البحر الرائق شرح كنز الدقائق

ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

صفحة جزء
قلت ( تنبيه ) الكلام كله في شهادة الفقهاء بأصل الوقف لقولهم شهادة الفقهاء على وقفية وقف أما شهادة المستحق فيما يرجع إلى الغلة كشهادته بإجارة ونحوها لم تقبل ; لأن له حقا في المشهود به فكان متهما فكان داخلا في شهادة الشريك لشريكه فهو نظير شهادة أحد الدائنين لشريكه بدين مشترك بينهما وقد كتبت في حواشي جامع الفصولين من الفصل الثالث عشر أن شهادة شهود الأوقاف المقررين في وظائف الشهادة بما يرجع إلى الغلة غير مقبولة لما ذكرنا وكون القاضي قرره شاهدا للوقف موافقا للشرط لا يوجب قبولها فإن قلت فحينئذ لا فائدة لوظيفته ; لأن المتولي مقبول القول في الدخل والخرج بلا بيان وقد فرض أنه لا تقبل شهادته فيما يرجع إلى الغلة قلت فائدته إسقاط التهمة عن المتولي إذا شهد له الشاهد بالدخل والخرج فلا يحلفه القاضي إذا اتهمه . ا هـ .

ويقويه قولهم إن البينة تقبل لإسقاط اليمين كالمودع إذا ادعى الرد أو الهلاك فالقول له مع اليمين فإن برهن فلا يمين وإنما أطلنا في هذا الموضع لكثرة الاحتياج إليه في زماننا والفقه محتاج إليه كله ولا يمله أهل التحصيل ولم يذكر المؤلف شهادة الأجير والتلميذ وحاصل ما ذكره شارحو الهداية أن شهادة التلميذ لأستاذه لا تقبل وفسروه بمن يعد ضرر أستاذه ضرره ونفعه نفعه وفسره في الخلاصة بالذي يأكل مع عياله في بيته وليس له أجرة خاصة ، وأما الأجير فإن كان خاصا لم تقبل وإلا قبلت وفي المحيط ادعى دارا فشهد له من استأجره للبناء تقبل ولو شهد له بها من استأجره لهدمها لا ا هـ .

ولم يذكر شهادة الدائن لمديونه [ ص: 85 ] وفي الهداية أنها مقبولة وإن كان مفلسا وفي المحيط لا تقبل بدين له بعد موته وهنا مسائل أخرى : الأولىثلاثة قتلوا رجلا فشهد اثنان منهم على أن الولي عفا عن الثالث تقبل عند محمد لا عند أبي يوسف . الثانية ثلاثة عليهم دين شهد اثنان منهم على الدائن بإبراء الثالث فعلى الخلاف إن كانا لم يقبضا وإلا فلا اتفاقا . الثالثة شهد اثنان من الورثة على الباقي بأن هذا ابن الميت تقبل . الرابعة شهد الكفيلان بالعهدة على البائع بأنه قبض الثمن أو أبرأ المشتري منه لم تقبل كما في الخانية واعلم أن في مسألة الشهادة بالعفو لو شهدوا أنه عفا عنا قال الحسن تقبل إذا قال اثنان منهم عفا عنا وعن هذا الواحد فتقبل في حق الكل وقال أبو يوسف تقبل في حق الواحد وهي في الخانية ونظير هذه ما في الخانية أيضا لو قال إن دخل داري أحد فعبدي حر فشهد ثلاثة أنهم دخلوها قال أبو يوسف إن قالوا دخلناها جميعا لا تقبل وإن قالوا دخلنا ودخل هذا تقبل وسأل الحسن ابن أبي يوسف عنها فقال إن شهد ثلاثة بأنا دخلناها جميعا تقبل وإن شهد اثنان لا تقبل فقال له الحسن أصبت وخالفت أباك ا هـ .


( قوله قلت تنبيه الكلام كله إلخ ) قال الرملي أقول : تنبيه أحسن الكلام كله أيضا عند عدم التهمة فلو حصلت تهمة لا يقبل أحد ممن ذكر قال ابن الشحنة في شرح الوهبانية وعنه من يتكلم في أحاديث الرعية وقسم النوائب والضرائب لا تقبل شهادته وكتب بعض الأفاضل أي شهادة الرعية له للتهمة ثم قال عنه يعني نجم الأئمة تقبل شهادة المزارع لرب الأرض ثم رجع وقال لا تقبل لفساد الزمان وعن شرف الأئمة الإسفيدري لا تقبل شهادة الرعية لوكيل الرعية والشحنة والريس والعامل لجهلهم وميلهم خوفا منه وكذا شهادة المزارع ا هـ .

فهو صريح في عدم جواز شهادة من ذكر للتهمة وفساد الزمان وهذا الذي يجب أن يعول عليه في زماننا فتدبر وبه يعلم أن شهادة الفلاحين لشيخ قريتهم وشهادتهم للقسام الذي يقسم عليهم وشهادة الرعية لحاكمهم وعاملهم ومن له نوع ولاية عليهم لا تجوز ( قوله ولم يذكر شهادة الدائن لمديونه إلخ ) في فتاوى العلامة التمرتاشي تقبل شهادة رب الدين لمديونه حال حياته إذا لم يكن مفلسا قولا واحدا واختلف فيما إذا شهد له في حال كونه مفلسا ففي المحيط لا تقبل وشمس الأئمة الحلواني والد صاحب المحيط قال تقبل [ ص: 85 ] وأما إذا شهد له بعد الموت فلا تقبل قولا واحدا لتعلق حقه بالتركة كالموصى له كذا في شرح الوهبانية . ا هـ .

( قوله قال الحسن تقبل إذا قال اثنان منهم عفا عنا وعن هذا الواحد فتقبل ) إن كان المراد أن القائل اثنان فقط كما هو المتبادر من ظاهر العبارة فالظاهر أن القبول في حق سقوط القود عن الكل وعليه فتجب الدية على الشاهدين فقط وإن كان المراد أن كل اثنين قالا ذلك أو كل واحد قال ذلك فتسقط الدية عن الكل وانظر ما وجه قول أبي يوسف هذا وقد جعل المسألة في الأشباه مستثناة من قاعدة لا تقبل شهادة الإنسان لنفسه فقال محشيها الحموي تبعا للرملي لا يصح استثناء هذه المسألة من الضابط المذكور ; لأنه ليس فيها قبول شهادة الإنسان لنفسه ولا على قول الحسن بل إنما قبلت على قوله في الوجه المذكور ; لأنها شهادة الاثنين كل منهم على عفو الولي عن الثالث ، وأما شهادة كل لنفسه فلا قائل بها والوجه في ذلك أن شهادة الاثنين للآخر لا تهمة فيها لعدم الاشتراك لوجوب القتل على كل واحد منهم كملا فلم تجر منفعة فهي كشهادة غريمين لغريمين فتأمل ا هـ .

وفي حاشيتها للكفيري قال أبو حنيفة تقبل في حق الواحد ويسقط القصاص عن الاثنين ويلزمهما بقية الدية وذلك ; لأن الشهادة ليست لأنفسهما وقال الحسن تقبل في حق الكل وذلك لما فيه من اعتبار أن كل اثنين تكون شهادتهما لغيرهما وإذا فرض ذلك فتحصل الشهادة في المعنى لكل من الاثنين للآخر فتقبل شهادة الكل ا هـ .

نقله بعض الفضلاء وعلى هذا التقرير يصح الاستثناء ; لأن فيه قبول شهادة الإنسان لنفسه فتأمل .

التالي السابق


الخدمات العلمية