البحر الرائق شرح كنز الدقائق

ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

صفحة جزء
ولو صدر الإيجاب والقبول معا صح البيع كما في التتارخانية ولا يشترط أن يشتمل القبول على الخطاب بعدما صدر الإيجاب بالخطاب فلو قال بعد قوله بعتك اشتريت ، ولم يقل منك [ ص: 289 ] صح كما في فتح القدير ، ولو قال بعتكه بألف ، فقال اشتريته بألف إلى سنة أو بشرط الخيار لم يتم إلا إذا رضي في المجلس ، كذا في المجتبى ولا بد من كون القبول قبل تغير المبيع وعليه تفرع ما في الخانية لو قطعت يد الجارية بعد الإيجاب وأخذ البائع أرشها أو ولدت الجارية أو تخمر العصير ، ثم صار خلا لم يصح قبول المشتري ا هـ .

وكذا لو كان المبيع عبدين فقتل أحدهما خطأ وأخذ البائع الأرش لم يجز القبول ، كذا في الظهيرية ولا بد أن يكون قبل رد المخاطب الإيجاب فلو قال بعتك بألف ، فقال لا أقبل بل أعطته بخمسمائة ، ثم قال أخذته بألف قال أبو يوسف إن دفعه إليه فهو رضا وإلا فلا ، كذا في الخانية وقدمنا في بيان الشرائط أنه لا بد أن يكون القبول في جميع ما أوجب بجميع ما أوجبه فلم يصح القبول في البعض أو بالبعض حيث كانت الصفقة متحدة للزوم تفريق الصفقة المقتضي لعيب الشركة لا من جهة جريان العادة بضم الجيد إلى الرديء ليروج كما وقع في بعض الكتب ، فإنه لا يشمل ما إذا كان المبيع واحدا فقبل في البعض كما في الغاية ولا بد من معرفة ما يوجب اتحادها وتفريقها ، وحاصل ما ذكروه أن الموجب إذا اتحد وتعدد المخاطب لم يجز التفريق بقبول أحدهما بائعا كان الموجب أو مشتريا وعلى عكسه لم يجز القبول في حصة أحدهما ، وإن اتحدا لم يصح قبول المخاطب في البعض فلم يصح تفريقها مطلقا في الأحوال الثلاثة أعني ما إذا اتحد الموجب أو تعدد أو اتحد القابل أو تعدد لاتحاد الصفقة في الكل .

وكذا إذا اتحد العاقدان وتعدد المبيع كأن يوجب في مثليين أو قيمي ومثلي لم يجز تفريقها بالقبول في أحدهما إلا أن يرضى الآخر بذلك بعد قبوله في البعض ويكون المبيع مما ينقسم الثمن عليه بالأجزاء كعبد واحد أو مكيل أو موزون فيكون القبول إيجابا والرضا قبولا وبطل الإيجاب الأول ، فإن كان مما لا ينقسم إلا بالقيمة كثوبين وعبدين لا يجوز فلو بين ثمن كل واحد فلا يخلو إما أن يكون بلا تكرار لفظ البيع أو بتكراره ففيما إذا كرره فالاتفاق على أنه صفقتان فإذا قبل في أحدهما يصح مثل أن يقول بعتك هذين العبدين بعتك هذا بألف وبعتك هذا بألف وصوره في بعض الكتب أن يقول بعتك هذين بعتك هذا بألف ، وهذا بألفين وفيما إذا لم يكرره وفصل الثمن .

فظاهر الهداية التعدد وبه قال بعضهم ومنعه الآخرون وحملوا كلامه على ما إذا كرر لفظ البيع وقيل إن اشتراط تكرار لفظ البيع للتعدد استحسان وهو قول الإمام وعدمه قياس وهو قولهما .

ورجح في فتح القدير قولهما بقوله والوجه الاكتفاء بمجرد تفريق الثمن ; لأن الظاهر أن الفائدة ليس إلا قصده بأن يبيع منه أيهما شاء وإلا فلا كان غرضه أن لا يبيعها منه إلا جملة لم تكن فائدة لتعيين ثمن كل واحد منهما ا هـ .

واعلم أن تفصيل الثمن إنما يجعلهما عقدين على القول به إذا كان الثمن منقسما عليهما باعتبار القيمة أما إذا كان منقسما عليهما باعتبار الأجزاء كالقفيزين من جنس واحد ، فإن التفصيل لا يجعله في حكم عقدين للانقسام من غير تفصيل فلم يعتبر التفصيل كما في شرح المجمع للمصنف وهو تقييد حسن ، وإذا كانت الصفقة متحدة لم يجز التفريق في القبض أيضا فلو تعدد المبيع ونقد بعض الثمن لم يجز أن يقبض بعض المبيع ، فإن تعدد الصفقة جاز وحكم الإبراء عن البعض كالاستيفاء .

وكذا إذا أجل ثمن بعض المبيع دون البعض لم يكن له أن يقبض شيئا من المبيع حتى ينقد الحال ، وكذا لو كان للمشتري على البائع دين أقل من الثمن فالتقيا قصاصا بقدره لم يكن له أن يقبض شيئا من المبيع حتى يأخذ الباقي كما في التتارخانية .

ويتفرع أيضا ما لو حضر أحد المشتريين وغاب الآخر فنقد الحاضر حصته لم يكن له قبض شيء من المبيع حتى ينقد الغائب أو هو الجميع وقام الشريك مقام الغائب في حبس حصة الغائب حتى يدفع [ ص: 290 ] له ما عليه ، فإن هلك المبيع قبل طلب الغائب هلك أمانة فإذا حضر الغائب رجع عليه ، وإن هلك بعد طلبه وحبسه للاستيفاء هلك أمانة بثمنه فلا رجوع على الغائب ، ولو أبرأ البائع أحدهما عن حصته من الثمن أو أخره لم يكن له أن يقبض حصته من المبيع حتى ينقد الآخر .

وأما إذا تعددت الصفقة في هذه المسائل انعكست الأحكام ، كذا في التتارخانية ، ثم اعلم أن الإجارة والقسمة كالبيع لا يجوز فيهما تفريق الصفقة حتى لو أجر عبده شهرين بكذا فقبل في أحدهما لم يجز ، وكذا لو قال قاسمتك هذا الرقيق الأربعة على أن هذين لي ، وهذين لك ، فقال الآخر سلمت لك هذا ولا أسلم لك هذا الآخر لم يجز ويجوز هذا في النكاح والخلع والصلح عن دم العمد والعتق على مال ، ولو جمع بين النكاح والبيع فقيل أحدهما إن قبل النكاح جاز ، وإن قبل البيع لم يجز ، ولو جمع عتقا وطلاقا أو عتقا ونكاحا أو طلاقا ونكاحا جاز قبول أحدهما ، ولو جمع مكاتبة وعتقا وبين حصة المكاتبة جاز أيهما قبل ، وإن لم يبين لم يجز قبول الكتابة .

ولو كان لرجل على رجل دم عمد بأن قتل أخويه ، فقال لمن عليه صالحتك منهما على عشرة آلاف ، فقال رضيت عن دم فلان بخمسة آلاف صح وله أن يقتل الآخر ، ولو قال من عليه صالحتك عنهما على عشرة آلاف فقبل عن أحدهما لم يجز ، كذا في المحيط ويستثنى من قوله يلزم بإيجاب وقبول ما إذا حصلا بعد عقد فاسد لم يتركاه ، فإن البيع ليس بلازم ويتفرع عليه ما في الخانية لو اشترى ثوبا شراء فاسدا ، ثم لقيه غدا ، فقال قد بعتني ثوبك هذا بألف درهم ، فقال بلى ، فقال قد أخذته فهو باطل ، وهذا على ما كان قبله من البيع الفاسد ، فإن كانا تتاركا البيع الفاسد فهو جائز اليوم ، ولو باع عبدا من رجل بألف درهم ، وقال إن جئتني اليوم بالثمن فهو لك ، وإن لم تجئني اليوم بالثمن فلا بيع بيني وبينك فقبل المشتري ، ولم يأته بالثمن فلقيه غدا ، فقال المشتري قد بعتني عبدك هذا بألف درهم ، فقال نعم .

فقال قد أخذته فهو شراء الساعة ; لأن ذلك الشراء قد انتقض ، ولم يشبه هذا البيع الفاسد ا هـ .

مع أن البيع يفسد إذا كان فيه خيار نقد ، ولم ينقد حتى مضى الوقت حتى قالوا بفساده وعدم انفساخه حتى لو كان عبدا في يد المشتري وأعتقه صح فينبغي أن لا فرق ; لأن الفرع الثاني من أفراد البيع الفاسد وقدمنا أن البائع إذا قبل بأقل مما أوجبه المشتري صح وكان حطا ، وإن المشتري إذا قبل بأزيد صح كان زيادة إن قبلها في المجلس لزمت وشمل كلامه الإيجاب والقبول بالكتابة والرسالة .

قال في الهداية والكتاب كالخطاب ، وكذا الإرسال حتى اعتبر مجلس بلوغ الكتاب وأداء الرسالة وصورة الكتاب أن يكتب أما بعد فقد بعت عبدي فلانا منك بكذا فلما بلغه الكتاب قال في مجلسه ذلك اشتريت تم البيع بينهما وصورة الإرسال أن يرسل رسولا فيقول البائع بعت هذا من فلان الغائب بألف درهم فاذهب يا فلان فقل له فذهب الرسول فأخبره بما قال فقبل المشتري في مجلسه ذلك وفي النهاية .

