صفحة جزء
[ ص: 398 ] 93 - باب

الالتفات في الصلاة

فيه حديثان :

الأول :

718 751 - حدثنا مسدد ، ثنا أبو الأحوص ، ثنا أشعث بن سليم - هو : أبو الشعثاء - ، عن أبيه ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة ، فقال : ( هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ) .

الثاني :

719 752 - حدثنا قتيبة ، ثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام ، فقال : ( شغلتني أعلام هذه ، اذهبوا بها إلى أبي جهم ، وأتوني بأنبجانية ) .


حديث عائشة في الخميصة ، قد سبق في ( أبواب : الصلاة في الثياب ) في ( باب : إذا صلى في ثوب وله أعلام ونظر إلى علمها ) ، وسبق الكلام عليه مستوفى .

وبعده حديث أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : ( أميطي عنا قرامك ؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي ) .

وذكرنا أن في الحديثين دليلا على كراهة أن يصلي إلى ما يلهي النظر إليه ، أو لبسه في الصلاة .

[ ص: 399 ] وأما حديث عائشة الذي خرجه هاهنا في الالتفات ، فتفرد به دون مسلم ، وفي إسناده اختلاف على أشعث بن أبي الشعثاء .

فالأكثرون رووه عنه ، كما رواه عنه أبو الأحوص ، كما أسنده البخاري من طريقه .

قال الدارقطني : وهو الصحيح عنه ، عن أبيه ، عن عائشة ، لم يذكر : ( مسروقا ) في إسناده .

ورواه إسرائيل ، عن أشعث ، عن أبي عطية الهمداني ، عن مسروق ، عن عائشة .

ورواه مسعر ، عن أشعث ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عائشة ، وكلهم رفعوه .

ورواه الأعمش موقوفا ، واختلف عليه :

فرواه الأكثرون ، عنه ، عن عمارة ، عن أبي عطية ، عن عائشة موقوفا .

وقال شعبة : عن الأعمش ، عن خيثمة ، عن أبي عطية ، عن عائشة موقوفا .

ولهذا الاختلاف -والله أعلم- تركه مسلم فلم يخرجه .

وفي الالتفات أحاديث أخر متعددة ، لا تخلو أسانيدها من مقال .

ومن أجودها : ما روى الزهري ، عن أبي الأحوص ، عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت ، فإذا التفت انصرف عنه ) .

رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في ( صحيحه ) .

[ ص: 400 ] وأبو الأحوص ، قد قيل : إنه غير معروف .

وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث الحارث ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - في حديث طويل ذكره - : ( إن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا ) .

وصححه الترمذي .

وروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، سمعت أبا هريرة يقول : إذا صلى أحدكم فلا يلتفت ؛ فإنه يناجي ربه ، إن ربه أمامه ، وإنه يناجيه ، فلا يلتفت .

قال عطاء : وبلغنا أن الرب عز وجل يقول : ( يا ابن آدم ، إلى أين تلتفت ، أنا خير ممن تلتفت إليه ) .

ورواه إبراهيم بن يزيد الخوزي وعمر بن قيس المكي سندل - وهما ضعيفان - ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، مرفوعا كله .

والموقوف أصح ، قاله العقيلي وغيره .

وكذا رواه طلحة بن عمرو ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، قال : ما التفت عبد في صلاته قط إلا قال الله : ( أنا خير لك مما تلتفت إليه ) .

والأشبه أن هذا قول عطاء ، كما سبق .

وقوله : ( هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ) يعني : أن الشيطان يسترق من العبد في صلاته التفاته فيها ويختطفه منه اختطافا حتى يدخل عليه [ ص: 401 ] بذلك نقص في صلاته وخلل .

ولم يأمره بالإعادة لذلك ، فدل على أنه نقص لا يوجب الإعادة .

والالتفات نوعان :

أحدهما : التفات القلب إلى غير الصلاة ومتعلقاتها ، وهذا يخل بالخشوع فيها ، وقد سبق ذكر الخشوع في الصلاة وحكمه .

والثاني : التفات الوجه بالنظر إلى غير ما فيه مصلحة الصلاة ، والكلام هاهنا في ذلك .

وروي عن ابن مسعود ، قال : لا يقطع الصلاة إلا الالتفات .

خرجه وكيع بإسناد فيه ضعف .

وروى بإسناد جيد ، عن ابن عمر ، قال : يدعى الناس يوم القيامة المنقوصين ، قيل : وما المنقوصون ؟ قال : الذي ينقص أحدهم صلاته في وضوئه والتفاته . قال ابن المنذر - فيما يجب على الملتفت في الصلاة - :

فقالت طائفة : تنقص صلاته ، ولا إعادة .

روي عن عائشة أنها قالت : الالتفات في الصلاة نقص .

وبه قال سعيد بن جبير .

وقال عطاء : لا يقطع الالتفات الصلاة .

وبه قال مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي .

وقال الحكم : من تأمل من عن يمينه في الصلاة أو عن شماله حتى يعرفه فليس له صلاة .

[ ص: 402 ] وقال أبو ثور : إذا التفت ببدنه كله تفسد صلاته .

وروينا عن الحسن ، أنه قال : إذا استدبر القبلة استقبل ، وإن التفت عن يمينه وعن شماله مضى في صلاته .

والذي قاله الحسن حسن . انتهى .

قال ابن المنصور : قلت لأحمد : إذا التفت في الصلاة يعيد الصلاة ؟ قال : أساء ، ولا أعلم أني سمعت فيه حديثا أنه يعيد .

قال إسحاق : كما قال .

وقال أصحابنا : الالتفات الذي لا يبطل أن يلوي عنقه ، فأما إن استدار بصدره بطلت صلاته ؛ لأنه ترك استقبال القبلة بمعظم بدنه ، بخلاف ما إذا استدار بوجهه ، فإن معظم بدنه مستقبل للقبلة .

وحكوا عن المالكية ، أنه لا يبطل بالتفاته بصدره حتى يستدبر ، إلحاقا للصدر على الوجه .

فأما الالتفات لمصلحة الصلاة ، كالتفات أبي بكر لما صفق الناس خلفه وأكثروا التصفيق - وقد سبق حديثه - ، فلا ينقص الصلاة .

ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من نابه شيء في صلاته فليسبح ؛ فإنه إذا سبح التفت إليه ) .

وكذلك التفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى من صلى خلفه ، لما صلى بهم جالسا وصلوا وراءه قياما ، وقد سبق أيضا .

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يلتفت في صلاته لمصلحة غير مصلحة الصلاة :

فروى سهل بن الحنظلية ، قال : ثوب بالصلاة - يعني : صلاة الصبح - ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ، وهو يلتفت إلى الشعب .

[ ص: 403 ] خرجه أبو داود .

وقال : كان أرسل فارسا إلى الشعب من الليل يحرس .

وخرجه ابن خزيمة في ( صحيحه ) والحاكم وصححه .

وهذا فيه جمع بين الصلاة والجهاد .

ومن هذا المعنى قول عمر : إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة .

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يلحظ في صلاته .

فروى الفضل بن موسى ، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن ثور بن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلحظ يمينا وشمالا ، ولا يلوي عنقه خلف ظهره .

خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وقال : غريب ، ثم خرجه من طريق وكيع ، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن بعض أصحاب عكرمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلحظ في الصلاة ... ، فذكر نحوه .

وخرجه أبو داود في بعض نسخ ( سننه ) .

ثم خرجه من طريق رجل ، عن عكرمة ، وقال : هو أصح .

وأنكر الدارقطني وصل الحديث إنكارا شديدا ، وقال : هو مرسل .

وقد رواه - أيضا - مندل ، عن الشيباني ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى يلاحظ يمينا وشمالا .

[ ص: 404 ] خرجه ابن عدي .

ومندل ، ضعيف .

وروى الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلمح في الصلاة ، ولا يلتفت .

خرجه ابن أبي شيبة بإسناد فيه جهالة ، وهو مرسل .

وقد وصله بعضهم ، وأنكر ذلك الإمام أحمد ، وضعف إسناده ، وقال : إنما هو عن رجل ، عن سعيد .

وقد يحمل هذا - إن صح - على الالتفات لمصلحة .

وقد روي عن علي بن شيبان الحنفي ، قال : قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم وصلينا معه ، فلمح بمؤخر عينه رجلا لا يقيم صلبه في الركوع ولا في السجود ، فقال : ( لا صلاة لمن لا يقيم صلبه ) .

خرجه الإمام أحمد وابن حبان وابن ماجه .

وقد روي الالتفات في الصلاة يمينا وشمالا عن طائفة من السلف ، منهم : أنس والنخعي وعبد الله بن معقل بن مقرن .

وروى مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان لا يلتفت في صلاته حتى يقضيها .

[ ص: 405 ] وعن أبي جعفر القارئ ، قال : كنت أصلي وابن عمر ورائي ، ولا أعلم ، فالتفت ، فغمزني .

وروى حميد ، عن معاوية بن قرة ، قال : قيل لابن عمر : إن الزبير إذا صلى لم يقل هكذا ولا هكذا ، قال : لكنا نقول كذا وكذا .

وفي رواية : ونكون مثل الناس .

وقد رويت الرخصة في الالتفات في النافلة .

فخرج الترمذي في حديث علي بن زيد ، عن ابن المسيب ، عن أنس ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا بني ، إياك والالتفات في الصلاة ؛ فإن الالتفات في الصلاة هلكة ، فإن كان لا بد ففي التطوع ، لا في الفريضة ) .

وقال : حديث حسن .

وذكر في ( كتاب العلل ) : أنه ذاكر به البخاري ، فلم يعرفه ، ولم يعرف لابن المسيب عن أنس شيئا .

وقد روي عن أنس من وجوه أخر ، وقد ضعفت كلها .

وخرج الطبراني نحوه بإسناد ضعيف ، عن أبي الدرداء مرفوعا .

ولا يصح إسناده أيضا .

قال الدارقطني : إسناده مضطرب ، لا يثبت .

والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية