البحر الرائق شرح كنز الدقائق

ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

صفحة جزء
( قوله وكبر بلا مد وركع ) لما في الصحيحين عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ، ثم يكبر حين يركع ، ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ، ثم يقول ، وهو قائم ربنا ولك الحمد ، ثم يكبر حين يهوي ساجدا ، ثم يكبر حين يرفع رأسه ، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس } معنى قوله بلا مد : حذفه من غير تطويل ، وهو معنى ما ورد التكبير جزم به وحاصله الإمساك عن إشباع الحركة والتعمق فيها والإضراب عن الهمزة المفرطة والمد الفاحش ، وفي المبسوط لو مد ألف " الله " لا يصير شارعا وخيف عليه الكفر إن كان قاصدا ، وكذا لو مد ألف " أكبر " أو باءه لا يصير شارعا ; لأن أكبار جمع كبر ، وهو الطبل وقيل اسم للشيطان ، ولو مد هاء " الله " فهو خطأ لغة ، وكذا لو مد راءه ومد لام " الله " صواب وجزم الهاء خطأ ; لأنه لم يجئ إلا في ضرورة الشعر ، وقد بحث الأكمل في العناية في قولهم إنه إذا مد الهمزة من " الله " تفسد ويكفر إن تعمده للشك بأن الهمزة يجوز أن تكون للتقرير فلا يكون هناك لا كفر ولا فساد ا هـ .

وفيه نظر ; لأن ابن هشام في المغني قال : والرابع التقرير ومعناه حملك المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده ثبوته أو نفيه ويجب أن يليها الشيء الذي يقرر به تقول في التقرير بالفعل أضربت زيدا أو بالفاعل أأنت ضربت زيدا أو بالمفعول أزيدا ضربت كما يجب ذلك في المستفهم عنه ا هـ .

وليس " الله أكبر " من هذا القبيل إذ ليس هنا مخاطب كما لا يخفى [ ص: 333 ] لكن ذكر في المطول أن التقرير يقال على التحقق والثبوت ويقال على حملك المخاطب . . . إلى آخره ، ولعل الأكمل أراد المعنى الأول ، وقد تبع المصنف القدوري في التعبير بالواو ، وفي قوله وركع المحتمل للمقارنة وضدها ، وفي بعض الروايات يكبر ، ثم يهوي وعبارة الجامع الصغير ويكبر مع الانحطاط .

قالوا وهو الأصح لئلا تخلو حالة الانحناء عن الذكر ولما قدمناه من حديث الصحيحين ، وقال بعضهم يسنالتكبير عند الخرور وابتداؤه عند أول الخرور وفراغه عند الاستواء كذا في الخلاصة وليس هو موافقا لما في الجامع ; لأنه لا يلزم منه أن يكون فراغه عند الاستواء ، وفي الخلاصة يركع حين يفرغ من القراءة ، وهو منتصب يصلي هذا هو المذهب الصحيح ا هـ .

واحترز به عما حكاه في منية المصلي عن بعضهم أنه إذا أتم القراءة حالة الخرور لا بأس أن يكون ما بقي من القراءة حرفا أو كلمة لكن ذكر في المكروهات أن منها أن يتم القراءة في الركوع .


