صفحة جزء
[ ص: 201 ] 60 - باب

إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج ولم يصل

668 700 - حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : ثنا شعبة ، عن عمرو ، عن جابر بن عبد الله ، أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يرجع فيؤم قومه .

669 701 حدثني محمد بن بشار ، ثنا غندر ، ثنا شعبة ، عن عمرو ، سمعت جابر بن عبد الله قال : كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يرجع فيؤم قومه ، فيصلي العشاء ، فقرأ بالبقرة فانصرف رجل ، فكأن معاذا تناول منه ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( فتان ) - ثلاث مرار - أو قال : ( فاتن ) - ثلاث مرار - ، وأمره بسورتين من أوسط المفصل .

قال عمرو : لا أحفظهما .


خرجه عاليا مختصرا ، ثم خرجه بتمامه نازلا ، وفي سياقه موضع الاستدلال به على ما بوب عليه ، وهو انصراف الرجل لما قرأ معاذ بسورة البقرة .

وفيه : دليل على أن الصحابة لم يكن من عادتهم قراءة بعض سورة في الفرض ؛ فإن معاذا لما افتتح سورة البقرة علم الرجل أنه يكملها في صلاته ، فلذلك انصرف .

وقد خرجه مسلم من حديث سفيان - هو : ابن عيينة - ، عن عمرو ، عن جابر ، وقال في حديثه : فافتتح بسورة البقرة ، فانحرف رجل فسلم ، ثم صلى وحده وانصرف ، فقالوا له : أنافقت يا فلان ؟ قال : لا ، والله ، ولآتين [ ص: 202 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنه ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : يا رسول الله ، إنا أصحاب نواضح ، نعمل بالنهار ، وإن معاذا صلى معك العشاء ، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاذ ، فقال : ( يا معاذ ، أفتان أنت ؟ ) وذكر الحديث .

ففي هذه الرواية : أنه انصرف بمجرد افتتاح معاذ للبقرة .

وفيها : أنه سلم ثم صلى وحده وانصرف ، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك .

وذكر البيهقي في ( كتاب المعرفة ) : أن هذه الزيادة - يعني : سلام الرجل - تفرد بها محمد بن عباد ، عن سفيان ، قال : لا أدري هل حفظها عن سفيان ، أم لا ؛ لكثرة من رواه عن سفيان بدونها ؟

وقد خرجه النسائي من طريق سفيان - أيضا - وزاد فيه بعد قوله : ( فاستفتح بسورة البقرة ) : ( فلما سمعت ذلك تأخرت فصليت ) .

وخرجه - أيضا - من طريق الأعمش ، عن محارب بن دثار وأبي صالح ، عن جابر ، وفي حديثه : أن معاذا ذكر أمر الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( ما حملك على الذي صنعت ؟ ) فقال : يا رسول الله ، عملت على ناضح من النهار ، فجئت وقد أقيمت الصلاة ، فدخلت المسجد فدخلت معه في الصلاة ، وقرأ سورة كذا وكذا وطول ، فانصرفت فصليت في ناحية المسجد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفتان يا معاذ ؟ ) .

فيستدل بهذا : على أن الإمام إذا طول على المأموم وشق عليه إتمام الصلاة معه ؛ لتعبه أو غلبة النعاس عليه أن له أن يقطع صلاته معه ، ويكون ذلك عذرا في قطع الصلاة المفروضة ، وفي سقوط الجماعة في هذه الحال ، وأنه يجوز أن [ ص: 203 ] يصلي لنفسه منفردا في المسجد ثم يذهب ، وإن كان الإمام يصلي فيه بالناس .

قال سفيان : إذا خشي على غنمه الذئب ، أو على دابته أن تؤخذ ، أو على صبيه أن يأكله الذئب ، فلا بأس أن يقطع صلاته ويذهب إليه .

وقال الحسن وقتادة ، في رجل كان يصلي فأشفق أن تذهب دابته ، أو أغار عليها السبع ؟ قالا : ينصرف ، قيل لقتادة : يرى سارقا يريد أن يأخذ نعليه ؟ قال : ينصرف .

ولو طول الإمام تطويلا فاحشا ، أو حدث للمأموم عذر ، مثل حدوث مرض ، أو سماع حريق وقع في داره ، أو خاف فساد طعام له على النار ، أو ذهاب دابة له على باب المسجد ونحو ذلك ، فنوى مفارقة إمامه ، وأتم صلاته منفردا وانصرف ، جاز ذلك عند أصحابنا - أيضا - ، وحكوه عن الشافعي وأبي يوسف ومحمد .

وعن مالك وأبي حنيفة : تبطل صلاته بذلك .

