البحر الرائق شرح كنز الدقائق

ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

صفحة جزء
قال رحمه الله ( وإن سمى نوعا ، وقدرا ككر بر له حمل مثله وأخف لا أضر كالملح ) يعني لو سمى النوع والقدر فله أن يحمل على الدابة ما هو مثله وأخف كما لو استأجر ليحمل هذه الحنطة وهي قدر معلوم فحمل مثل قدرها وما هو أخف منه كالشعير والسمسم وليس له أن يحمل عليها ما هو أضر منه كالملح ; لأن الرضا بالشيء يكون رضا بما هو مثله أو دونه عادة لا بما هو أضر منه ; لأنه لا فائدة في إجازة كر حنطة ومنع كر شعير ، بل الشعير أخف منه فكان أولى بالجواز حتى لو سمى قدرا من الحنطة فحمل عليها من الشعير مثله وزنا ضمن ; لأن الشعير يأخذ من ظهر الدابة أكثر ما تأخذ الحنطة فصار كما لو حمل عليها قربة ماء أو حطب ، كذا في النهاية ، وقال شيخ الإسلام في شرحه لا يضمن استحسانا .

وقال وهو الأصح ; لأن ضرر الشعير عند استوائهما في الوزن أخف من ضرر الحنطة ; لأنه يأخذ من ظهر الدابة أكثر مما تأخذ الحنطة فكان أخف عليها بالانبساط وبه كان يفتي الصدر الشهيد ، ولو حمل عليها مثل وزنه حديدا أو ملحا يضمن ; لأنه يجتمع في مكان واحد من ظهر الدابة فيضر بها أكثر ، وكذا لا يضمن إذا حمل عليها مثل وزنها قطنا ; لأنه يأخذ من ظهر الدابة أكثر وفيه حرارة [ ص: 15 ] وما ذكرناه وجه الاستحسان والقياس أنه يضمن في الشعير ونحوه .

والحاصل أن الشيئين متى كان في كل واحد منهما ضرر فوق ضرر الآخر من وجه لا يستفاد من الإذن في أحدهما الإذن في الآخر وإن كان هو أخف ضررا من وجه آخر وفي الأصل إذا تكارى من رجل إبلا مسماة بغير عينها إلى مكة فالإجارة جائزة قال شيخ الإسلام ليس تفسير المسألة ما ذكرنا ، بل تفسيرها استأجر المكاري على الحمل فالمقصود عليه الحمل في ذمة المكاري وأنه معلوم والإبل آلة ، وجهالة الآلة لا توجب فساد الإجارة كما في الخياط والقصار وما أشبهه .

واستدل على تفسير المسألة بما ذكر أنه لو استأجر عبدا للخدمة لا بعينه لا يجوز قال الصدر الشهيد ونحن نفتي بالجواز كما ذكر في الكتاب من غير تأويل ، وفي الذخيرة استأجر دابة إلى كذا ودفع له الدابة لا يجبر رب الدابة أن يرسل غلامه معها قال محمد يؤمر بأن يرسل غلامه معها ، قال شيخ الإسلام إن شاء ; لأنه لا يجبر عليه وفي الصيرفية استأجر دابة بعينها للحمل فحمل المكاري على غيرها لا يستحق الأجرة ويكون متبرعا وفي الفتاوى تكارى دابة إلى موضع معلوم بأربعة دراهم على أن يرجع في يومه فلم يرجع إلى خمسة أيام قال يجب درهمان أجرة الذهاب ; لأنه مخالف في الرجوع ، ولو استأجر دابة إلى مكة فهو على الذهاب وفي الغاية على الذهاب والرجوع وفي فتاوى هو استأجر دابة ليحمل عليها مائة من الحنطة فمرضت فلم تطق إلا خمسين فحمل عليها هل يرجع على المكاري بحصة ذلك قال القاضي بديع الدين لا يرجع ; لأنه رضي بذلك وفي جامع الفتاوى استأجر دابة يوما وانتفع بها فأمسكها ، وقد ورم بطنها أو اعتلت فتركت في الدار الذي هو فيها فماتت غرم ، وفي العتابية تكارى قوم مشاة إبلا على أن المكاري يحمل من مرض منهم أو من أعيا منهم فالإجارة فاسدة وفي الأصل ولو شرطوا عليه أن يركب واحد منهم فيه ، ثم يركب الآخر وهكذا فذلك جائز وفي الخلاصة تكارى على دخول عشرين يوما إلى موضع كذا فما دخل إلا في خمسة وعشرين يوما قال يحط عنه من الأجرة بحساب ذلك ويستقيم على قول أبي يوسف ومحمد . ا هـ .

وفي الخلاصة رجل اكترى إبلا للحج ، ثم اختلفوا في وقت الخروج فالقول في ذلك قول من يريد الخروج في الوقت المعروف للخروج . ا هـ .

وفي المحيط تكارى دابة بغير عينها إلى موضع كذا لم يجز ; لأن هذا عقد واحد والمعقود عليه في كل مجهول جهالة تؤدي إلى النزاع استأجر دابة إلى موضع كذا وضعفت قبل الوصول فعليه أن يأتي بغيرها ; لأن العقد لا ينفسخ في هذه الحالة وإن كانت بعينها ، فليس عليه أن يأتي بغيرها فيفسخ العقد ، ولو استأجر رجل دابتين بعشرة صفقة واحدة ليحمل عليها عشرين قفيزا فحمل على كل دابة عشرة يقسم الأجر على أجر مثل كل دابة ا هـ .

التالي السابق


الخدمات العلمية