ذلك طلقت زينب لا عمرة ، وإن طال ما بين التزوجين لم تطلق إحداهما ا هـ .

( قوله : وإن نكحها قبل أمس وقع الآن ) لأنه أسنده إلى حالة منافية ولا يمكن تصحيحه إخبارا [ ص: 293 ] أيضا فكان إنشاء ، والإنشاء في الماضي إنشاء في الحال فيقع الساعة وعلى هذه النكتة حكم بعض المتأخرين من مشايخنا في مسألة الدور المنقولة عن متأخري الشافعية بالوقوع وهي إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا وحكم أكثرهم بأنها لا تطلق بتنجيز طلاقها لأنه لو تنجز وقع المعلق قبله ثلاثا ووقوع الثلاث سابقا على التنجيز يمنع المنجز بوقوع المنجز والمعلق لأن الإيقاع في الماضي إيقاع في الحال ونقول أيضا إن هذا تغيير لحكم اللغة لأن الأجزئة تنزل بعد الشرط أو معه لا قبله ولحكم العقل أيضا .

لأن مدخول أداة الشرط سبب ، والجزاء مسبب عنه ولا يعقل تقدم المسبب على السبب فكان قوله : قبله لغوا ألبتة فيبقى الطلاق جزاء للشرط غير مقيد بالقبلية ولحكم الشرع لأن النصوص ناطقة بشرعية الطلاق وهذا يؤدي إلى رفعها فيتفرع في المسألة المذكورة : وقوع ثلاث الواحدة المنجزة وثنتان من المعلقة ولو طلقها ثنتين وقعتا وواحدة من المعلقة أو طلقها ثلاثا يقعن فينزل الطلاق المعلق لا يصادف أهلية فيلغو ولو كان قال إن طلقتك فأنت طالق قبله ثم طلقها واحدة وقعت ثنتان المنجزة ، والمعلقة وقس على ذلك كذا في فتح القدير ، وفيه نظر لأنه ينتقض بقوله تعالى : { وما بكم من نعمة فمن الله } فإن الأول استقرار النعمة بالمخاطبين ، والثاني كونها من الله عز وجل وليس الأول سببا للثاني بل الأول فرع للثاني وقال الرضي لا يلزم مع الفاء أن يكون الأول سببا للثاني بل اللازم أن يكون ما بعد الفاء لازما لمضمون ما قبلها كما في جميع صور الشرط ، والجزاء ففي قوله تعالى { وما بكم من نعمة فمن الله } كون النعمة منه لازم حصولها معنى ولا يغرنك قول بعضهم إن الشرط سبب في الجزاء ا هـ .

وتمامه في شرح المغني للدماميني من بحث ما من المبحث الأول وحينئذ فلا يلغو قوله : قبله لعدم المنافاة ولا يضر رفع شرعية الطلاق على واحد اختار لنفسه ذلك فألزم نفسه به كما لو قال : كلما تزوجت امرأة فهي طالق فإنه صحيح عندنا ، وإن كان فيه سد باب النكاح المشروع ، وفي القنية من آخر كتاب الأيمان قال لها كلما وقع عليك طلاقي وأنت قبله طالق ثلاثا ثم طلقها بعد ذلك ثلاثا يقعن وهذا طلاق الدور وإنه لا يقع عند الشافعي قال الغزالي في وجيزه إذا قال : إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا يحسم باب الطلاق على أظهر الوجهين [ ص: 294 ] وقيل إذا نجز واحدة تقع تلك الواحدة وقيل تقع الثلاث إن كان بعد الدخول ثم قال الغزالي إن وطئت وطئا مباحا فأنت طالق قبله فوطئ فلا خلاف أنها لا تطلق ا هـ .

والأصح عند الشافعية ما صححه الشيخان من وقوع المنجزة دون المعلقة كما في شرح التنبيه ، وفيه لو قال لزوجته : متى دخلت الدار وأنت زوجتي فعبدي حر قبله ومتى دخلها وهو عبدي فأنت طالق قبله ثلاثا فدخلا معا لم يعتق العبد ولم تطلق الزوجة للزوم الدور .