واستدل أصحابنا بما روى الإمام أحمد في ( مسنده ) : حدثنا إسماعيل - هو : ابن علية - ، ثنا عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، قال : كان معاذ بن جبل يؤم قومه ، فدخل حرام وهو يريد أن يسقي نخله ، فدخل المسجد مع القوم ، فلما رأى معاذا طول تجوز في صلاته ولحق بنخله يسقيه ، فلما قضى معاذ الصلاة قيل له : إن حراما دخل المسجد ، فلما رآك طولت تجوز في صلاته ولحق نخله يسقيه ، قال : إنه لمنافق ، أيعجل عن الصلاة من أجل سقي نخله ؟ قال : فجاء حرام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ عنده ، فقال : يا نبي الله ؛ إني أردت أن أسقي نخلا لي ، فدخلت المسجد لأصلي مع القوم ، فلما طول [ ص: 204 ] تجوزت في صلاتي ولحقت بنخلي أسقيه ، فزعم أني منافق ، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ ، فقال : ( أفتان أنت ؟ لا تطول بهم ، اقرأ ب : سبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها ونحوهما ) .

وخرج - أيضا - من طريق حسين بن واقد ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، أن معاذ بن جبل صلى بأصحابه العشاء ، فقرأ فيها : اقتربت الساعة فقام رجل من قبل أن يفرغ ، فصلى وذهب ، فقال له معاذ قولا شديدا ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم واعتذر إليه ، وقال : إني كنت أعمل في نخل ، وخفت على الماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني لمعاذ - : ( صل بالشمس وضحاها ونحوها من السور ) .

وروى محمد بن عجلان ، عن عبيد الله بن مقسم ، عن جابر ، هذه القصة بطولها ، وفيها : فصلى خلفه فتى من قومه ، فلما طال على الفتى صلى وخرج ، وفي هذا الحديث : أن معاذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما صنع الفتى ، فقال : يا رسول الله ، يطيل المكث عندك ، ثم يرجع فيطول علينا ، فقال : ( أفتان أنت يا معاذ ؟ ) وذكر الحديث .

خرجه أبو داود مختصرا لم يتمه .

وقال أصحابنا : هذه قصة أخرى غير قصة الذي سلم من صلاته وصلى لنفسه وانصرف .

وقد روي أن الرجل صلى قبل أن يجيء معاذ ، وانصرف لما أبطأ معاذ ، وأن اسمه : سليم .

وهذا يدل على أن هذه قصة أخرى غير قصة حرام .

[ ص: 205 ] فروى أسامة بن زيد : سمعت معاذ بن عبد الله بن خبيب ، قال : سمعت جابر بن عبد الله ، قال : كان معاذ يتخلف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان إذا جاء أم بقومه ، وكان رجل من بني سلمة - يقال له : سليم - يصلي مع معاذ ، فاحتبس معاذ عنهم ليلة ، فصلى سليم ثم انصرف ، وذكر الحديث ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل سليما : كيف صلى ؟ فقال : قرأت بفاتحة الكتاب وسورة ، ثم قعدت وتشهدت ، وسألت الجنة وتعوذت من النار ، وصليت على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم انصرفت ، وليس أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : ( هل أدندن أنا أو معاذ إلا لندخل الجنة ونعاذ من النار ؟ ) ثم أرسل إلى معاذ : ( لا تكن فتانا تفتن الناس ، ارجع إليهم فصل بهم قبل أن يناموا ) .

خرجه البزار .

وقد روي أن اسم الرجل حزم بن أبي كعب .

وقد خرج أبو داود حديثه مختصرا .

وهذا يستدل به على أنها وقائع متعددة .

ولم نقف في شيء من الروايات على أن الرجل قطع صلاته وخرج من المسجد ولم يصل ، كما بوب عليه البخاري ، وفي بعض النسخ : ( فخرج فصلى ) ، وهو أصح .

ولو فارق المأموم لغير عذر ، لم يجز في أصح الروايتين عن أحمد ، وهو قول أبي حنيفة ومالك ، والثانية : يجوز ، وهو قول أبي يوسف ومحمد .

وللشافعي قولان .

واستدلوا على أنه لا يجوز ، وأن الصلاة تبطل به بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما [ ص: 206 ] الإمام ليؤتم به ، فلا تختلفوا عليه ) ، ومفارقته من غير عذر من الاختلاف عليه .

وأيضا ؛ فقد سبق الاستدلال على وجوب الجماعة ، والواجب إذا ما شرع فيه لم يجز إبطاله وقطعه لغير عذر ، كأصل الصلاة . والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية