البحر الرائق شرح كنز الدقائق

ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

صفحة جزء
والثالثة مسألة المضللة وتسمى بالمحيرة وفيها ثلاثة فصول الأول الإضلال بالعدد والثاني الإضلال بالمكان والثالث الإضلال بهما والأصل أنها متى تيقنت بالطهر في وقت صلت فيه بالوضوء لوقت كل صلاة وصامت ، ومتى تيقنت بالحيض في وقت تركتهما فيه ، ومتى شكت في وقت أنه وقت حيض أو طهر تحرت ، فإن لم يكن لها رأي تصلي فيه بالوضوء لوقت كل صلاة وتصوم وتقضيه دونها ، ومتى شكت في وقت أنه حيض أو طهر أو خروج عن الحيض تصلي فيه بالغسل لكل صلاة لجواز أنه وقت الخروج من الحيض ولا يأتيها زوجها بحال لاحتمال الحيض أما الأول وهو ما إذا نسيت عدد أيامها بعدما انقطع الدم عنها أشهرا واستمر وعلمت أن حيضها في كل شهر مرة فإنها تدع الصلاة ثلاثة أيام من أول الاستمرار لتيقنها بالحيض فيها ثم تغتسل سبعة أيام لكل صلاة لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض ثم تتوضأ عشرين يوما لوقت كل صلاة لتيقنها فيها بالطهر ويأتيها زوجها ، وأما إذا لم تعلم أنه كل شهر مرة فهو على ثلاثة أوجه [ ص: 220 ] أحدها ما إذا لم تعلم عدد حيضها وطهرها فإنها تدع الصلاة ثلاثة أيام من أول الاستمرار ثم تصلي سبعة بالاغتسال لوقت كل صلاة ثم تصلي ثمانية بالوضوء لوقت كل صلاة لتيقنها بالطهر فيها ويأتيها زوجها فيها ثم تصلي ثلاثة بالوضوء لوقت كل صلاة للتردد بين الطهر والحيض ثم تصلي بالاغتسال لكل صلاة كما قدمناه

وثانيها إذا علمت أن طهرها خمسة عشر ولم تعلم عدد حيضها فإنها تدع الصلاة ثلاثة أيام ثم تصلي سبعة بالغسل ثم تصلي ثمانية بالوضوء باليقين ثم تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك فبلغ ذلك أحدا وعشرين يوما ، فإن كان حيضها ثلاثة فابتداء طهرها الثاني بعد أحد وعشرين يوما ، وإن كان حيضها عشرة فابتداء طهرها الثاني بعد خمسة وثلاثين فتصلي في هذه الأربعة عشر التي بعد الأحد والعشرين بالاغتسال لكل صلاة للتردد بين الثلاثة ثم تصلي يوما بالوضوء لوقت كل صلاة بيقين لتيقنها بالطهر ; لأنه اليوم الخامس عشر منه الذي هو السادس والثلاثون ثم تصلي ثلاثة بالوضوء لوقت كل صلاة للتردد فيها بين الحيض والطهر ثم تغتسل لكل صلاة أبدا ; لأنه ما من ساعة إلا ويتوهم أنه وقت خروجها من الحيض ، وثالثها إذا علمت أن حيضها ثلاثة ولا تعلم عدد طهرها فإنها تدع الصلاة ثلاثة أيام من أول الاستمرار ، ثم تصلي خمسة عشر يوما بالوضوء لوقت كل صلاة لتيقنها بالطهر فيه ، ثم تصلي ثلاثة بالوضوء للتردد بين الحيض والطهر ، ثم تغتسل لكل صلاة أبدا لتوهم خروجها عن الحيض كل ساعة ، وإن علمت أنها كانت تحيض في كل شهر مرة من أوله أو آخره ولا تدري العدد تتوضأ ثلاثة أيام في أول الشهر لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر ، ثم تغتسل سبعة أيام للتردد بين الثلاثة ، ثم تتوضأ إلى آخر الشهر وتغتسل مرة واحدة لتمام الشهر لجواز خروجها من الحيض ; لأن الشك في العشرة الأولى والأخيرة لا في الوسطى