لأنهما لو حصلا لحصلا معا قبل دخولهما ولو كان كذلك لم يكن العبد عبده وقت الدخول ولا المرأة زوجته وقتئذ فلا تكون الصفة المعلق عليها حاصلة ولا يتأتى في هذا القول بطلان الدور إذ ليس فيها سد باب التصرف ولو دخلا مرتبا وقع المعلق على المسبوق دون السابق فلو دخلت المرأة أولا ثم العبد عتق ولم تطلق هي لأنه حين دخل لم يكن عبدا له فلم تحصل صفة طلاقها ، وإن دخل العبد أولا ثم المرأة طلقت ولم يعتق العبد ، وإن لم يذكر في تعليقه المذكور لفظة قبل في الظرفين ودخلا معا عتق وطلقت ، وإن دخلا مرتبا فكما سبق ا هـ .

وفيه ولو قال إن ظاهرت منك أو آليت أو لاعنت أو فسخت النكاح بعيب فأنت طالق قبله ثلاثا ثم وجد المعلق به صح ولغا تعليق الطلاق لاستحالة وقوعه ا هـ .


( قوله : ولو قال : إن تزوجت زينب قبيل عمرة . إلخ ) انظر لما يأتي عن التتمة قبيل قوله أنا منك طالق لغو [ ص: 293 ] ( قوله : بالوقوع ) أي وقوع الثلاث كما هو مقتضى التفريع ويأتي التصريح به أيضا في كلامه وسنذكر عن ابن حجر الخلاف في وقوع المنجز وحده ووقوع الثلاث ( قوله : لأن الإيقاع في الماضي إيقاع في الحال ) الظاهر أنه تعليل للقول الأول بالوقوع وقوله : ونقول أيضا إلخ تأييد له فأخر تعليل القول الأول إلى ما بعد القولين ليرتبط الكلام .

( قوله : وفيه نظر لأنه ينتقض . . . إلخ ) منع لقوله ولحكم العقل ، وقوله : بعده ولا يضر رفع شرعية الطلاق . . . إلخ منع لقوله ولحكم الشرع قال في النهر : بعد ذكره لحاصل كلام المؤلف ، وفيه نظر من وجهين : الأول ما قاله الرضي إنما هو مذهب النحاة يفصح عن ذلك ما في المطول لا نسلم أن الشرط النحوي ما يتوقف عليه وجود الشيء بل هو المذكور بعد إن وأخواته معلق عليه حصول مضمون الجزاء أي حكم بأنه يحصل مضمون تلك الجملة عند حصوله فهو في الغالب ملزوم ، والجزاء لازم وانتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم من غير عكس ثم قال : الشرط عندهم أعم من أن يكون سببا نحو لو كانت الشمس طالعة فالعالم مضيء أو شرطا نحو لو كان لي مال لحججت أو غيرهما نحو لو كان النهار موجودا لكانت الشمس طالعة الثاني سلمنا أن أداة الشرط لا يلزم أن تكون سببا لكن بطلان تقدم الشيء على شرطه ضروري لأنه موقوف عليه فلا يحصل قبله كما في التلويح ، وفيه الحق أن بطلان تقدم الشيء على شرطه أظهر من بطلان تقدمه على السبب لجواز أن يثبت بأسباب شتى ا هـ .

وبهذا يبطل قوله : فلا يلغو قوله : قبله لعدم المنافاة ا هـ . قلت لا يخفى عليك أن أول هذين الوجهين مؤيد لكلام المؤلف في دعواه عدم لزوم كون مدخول أداة الشرط سببا ، والجزاء مسببا عنه إذ لا خفاء أن المراد هنا بالشرط الواقع بعد الأداة الشرط النحوي لا الشرعي ( قوله : قال الغزالي في وجيزه . . . إلخ ) أقول : رأيت مؤلفا مستقلا في هذه المسألة للعلامة ابن حجر المكي الشافعي ونقل أن الغزالي رجع في آخر عمره عما ذكره في وسيطه ووجيزه وأنه قال الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل ونقل أيضا عن التاج السبكي أن والده التقي السبكي رجع عن القول بالمسألة السريجية وألف فيها مؤلفا سماه النور في الدور ثم نقل عن جماعة من الشافعية أنهم ألفوا تأليفات في ذلك ردوا فيها على القائلين منهم بصحة الدور وقال أيضا وجمهور العلماء من سائر المذاهب غير مذهبنا على فساد الدور قال وهذا مما لا شك فيه كيف وشنع على القائلين بصحة الدور جماعة من المالكية ، والحنفية ، والحنابلة ، وقد نقل بعض الأئمة [ ص: 294 ] عن أبي حنيفة وأصحابه الاتفاق على فساد الدور وإنما وقع عنهم في وقوع الثلاث أو المنجز وحده ، وفي مغني الحنابلة لا نص لأحمد في هذه المسألة وقال القاضي : تطلق ثلاثا وقال ابن عقيل تطلق بالمنجز لا غير ا هـ .

