البحر الرائق شرح كنز الدقائق

ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

صفحة جزء
( قوله : : يمنع صلاة وصوما ) شروع في بيان أحكامه فذكر بعضها ولا بأس ببيانها ، فنقول : إن الحيض يتعلق به أحكام : أحدها يمنع صحة الطهارة ، وأما أغسال الحج فإنها تأتي بها ; لأن المقصود منها التنظيف لا الطهارة ، وأما تحريم الطهارة عليها فمنقول في شرح المهذب للنووي ، وأما أئمتنا فقالوا : إنه يستحب لها أن تتوضأ لوقت كل صلاة وتقعد على مصلاها تسبح وتهلل وتكبر وفي رواية يكتب لها ثواب أحسن صلاة كانت تصلي وصحح في الظهيرية أنها تجلس مقدار أداء فرض الصلاة كي لا تنسى العادة .

الثاني : يمنع وجوب الصلاة وهو ظاهر ما في الكتاب وظاهر ما في القدوري أيضا فإنه قال : والحيض يسقط . فأفاد ظاهرا عدم تعلق أصل الوجوب بها وهذا لأن تعلقه يستتبع فائدته ، وهي إما الأداء أو القضاء والأول منتف لقيام الحدث مع العجز عن رفعه والثاني كذلك فضلا منه تعالى دفعا للحرج اللازم بإلزام القضاء لتضاعف الواجبات خصوصا فيمن عادتها أكثره فانتفى الوجوب لانتفاء فائدته لا لعدم أهليتها للخطاب ، ولذا تعلق بها خطاب الصوم لعدم الحرج إذ غاية ما تقضي في السنة خمسة عشر يوما إذا كان حيضها عشرة ، وبهذا اندفع ما في النهاية ومعراج الدراية وغيرهما من أن قوله يسقط يقتضي سابقة الوجوب عليها ويقولون [ ص: 204 ] أنه قول أبي زيد

وأما على قول عامة المشايخ لا يجب ، وقد نقل النووي الإجماع على سقوط وجوب الصلاة عنها .

الثالث : يحرمها .

الرابع : يمنع صحتها .

الخامس : يحرم الصوم .

السادس - يمنع صحته . وأما أنه يمنع وجوبه فلا لما قدمنا وسيأتي إيضاحه .

السابع : يحرم مس المصحف وحمله .

الثامن : يحرم قراءة القرآن .

التاسع : يحرم دخول المسجد .

العاشر : يحرم سجود التلاوة والشكر ويمنع صحته .

الحادي عشر : يحرم الاعتكاف .

الثاني عشر : يمنع صحته .

الثالث عشر : يفسده إذا طرأ عليه .

الرابع عشر : يحرم الطواف من جهتين دخول المسجد وترك الطهارة له . لكن لا يمنع صحته كما هو المشهور من مذهبنا فاندفع به ما نقله النووي في شرح المهذب من نقل الإجماع على عدم صحة طوافها مطلقا .

الخامس عشر : يمنع وجوب طواف الصدر .

السادس عشر : يحرم الوطء وما هو في حكمه .

السابع عشر : يحرم الطلاق .

الثامن عشر : تبلغ به الصبية .

التاسع عشر : يتعلق به انقضاء العدة .

العشرون : يتعلق به الاستبراء .

الحادي والعشرون : يوجب الغسل بشرط الانقطاع على ما حققناه .

الثاني والعشرون : لا يقطع التتابع في صوم كفارة القتل والفطر بخلاف كفارة اليمين ونحوها حيث تقطع على ما حققه الإمام الدبوسي في التقويم وهذه الأحكام كلها متعلقة بالنفاس إلا خمسة : وهي انقضاء العدة والاستبراء والحكم ببلوغها والفصل بين طلاقي السنة والبدعة وعدم قطع التتابع في الصوم فإن هذه مختصة بالحيض فظهر بما قررناه أن ما في النهاية ومعراج الدراية وغيرهما من أن أحكام الحيض والنفاس اثنا عشر ثمانية مشتركة وأربعة مختصة بالحيض ليس بجامع .