وأما الثاني وهو الإضلال بالمكان فأصله أنها متى أضلت أيامها في ضعفها من العدد أو أكثر من الضعف فلا تتيقن بالحيض في شيء منه كما لو أضلت ثلاثة في ستة أو أكثر ومتى أضلت أيامها في دون ضعفها من العدد فإنها تتيقن بالحيض في شيء منه كما لو أضلت ثلاثة في خمسة فإنها تتيقن بالحيض في اليوم الثالث فإنه أول الحيض أو آخره ، فإن علمت أن أيامها كانت ثلاثة ولا تعلم موضعها من الشهر تصلي ثلاثة أيام من أول الشهر بالوضوء لوقت كل صلاة للتردد بين الحيض والطهر ، ثم تغتسل سبعة وعشرين لكل صلاة لتوهم خروجها من الحيض في كل ساعة ، وإن علمت أن أيامها أربعة توضأت في الأربعة ثم اغتسلت لكل صلاة إلى آخر العشر وكذا لو علمت أن أيامها خمسة توضأت خمسة ثم اغتسلت إلى آخر العشر ولو علمت أن أيامها ستة توضأت أربعة من أول العشر وتدع الصلاة والصوم يومين لتيقنها بالحيض فيهما لما قدمناه من الأصل ، ثم تغتسل أربعة لكل صلاة لتوهم خروجها من الحيض في كل ساعة ، وإن علمت أن أيامها سبعة صلت بالوضوء ثلاثة أيام من أولها وتدع أربعة أيام لتيقنها بالحيض فيها ، ثم تغتسل لكل صلاة ثلاثة أيام وعلى هذا القياس الثمانية والتسعة

وأما الثالث وهو الإضلال بهما كما إذا استحيضت ونسيت عدد أيامها ومكانها فإنها تتحرى ، وإن لم يكن لها رأي اغتسلت لكل صلاة على الصحيح [ ص: 221 ] وقيل لوقت كل صلاة وتصلي المكتوبات والواجبات والسنن المؤكدة ولا تصلي تطوعا كالصوم تطوعا وتقرأ القدر المفروض والواجب على الصحيح

وقيل تقتصر على المفروض وتقرأ في الركعتين الأخيرتين على الصحيح ; لأنها سنة ، وقيل : لا ، ولا تقرأ في الوتر اللهم إنا نستعينك ; لأنها سورة عند عمر وغيره يقوم مقامه ولا تقرأ شيئا من القرآن خارج الصلاة ولا تمس المصحف ولا تدخل المسجد ولو سمعت آية السجدة فسجدت في الحال لا تجب الإعادة عليها ; لأنها إن كانت طاهرة فقد صح أداؤها وإلا لم تلزمها وإن سجدت بعد ذلك أعادت بعد العشرة لاحتمال طهارتها وقت السماع وحيضها وقت السجود ، وأما قضاء الفوائت ، فإن كان عليها فوائت فقضتها فعليها إعادتها بعد عشرة أيام لاحتمال حيضها وقت القضاء وقال أبو علي الدقاق تقضيها بعد العشرة قبل أن تزيد على خمسة عشر وهو الصحيح لجواز أن يعود حيضها بعد خمسة عشر يوما .


