البحر الرائق شرح كنز الدقائق

ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

صفحة جزء
قوله ( ومن باع سيفا حليته خمسون بمائة ونقد خمسين فهي حصتها وإن لم يبين أو قال من ثمنهما ) أما إذا لم يبين فلما ذكرنا أن أمرهما يحمل على الصلاح ، وأما إذا قال خذ هذا من ثمنهما فلأن التثنية قد يراد بها الواحد منهما قال الله تعالى { نسيا حوتهما } والناسي أحدهما ، وقال تعالى { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } والمراد أحدهما وفي الحديث فأذنا وأقيما والمراد أحدهما فيحمل عليه لظاهر حالهما بالإسلام ونظيره في الفقه إذا حضتما حيضة أو ولدتما ولدا علق بأحدهما للاستحالة ، بخلاف ما إذا لم يذكر المفعول به للإمكان وقد فاته صورتان الأولى أن يبين ويقول خذ هذا نصفه من ثمن الحلية ونصفه من ثمن السيف ، الثانية أن يجعل الكل من ثمن السيف وفيهما يكون المقبوض ثمن الحلية لأنهما شيء واحد فيجعل عن الحلية لحصول مراده هكذا ذكره الشارح وفي المعراج معزيا إلى المبسوط لو قال خذ هذه الخمسين من ثمن السيف خاصة ، وقال الآخر نعم أو قال لا وتفرقا [ ص: 213 ] على ذلك انتقض البيع في الحلية ; لأن الترجيح بالاستحقاق عند المساواة في العقد أو الإضافة ولا مساواة بعد تصريح الدافع بكون المدفوع ثمن السيف خاصة والقول في ذلك قوله ; لأنه هو المملك فالقول له في بيان جهته . ا هـ .

وهكذا في العناية وفي السراج الوهاج ولو قال هذا الذي عجلته حصة السيف كان عن الحلية وجاز البيع ; لأن السيف اسم للحلية أيضا ; لأنها تدخل في بيعه تبعا ، ولو قال هذا من ثمن الجفن والنصل خاصة فسد البيع ; لأنه صرح بذلك وأزال الاحتمال فلم يمكن حمله على الصحة ا هـ .

ويمكن التوفيق بأن يحمل ما ذكره الشارح على ما إذا قال من ثمن السيف ولم يقل خاصة فيوافق ما في السراج الوهاج ، وأما ما في المبسوط وإنما قال خاصة وحينئذ كأنه قال خذ هذا عن النصل فليتأمل وسيتضح بعد ، قيد بقوله بمائة ; لأنه لو باعه بخمسين أو بأقل منها لم يجز للربا وإن باعه بفضة لم يدر وزنها لم يجز أيضا لشبهة الربا ففي ثلاثة أوجه لا يجوز البيع وفي واحد يجوز وهو ما إذا علم أن الثمن أزيد مما في الحلية ليكون ما كان قدرها مقابلا لها والباقي في مقابلة النصل هذا إذا كان الثمن من جنس الحلية فإن كان من خلاف جنسها زكى فما كان لجواز التفاصيل ولا خصوصية للحلية مع السيف والطوق مع الجارية بل المراد إذا جمع مع الصرف غيره فإن النقد لا يخرج عن كونه صرفا بانضمام غيره إليه ، وعلى هذا بيع المزركش والمطرز بالذهب أو الفضة وفي المبسوط وكان محمد بن سيرين يكره بيعه بجنسه وبه نأخذ لاحتمال الزيادة والأولى بيعه بخلاف جنسه .