وكذا هذا الجواب في الإجارة والهبة والكتابة فأما في الخلع والعتق على مال ، فإنه يتوقف شطر العقد من الزوج والمولى على قبول الآخر وراء المجلس بالإجماع بخلاف البيع والشراء ، فإنه لا يتوقف ، فإن من قال بعت عبدي هذا من فلان الغائب بكذا وبلغه الخبر فقبل لا يصح ; لأن شطر العقد لا يتوقف فيه بالإجماع فأما في النكاح فلا يتوقف الشطر عندهما خلافا لأبي يوسف ، ثم في كل موضع لا يتوقف شطر العقد ، فإنه يجوز من العاقد الرجوع عنه ولا يجوز تعليقه بالشروط ; لأنه عقد معاوضة وفي كل موضع يتوقف كالخلع لا يصح الرجوع ويصح التعليق بالشرط لكونه يمينا من جانب الزوج والمولى معاوضة من جانب الزوجة والعبد ا هـ .

وفي فتح القدير ويصح الرجوع من المكاتب والمرسل قبل الوصول سواء علم الآخر أو لم يعلم [ ص: 291 ] وفي غاية البيان معزيا إلى مبسوط شيخ الإسلام الخطاب والكتاب سواء إلا في فصل واحد وهو أنه لو كان حاضرا يخاطبها بالنكاح فلم تجب في مجلس الخطاب ، ثم أجابته في مجلس آخر ، فإن النكاح لا يصح وفي الكتاب إذا بلغها وقرأت الكتاب ، ولم تزوج نفسها منه في هذا المجلس ، ثم زوجت نفسها منه في مجلس آخر عند الشهود ، وقد سمعوا كلامها وما في الكتاب يصح ; لأن الغائب إنما صار مخاطبا لها بالكتاب وهو باق في المجلس الثاني ا هـ .

وفي الخبازية معزيا إلى المبسوط لو كتب إليه بعني بكذا ، فقال بعت تم البيع ، وقد طعنوا فيه بأنه لا ينعقد بالأمر من الحاضر فكيف بالأمر من الغائب وأجاب في المعرج بأن مراد محمد بيان الفرق بين النكاح والبيع في شرط الشهود لا بيان اللفظ أو يقال بعني من الحاضر استيام ، ومن الغائب إيجاب وفيه نوع تأمل ا هـ .

وفي النهاية معزيا إلى شرح الطحاوي ويصح الرجوع عن الرسالة علم الرسول أو لم يعلم ا هـ .

وفي وكالة البزازية والخلاصة لا يصح عزل الرسول بدون عمله ا هـ . فعلى هذا يفرق بين الرجوع والعزل .


( قوله : ولو صدر الإيجاب والقبول معا صح البيع ) عزاه في التتارخانية إلى الخلاصة قال هكذا كأن يقول والدي لكن في القهستاني وينبغي أن تكون الواو في قوله بإيجاب وقبول بمعنى الفاء ، فإنهما لو كانا معا لم ينعقد كما قالوا في السلم ا هـ .

وظاهره أنه قاس البيع على السلم ، وقد صرح في التجنيس بخصوص مسألتنا ، فقال رجل قال لآخر بعتك هذا العبد بألف درهم ، فقال الآخر قبلت ، وقال البائع رجعت وخرج الكلامان منهما معا لم يصح البيع ; لأنه قارن القبول ما يمنع صحة القبول وهو رجوع البائع ا هـ .

[ ص: 289 ] ( قوله وأخذ البائع أرشها ) قال في النهر الظاهر أن التقييد بأخذ الأرش اتفاقي ا هـ .

قلت : يؤيده ما في التتارخانية عن الظهيرية حيث قال ودفع أرش اليد إلى البائع أو لم يدفع ( قوله بل أعطيته بخمسمائة ) بحذف همزة الاستفهام وفتح تاء المخاطب [ ص: 290 ] ( قوله مع أن البيع يفسد إلخ ) أي بناء على ما صححه في الخانية أيضا من أنه لو لم ينقد في المدة يفسد ولا ينفسخ كما سيذكره المؤلف في باب خيار الشرط وحينئذ فلا منافاة بين الفرعين ; لأن الفرع الثاني مبني على مقابل الصحيح من أنه ينفسخ ولا يفسد ، ولهذا قال ; لأن ذلك الشراء قد انتقض إلخ تأمل [ ص: 291 ] ( قوله ; لأن الغائب إنما صار مخاطبا لها بالكتاب ) الذي في غاية البيان خاطبا من الخطبة وتمام العبارة بعد قوله وهو باق في المجلس الثاني فصار بقاء الكتاب في مجلسه ، وقد سمع الشهود ما في الكتاب في المجلس الثاني بمنزلة ما لو تكرر الخطاب من الحاضر في مجلس آخر فأما إذا كان حاضرا ، فإنما صار خاطبا لها بالكلام وما وجد من الكلام في المجلس الأول لا يبق إلى المجلس الثاني ، فإنما سمع الشهود في المجلس الثاني أحد شطري العقد ، وسماع الشاهد شطري العقد في مجلس واحد شرط لجواز النكاح ا هـ . .

التالي السابق


الخدمات العلمية