( قوله : لكل صلاة ) عبارة التتارخانية لوقت كل صلاة استحسانا والقياس لكل ساعة وقال النجم النسفي الصحيح لكل صلاة . ( قوله : وهو ما إذا نسيت عدد أيامها ) ليس المراد عدد أيام الحيض فقط بل أيام الحيض أو الطهر أو كل منهما بدليل تقسيمه إلى الأوجه الثلاثة الآتية ، ثم إن ما ذكره هنا من قسم الإضلال بالعدد فقط لم يظهر لنا وجهه إلا في القسم الأول ولكن يحمل قوله : وعلمت أن حيضها في كل شهر مرة على أنه في أول الشهر وإلا فهو من الإضلال بهما كبقية الأوجه ولكن الظاهر أنه محمول على ما قلنا ليناسبه ما ذكره له من الحكم إذ لو حمل على أنها تعلم أن حيضها في كل شهر مرة ولا تعلم هل هو في أوله أو آخره فهي الصورة التي تأتي عند ذكر ثالث الأوجه وإن كانت لا تعلم هل هو في أوله أو آخره أو وسطه فالظاهر في حكمها ما سيذكره في القسم الثالث وهو الإضلال بهما إذ ليس ذلك القسم خاصا بما لا تعلم أنها في كل شهر مرة بل أعم بدليل ما سيذكره في مسائل صومها من أنها تارة تعلم دورها في كل شهر وتارة لا تعلم وإذا أبقينا كلامه هنا على ظاهره من أن مراده أن لا تعلم مكان حيضها من الشهر فيشكل عليه ما سيأتي في مسائل الصوم ; لأنه حكم هنا بأنها تتوضأ عشرين يوما لوقت كل صلاة لتيقنها فيها بالطهر ومقتضاه أن يصح صومها فيها وما سيأتي خلافه فتأمل وراجع [ ص: 220 ]

( قوله : ثم تصلي سبعة بالاغتسال إلخ ) أي لتردد حالها فيها بين الثلاثة . ( قوله : ثم تصلي سبعة بالغسل ) ; لأنه يتوهم في كل وقت أنه وقت خروجها من الحيض . ( قوله : ثم تتوضأ إلى آخر الشهر إلخ ) كذا في التتارخانية ولكن لم يظهر لنا وجهه بل الظاهر أن يقال ثم تتوضأ إلى آخر العشر الثاني بيقين ثم تتوضأ بعده ثلاثة أيام للتردد بين الحيض والطهر ثم تغتسل سبعة أيام للتردد بين الثلاثة وهذا كما تفعل في العشرة الأولى ; لأن الشك فيهما ولا شك في الوسطى نعم هذا ظاهر على ما في المحيط حيث فرض المسألة فيما إذا علمت أن حيضها كان عشرة في الشهر وعلمت أنه ليس في العشرة الوسطى فتصلي العشر الأول بالوضوء ثم تغتسل مرة وتصلي إلى تمام الشهر بالوضوء ثم تغتسل مرة . ( قوله : وإن علمت أن أيامها أربعة توضأت إلخ ) كذا فيما رأينا من النسخ ولعل فيها سقطا والأصل وإن علمت أن أيامها أربعة في عشرة توضأت إلخ لقوله بعده إلى آخر العشر ثم رأيت بعض الفضلاء قال : كذا في نسخ البحر التي رأيتها وهو لا يلائم سياق الكلام بعده ولعله من تحريف النساخ والظاهر في التصوير ما ذكره في كتاب مقصد الطالب في المسائل الغرائب قال : فإن قلت : إن أيامها إن كانت ثلاثة فأضلتها في العشر الأخير من الشهر ولا تدري في أي موضع من العشرة ولا رأي لها في ذلك فإنها تصلي ثلاثة أيام من أول العشر بالوضوء لكل صلاة للتردد بين الحيض والطهر ثم تصلي بعده إلى آخر العشر بالاغتسال لكل صلاة تصلي ثم تمم الكلام على المسائل نحو ما ذكره الشيخ هنا فليتأمل . ا هـ .

وهو موافق لما قلنا ، ثم رأيت في التتارخانية صرح بالعشر ( قوله كما إذا استحيضت ونسيت عدد أيامها ومكانها ) قيد بنسيانها ذلك ليكون من الإضلال بهما وإلا فالأحكام التي ذكرها تشمل ما إذا علمت عادتها في الحيض والطهر أيضا [ ص: 221 ] لما في التتارخانية فجاءت تستفتي وهي لا تعلم موضع حيضها ولا موضع طهرها وتعلم عادتها في الحيض والطهر أو لا تعلم فإنها تتحرى إلخ وسنذكر عنها حكم ما إذا علمت في مسألة الصوم .

التالي السابق


الخدمات العلمية