ثم هذه الأحكام التي ذكرناها منها ما يتعلق ببروز الدم على المذهب المختار وعند محمد بالإحساس ومنها ما يتعلق بنصاب الحيض لكن يستند إلى ابتدائه ومنها ما يتعلق بانقضائه فالثاني هو الحكم ببلوغها ووجوب الغسل والثالث هو انقضاء العدة والاستبراء وبقية الأحكام متعلقة بالقسم الأول ( قوله : فتقضيه دونها ) أي فتقضي الصوم لزوما دون الصلاة لما في الكتب الستة { عن معاذة قالت سألت عائشة فقلت ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة فقالت أحرورية أنت قلت لست بحرورية ولكني أسأل قالت كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة } وعليه انعقد الإجماع ولأن في قضاء الصلاة حرجا بتكررها في كل يوم وتكرر الحيض في كل شهر بخلاف الصوم حيث يجب في السنة شهرا واحدا والمرأة لا تحيض عادة في الشهر إلا مرة فلا حرج ، وإنما وجب عليها قضاء الصوم ، وإن نفست رمضان كله ; لأن وجوده في رمضان كله نادر فلا يعتبر .

وذكر في آخر الفتاوى الظهيرية أن حكمته أن حواء لما رأت الدم أول مرة سألت آدم فقال لا أعلم فأوحي إليه أن تترك الصلاة فلما طهرت سألته فقال لا أعلم فأوحي إليه أن لا قضاء عليها ، ثم رأته في وقت الصوم فسألته فأمرها بترك الصوم وعدم قضائه قياسا على الصلاة فأمرها الله تعالى بقضاء الصوم من قبل أن آدم أمرها بذلك من غير أمر الله تعالى ، وفي معراج الدراية أن سبب قضائه ترك حواء السؤال له وقياسها الصوم على الصلاة فجوزيت بقضائه بسبب ترك السؤال ، فإن قيل إنها غير مخاطبة بالصوم حال حيضها لحرمته عليها فكيف يجب عليها القضاء ولم يجب عليها الأداء قلنا : أما من قال من مشايخنا وغيرهم بأن القضاء يجب بأمر جديد فلا إشكال ، وأما على قول الجمهور من مشايخنا أن القضاء يجب بما يجب به الأداء فانعقاد السبب يكفي لوجوب القضاء ، وإن لم تخاطب بالأداء وهل يكره لها قضاء الصلاة لم أره صريحا وينبغي أن يكون خلاف الأولى كما لا يخفى . والحرورية فرقة من الخوارج [ ص: 205 ] منسوبة إلى حروراء قرية بالكوفة كان بها أول تحكمهم واجتماعهم والمراد أنها في التعمق في سؤالها كأنها خارجية ; لأنهم تعمقوا في أمر الدين حتى خرجوا ، كذا في المغرب .


[ ص: 203 ] ( قوله : : وبهذا اندفع ما في النهاية ومعراج الدراية إلخ ) قال العلامة الشيخ إسماعيل النابلسي في شرح الدرر والغرر فيه بحث ; لأن قوله يفيد ظاهر إلخ ممنوع ; لأن السقوط مقتضاه سبق تكليف به ولو قال المراد بالتكليف السابق الذي سقط هو ما كان قبل وجود العذر لكان وجهه ظاهرا وعليه يتساوى المنع مع السقوط فليتأمل ، وأما حكاية النووي الإجماع فلا ترد على أبي زيد فإنه سابق على النووي فإنه توفي سنة 435 والنووي مولده في المحرم سنة 631 بل اختياره والخلاف المتقدم وارد على الإجماع إن لم يرد به المذهبي . ا هـ .

كذا نقله بعض الفضلاء وقال بعده قلت الذي حكاه النووي إجماع الأمة فلا يصح حمله على المذهبي ، قال في شرح المهذب أجمعت الأمة على أن الحيض يحرم عليها الصلاة فرضها ونفلها وأجمعوا على أنه يسقط عنها فرض الصلاة فلا تقضي إذا طهرت . ا هـ .