ثم نقل عن عشرين إماما من الأئمة الشافعية اتفقوا على بطلان الدور ، وإن اختلفوا في عدد الواقع به وقال أيضا وبالغ في تخطئة القائلين بصحته العز بن عبد السلام وناهيك به جلالة ومن ثم لقب بسلطان العلماء ، وعبارته كما حكاه تلميذه الإمام القرافي عنه في هذه المسألة : لا يصح فيها التقليد ، والتقليد فيها فسوق ; لأن القاعدة أن قضاء القاضي ينقض إذا خالف أحد أربعة أشياء الإجماع أو النص أو القواعد أو القياس الجلي وما لا يقر شرعا إذا تأكد بقضاء القاضي ينقض فأولى إذا لم يتأكد وإذا لم يقر شرعا حرم التقليد فيه لأن التقليد في غير شرع هلاك وهذه المسألة مخالفة للقواعد الشرعية فلا يصح التقليد فيها قال القرافي : وهذا بيان حسن ظاهر وقال الإمام ابن الصلاح : ابن سريج بريء ما نسب إليه والذي عليه الطوائف من أصحاب المذاهب ، وجماهير أصحابنا القول بأنه لا ينسد باب الطلاق بل يقع على اختلاف في كمية الواقع ، وقال الزركشي في الخادم : وبالغ السروجي من الحنفية فقال : القول بانسداد باب الطلاق يشبه مذاهب النصارى أنه لا يمكن للزوج إيقاع طلاق على زوجته مدة عمره .

وقال الإمام الكمال بن الرداد شارح الإرشاد المعتمد في الفتوى وقوع الطلاق المنجز وهو المنقول عن ابن سريج وصححه جمع وعليه العمل في الديار المصرية ، والشامية وهو القوي في الدليل وعزاه الرافعي إلى أبي حنيفة هذا حاصل ما أردت تلخيصه من مؤلف ابن حجر وتقدم عن المحقق ابن الهمام تقوية القول بالوقوع ونقل الغزي في منح الغفار أول كتاب الطلاق رد القول بخلافه بأبلغ وجه حيث قال : وفي جواهر الفتاوى قال أبو العباس بن سريج من أصحاب الشافعي إذا قال الرجل لامرأته : إن طلقتك ثلاثا فأنت طالق قبله ثلاثا ثم أوقع الطلاق عليها لا يقع أبدا وأنكر عليه جميع أئمة المسلمين من أصحاب الشافعي أيضا مثل إمام الحرمين والشيخ أبي إسحاق والإمام الغزالي .

وهذا قول مخترع مخالف لأهل القبلة فإن الأمة أجمعت من الصحابة ، والتابعين وأئمة السلف من أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما على أن طلاق المكلف واقع .

وقد { قال صلى الله عليه وسلم من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام } ، وعن بعض مشايخنا أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فسأله عن طلاق الدور ، فقال صلى الله عليه وسلم من قال بطلاق الدور فقد أضل أمتي فقال لا يقبل مني فقال صلى الله عليه وسلم ما عليك إلا البلاغ ثم بحث في الاستدلال على بطلانه ثم قال : ولو حكم حاكم بصحة الدور وبقاء النكاح وعدم وقوع الطلاق لا ينفذ حكمه ويجب على حاكم آخر تفريقهما لأن مثل هذا لا يعد خلافا لأنه قول مجهول باطل فاسد ظاهر البطلان ا هـ . إلى هنا كلام المنح .

التالي السابق


الخدمات العلمية