قوله ( ولو افترقا بلا قبض صح في السيف دونها إن تخلص بلا ضرر وإلا بطلا ) أي بطل العقد فيهما ; لأن حصة الصرف يجب قبضها قبل الافتراق ، فإذا لم يقبضها حتى افترقا بطل فيه لفقد شرطه وكذا في السيف إن كان لا يتخلص إلا بضرر لتعذر تسليمه بدون ضرر كبيع جذع من سقف وإن كان يتخلص بدونه جاز لمقدرة على التسليم فصار كالجارية مع الطوق ، وذكر الشارح هنا ما نقلناه عن المبسوط سابقا ثم قال : قال الراجي عفو ربه : ينبغي أن تكون هذه كالمسألة المتقدمة من أنه يصرف إلى الحلية ومن أنه على التفصيل المتقدم ذكره يعني إن كانت الحلية تتخلص بغير ضرر صح في السيف خاصة وإلا بطل في الكل وفي المحيط لو قال من ثمن النصل خاصة فإن لم يمكن التمييز إلا بضرر [ ص: 214 ] يكون المنقود ثمن الصرف ويصحان جميعا ; لأنه قصد صحة البيع ولا صحة له إلا بصرف المنقود إلى الصرف فحكمنا بجوازه تصحيحا للبيع وإن أمكن تمييزها بغير ضرر بطل الصرف فعلى هذا ما ذكر في المبسوط محمول على ما إذا كانت الحلية تتخلص من غير ضرر توفيقا بينه وبين ما ذكر في المحيط ا هـ .

وفيه نظر ; لأن ما في المحيط إنما هو فيما إذا صرح بالنصل دون السيف ولا شك في عدم انصرافه إلى الحلية ; لأنه صريح كما قدمناه لكن بشرط أن يتخلص بلا ضرر وإلا صرفناها إلى الحلية وتركنا الصريح تصحيحا ; لأنه لولا ذلك بطل في الكل وما في المبسوط إنما هو فيما إذا قال خذ هذا من ثمن السيف خاصة فذكر السيف ولم يذكر النصل .

والحاصل أنه إن ذكر السيف ولم يقل خاصة صرف إلى الحلية مطلقا ، أعني سواء أمكن التمييز بلا ضرر أو لا ، وإن زاد خاصة أم لم يذكر السيف وإنما ذكر النصل لا ينصرف إليها ويصرف إلى النصل إن أمكن تخليصه بلا ضرر وإلا صرفناه إلى الحلية ، وفي البدائع إن ذكر أنه من ثمن السيف يقع عن الحلية وإن ذكر أنه من ثمن النصل ، فإن أمكن تخليصه بلا ضرر يقع عن المذكور ويبطل الصرف بالافتراق وإلا فالمنقود ثمن الصرف ويصحان . ا هـ .

وفي المغرب الحلية الزينة من الذهب أو فضة يقال حلية السيف والسرج وغيره وفي التنزيل { وتستخرجون حلية تلبسونها } أي اللؤلؤ والمرجان ا هـ .


( قوله : وفي المعراج معزيا إلى المبسوط إلخ ) أقول : وفي كافي الحاكم ، وإذا اشترى قلبا بعشرة دراهم وفيه عشرة دراهم وقبض القلب وغصبه الآخر عشرة دراهم ثم افترقا فهي قصاص بثمن القلب وإن تفرقا على غير رضا وكذلك القرض ، ولو اشترى القلب مع ثوب بعشرين درهما وقبض القلب ونقده عشرة دراهم ثم تفرقا جعلت ما نقده ثمن القلب استحسانا ولو نقده العشرة فقال هي من ثمنهما جميعا فهو مثل الأول فإن قال من ثمن الثوب خاصة ، وقال الآخر نعم أو قال لا وتفرقا على ذلك انتقض البيع في القلب ; لأن الدفع يجعلها قضاء من أيهما شاء ، وكذلك لو كان الثمن دينارا وكذلك لو اشترى سيفا محلى بمائة درهم وحليته خمسون درهما فقبض السيف ونقده خمسين [ ص: 213 ] درهما ، وقال هي من ثمن السيف أو قال من ثمن السيف والحلية أو من ثمن السيف دون الحلية ورضي بذلك القابض أو لم يرض فهو سواء والذي نقد من ثمن الحلية استحسانا . ا هـ .