( قوله وفي المبسوط لو مد ألف " الله " إلخ ) اعلم أن المد لا يخلو إما أن يكون في " الله " أو في " أكبر " ، وإن كان في " الله " فلا يخلو أن يكون في أوله أو في وسطه أو في آخره ، فإن كان في أوله فهو مفسد للصلاة ولا يصير شارعا به ، وإن كان لا يميز بينهما لا يكفر لأن الإكفار بناء على أنه شاك في مضمون هذه الجملة فحيث كان جازما فلا إكفار ، وإن كان في وسطه فهو صواب إلا أنه لا يبالغ فيه ، فإن بالغ حتى حدث من إشباعه ألف بين اللام والهاء فهو مكروه ، قيل والمختار أنها لا تفسد وليس ببعيد ، وإن كان في آخره فهو خطأ ولا تفسد أيضا وعلى قياس عدم الفساد فيهما يصح الشروع بهما ، وإن كان المد في " أكبر " فإن كان في أوله فهو خطأ مفسد للصلاة وهل يكفر إذا تعمده ؟ قيل نعم للشك وقيل لا ، ولا ينبغي أن يختلف في أنه لا يصح الشروع به ، وإن كان في وسطه حتى صار " أكبار " لا يصير شارعا ، وإن قال في خلال الصلاة تفسد ، وفي زلة القارئ للصدر الشهيد يصير شارعا لكن ينبغي أن يكون هذا مقيدا بما إذا لم يقصد به المخالفة كما نبه عليه محمد بن مقاتل ، وإن كان في آخره فقد قيل تفسد صلاته وقياسه أن لا يصح الشروع به أيضا كذا في شرح الأستاذ على الهداية عن شرح المنية لابن أمير حاج

( قوله وخيف عليه الكفر إن كان قاصدا ) قال بعض الفضلاء الظاهر أن مجرد قصد مد الهمزة لا يوجب كفرا بل إذا قصد المعنى ، وهو الاستفهام المقتضي سبق الشك ا هـ .

تقدم نظيره عن شرح المنية ، وفي شرح المعراج بعدما نقل عن الخلاصة ولو مد ألف " أكبر " تكلموا في كفره ولا تجوز صلاته ما نصه : لأنه إن لزم الكفر فظاهر وإلا كان كلاما فيه احتمال الكفر فيخشى عليه الكفر ، وهو خطأ أيضا شرعا لأن الهمزة إذا دخلت على كلام منفي كما في قوله تعالى { ألم نشرح } تكون للتقرير لا في كلام مثبت ظاهر كذا قيل وأيضا أفعل التفضيل لا يحتمل المد ا هـ .

قال في النهر : ولا يخفى عليك ضعف هذا القيل إذ لا يشترط في التقرير دخوله على منفي لما أنه حمل المخاطب على الإقرار بأمر قد استقر عنده ثبوته أو نفيه بل أغلب أحواله دخوله على المثبت ولذا أولو التقرير في { ألم نشرح } بما بعد النفي والهمزة فيها ليست في التحقيق إلا للإنكار الإبطالي ، وإنكار النفي نفي له ونفي النفي إثبات ومثله قوله تعالى { أليس الله بكاف عبده }

( قوله أو باءه ) قال في النهر ، وفي القنية لا تفسد لأنه إشباع ، وهو لغة قوم ، واستبعده الشارح بأنه لا يجوز إلا في الشعر وقيل هو جمع كبير ، وفي المبتغى لا تفسد وقيل تفسد قال الحلبي فظاهره ترجيح عدم الفساد وعليه يتخرج صحة الشروع به ويوافقه ما في الخلاصة معزيا إلى زلة القارئ للشهيد لو قال " الله أكبار " يصير شارعا قلت : لكن ينبغي أن يقيد بما إذا لم يقصد المخالفة ا هـ .

أقول : إذا كان جمعا للكبير فلا أثر لإرادته المخالفة في اللفظ فقط [ ص: 333 ] ( قوله ولعل الأكمل أراد المعنى الأول ) قال في النهر ولا يخفى أنه يجوز أن يكون فرضا ا هـ .

يعني يجوز أن يكون على تنزيل مخاطب يحمله على الإقرار ، ثم قال في النهر بعد ذكره حاصل ما مر : وبهذا التقرير ظهر لك أن ما قاله ابن أمير حاج من أنه لا ينبغي أن يختلف في عدم صحة الشروع به مبني على أن الاستفهام حقيقي ومقتضى كونه تقريرا أن يصح ( قوله وليس هو موافقا لما في الجامع ) أي ليس موافقا في اللفظ من حيث الإطلاق والتقييد وليس المراد المنافاة لاحتمال أن يكون ذلك مراد الجامع إذ ليس في كلامه ما يصرفه عن ذلك

التالي السابق


الخدمات العلمية