أقول : ثم قوله ولو قال المراد بالتكليف السابق إلخ قد يقال : إنه غير ظاهر بل الظاهر ما قاله المؤلف ; لأنه لو قال ذلك لما شمل المبتدأة بالحيض إذ لا وجوب عليها قبله اللهم إلا أن يجاب بأنه بناء على الغالب ولعله لما قلنا أشار بقوله فليتأمل هذا ، وقد دفع في النهر المنافاة من أصلها فقال وكون عبارة القدوري ظاهرة فيما قال تبع فيه صاحب الفتح ولقائل منعه إذ سقوط الشيء فرع وجوده ، وحكاية الإجماع لا تنافي ما قاله الدبوسي في أصوله إذ السقوط قدر متفق عليه لكن هل بعد تعلق الوجوب أم لا فظاهر أن الخلاف لفظي إلا أنه ينبغي أن لا يختلف في سقوط الوجوب فيما لو طرأ عليها بعد دخول الوقت . ا هـ .

وفي السراج الوهاج وهذه المسألة اختلف فيها الأصوليون وهي أن الأحكام هل هي ثابتة على الصبي والمجنون والحائض أم لا ؟ اختار أبو زيد الدبوسي أنها ثابتة والسقوط بعذر الحرج قال : لأن الآدمي أهل لإيجاب الحقوق عليه وكلام الشيخ يعني القدوري بناء على هذا ، وقال البزدوي كنا على هذا مدة ثم تركناه وقلنا بعدم الوجوب . ا هـ .

وظاهر كلام النهر إبقاء كلام القدوري على ما يتبادر منه كما حمله عليه في السراج وغيره وأنه مع هذا لا ينافي الإجماع الذي نقله النووي ; لأن السقوط متفق عليه ، لكن لا يخفى أنه قال : إن سقوط الشيء فرع وجوده فلا بد من تأويله السقوط في عبارة النووي بالانتفاء كما [ ص: 204 ] فعله المؤلف ليصح نقل الإجماع وإلا فظاهر أنه كقول الدبوسي فقوله إذ السقوط قدر متفق عليه إلخ إن لم يؤول بالانتفاء فهو ممنوع قطعا فظهر أن السقوط معناه الانتفاء في عبارتي القدوري والنووي وأنه لا داعي إلى حمل عبارة القدوري على قول أبي زيد إذ هو قول رده المحققون بأن فيه إخلالا لإيجاب الشرع عن الفائدة في الدنيا وهي تحقق معنى الابتلاء وفي الآخرة وهي الجزاء وبأن الصبي لو كان ثابتا عليه ثم سقط لدفع الحرج لكان ينبغي إذا أدى أن يكون مؤديا للواجب كالمسافر إذا صام رمضان في السفر وحيث لم يقع المؤدى عن الواجب بالاتفاق دل على انتفاء الوجوب أصلا ، وقوله فظاهر أن الخلاف لفظي تبع فيه الإمام السبكي لكنه قاله في الصوم قال ; لأن تركه حالة العذر جائز اتفاقا والقضاء بعد زواله واجب اتفاقا . ا هـ .

وقال بعض المحققين لكن ليس كذلك بل فائدة الخلاف بينهما كما في الذخائر فيما إذا قلنا : يجب التعرض للأداء والقضاء في النية ، فإن قلنا بوجوبه عليها نوت القضاء وإلا نوت الأداء فإنه وقت توجه الخطاب والله سبحانه وتعالى أعلم نعم يبقى في كلام المصنف إيهام أن الصوم حكمه حكم الصلاة مع أنه واجب عليها ، ولذا قال في النهر يمنع صلاة أي حلها لتناسب المعطوفات فالأولى ما في القدوري ويحرم عليها الصوم . ا هـ .

( قوله : وينبغي أن يكون خلاف الأولى ) قال في النهر ويدل عليه قولهم لو غسل رأسه [ ص: 205 ] بدل المسح كره .

التالي السابق


الخدمات العلمية