وانظر ما الفرق بين قوله من ثمن الثوب خاصة وقوله من ثمن السيف دون الحلية حيث ينتقض البيع في الأول دون الثاني ، ولعل الفرق هو أن الثوب يمكن كونه مبيعا قصدا فيتعين عند التنصيص بخلاف السيف إذا كان لا يتخلص عن الحلية إلا بضرر فلو صح النص لزم فساد البيع ; ; لأنه يعتبر كبيع جذع من سقف ولكن هذا مخالف لما ذكره هنا عن المبسوط فإن قوله من ثمن السيف دون الحلية بمنزلة قوله من ثمن السيف خاصة فليتأمل ، ويؤيد ما ذكرناه من الفرق قوله في الكافي أيضا ولو باع قلب فضة فيه عشرة وثوبا بعشرين درهما فنقده عشرة ، وقال نصفها من ثمن القلب ونصفها من ثمن الثوب ثم تفرقا وقد قبض القلب والثوب انتقض البيع في نصف القلب ، وأما السيف إذا سمى فقال نصفها من ثمن الحلية ونصفها من ثمن نصل السيف ثم تفرقا لم يفسد المبيع . ا هـ .

ولذا قال الزيلعي لأنهما شيء واحد ( قوله جاز كيفما كان ) أي سواء كان المدفوع مساويا لقيمة الحلية أو لوزنها أو لا ولا لجواز التفاضل عند اختلاف الجنس ، ومقتضى هذا أنه يصرف المدفوع إلى الحلية فيكون ثمنا لها ويكون باقي الثمن وهو غير المدفوع ثمن النصل .

( قوله : وعلى هذا بيع المزركش والمطرز إلخ ) قال الرملي في حاشية المنح قال في مجمع الرواية بعد أن ذكر مسألة حلية السيف ناقلا عن المحيط وإن كان مموها جاز مطلقا ; لأن الفضة بالتمويه صارت مستهلكة ; لأنها لا تخلص بعد التمويه ولكن بقي لونها ، ألا ترى لو اشترى دارا مموها بالذهب بذهب مؤجل يجوز ولو بقي عين الذهب لوجب أن لا يجوز . ا هـ .

وأقول : المموه المطلي بالذهب أو الفضة والتمويه الطلي مأخوذ من تمويه الكلام أي تلبيسه وأقول : يجب تقييد المسألة بما إذا لم تكثر الفضة أو الذهب المموه أما إذا كثر بحيث يحصل منه شيء يدخل في الميزان بالعرض على النار يجب حينئذ اعتباره ولم أره لأصحابنا لكن رأيته للشافعية وقواعدنا شاهدة به فتأمل والله تعالى أعلم . ا هـ .

قلت : وسيأتي عند قول المتن وغالب الغش ليس في حكم الدراهم والدنانير ما هو كالصريح في ذلك فتأمل ، وفي كافي الحاكم ، وإذا اشترى لجاما مموها بفضة بدراهم أقل مما فيه أو أكثر فهو جائز ; لأن التمويه لا يخلص ، ألا ترى أنه إذا اشترى الدار المموهة بالذهب بثمن مؤجل يجوز ذلك ، وإن كان [ ص: 214 ] ما في سقوفها من التمويه بالذهب أكثر من الذهب في الثمن . ( قوله : وفيه نظر إلخ ) أقول : لا شك أن النصل أخص من السيف ; لأن السيف يطلق على الحلية ; لأنه اسم لها وللمنصل بخلاف النصل ، فإذا قال خذ هذا من ثمن النصل خاصة ولا يمكن تمييزه إلا بضرر البيع والصرف يجعل النصل عبارة عن السيف ، فإذا ذكر السيف بدل النصل يصح البيع والصرف بالأولى فقول المبسوط انتقض البيع في الحلية يتعين حمله على ما إذا أمكن تمييزه بلا ضرر وإلا خالفه ما في المحيط فلا بد من هذا التوفيق لدفع المنافاة بينهما وهو توفيق حسن ، نعم قول الزيلعي وإلا بطل في الكل لا يناسب هذا التوفيق لما علمته من أنه إذا كانت الحلية لا تتخلص إلا بضرر صح في الكل فكيف يحمل مسألة المبسوط على التفصيل المذكور في المتن ولعل مراده التفصيل بين ما يتميز بضرر أو بدون ضرر من غير نظر إلى حكمه تأمل .

التالي السابق


الخدمات العلمية