صفحة جزء
[ ص: 406 ] 4 - باب

من سمى النفاس حيضا

294 298 - حدثنا المكي بن إبراهيم : نا هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، أن زينب بنت أم سلمة حدثته ، أن أم سلمة حدثتها ، قالت : بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعة في خميصة إذ حضت ، فانسللت ، فأخذت ثياب حيضتي ، فقال : ( أنفست ؟ ) فقلت : نعم ، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة .


مكي بن إبراهيم أكبر شيخ للبخاري ، وهو في طبقة مالك ، ويروي عن هشام بن عروة وغيره من الأكابر .

وقد أسقط بعض الرواة من إسناد هذا الحديث ( زينب بنت أبي سلمة ) ، وجعله عن أبي سلمة ، عن أم سلمة ، والصواب ذكر ( زينب ) فيه .

وقد تقدم حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي في الحج وهي تبكي ، فقال : ( ما لك ؟ أنفست ؟ ) قالت : نعم .

ظاهر حديث أم سلمة وعائشة يدل على أن الحيض يسمى نفاسا . وقد بوب البخاري على عكس ذلك ، وأن النفاس يسمى حيضا ، وكأن مراده : إذا سمي الحيض نفاسا فقد ثبت لأحدهما اسم الآخر ، فيسمى كل واحد منهما باسم الآخر ، ويثبت لأحدهما أحكام الآخر .

ولا شك أن النفاس يمنع ما يمنع منه الحيض ، ويوجب ما يوجب الحيض إلا في الاعتداد به ; فإنها لا تعتد به المطلقة قرءا ، ولا تستبرأ به الأمة .

[ ص: 407 ] وقد حكى ابن جرير وغيره الإجماع على أن حكم النفساء حكم الحائض في الجملة .

وقد اعتمد ابن حزم على هذا الحديث في أن الحائض والنفاس مدتهما واحدة ، وأن أكثر النفاس كأكثر الحيض . وهو قول لم يسبق إليه ، ولو كان هذا الاستنباط حقا لما خفي على أئمة الإسلام كلهم إلى زمنه .

وقريب من هذا ما نقل حرب في ( مسائله ) ، قال : قلت لإسحاق : رجل قال لامرأته : إذا حضت فأنت طالق ، فولدت ، هل يكون دم النفاس حيضا ؟ قال : تطلق ; لأن دم النفاس حيض ، إلا أن يقصد حين يحلف قصد الحيض . وذكر حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في الحج : ( ما لك ؟ أنفست ؟ ) انتهى .

وهذا يرده أنه لو كان دم النفاس حيضا لاعتدت به المطلقة قرءا ، ولا قائل بذلك ، بل قد حكى أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما الإجماع على خلافه .

وقوله صلى الله عليه وسلم : ( أنفست ؟ ) قال القرطبي : قيدناه بضم النون وبفتحها ، قال الهروي وغيره : نفست المرأة ونفست إذا ولدت ، يعني : بالوجهين : فتح النون وضمها . قال : وإذا حاضت [قيل] : نفست بفتح النون لا غير . فعلى هذا يكون ضم النون هنا خطأ ; فإن المراد به الحيض قطعا ، لكن حكى أبو حاتم عن الأصمعي الوجهين في الحيض والولادة ، وذكر ذلك غير واحد .

فعلى هذا تصح الروايتان ، وأصل ذلك كله من خروج الدم ، وهو المسمى نفسا . انتهى .

[ ص: 408 ] وقال الخطابي : ترجم أبو عبد الله هذا الباب بقوله : ( من سمى النفاس حيضا ) ، والذي ظنه من ذلك وهم . قال : وأصل هذه الكلمة من النفس ، وهو الدم ، إلا أنهم فرقوا بين بناء الفعل من الحيض والنفاس ، فقالوا : نفست المرأة بفتح النون وكسر الفاء - إذا حاضت ، ونفست بضم النون وكسر الفاء ، على وزن الفعل المجهول ، فهي نفساء - إذا ولدت . انتهى .

ومراده أن الرواية في هذا الحديث هي بفتح النون ليس إلا ، وأن ذلك لا يراد به إلا الحيض .

وعلى ما ذكره القرطبي أن الرواية في الحديث جاءت بوجهين ، وأن الأصمعي حكى في الحيض والولادة وجهين - لا يحكم على البخاري بالوهم .

ثم قال الخطابي : الحيضة بكسر الحاء التحيض ، كالقعدة والجلسة ، أي : الحالة التي تلزمها الحائض من اجتناب الأمور وتوقيها . يشير إلى قول أم سلمة : ( فأخذت ثياب حيضتي ) ، أنها بكسر الحاء .

وأنكر غيره ذلك ، وقال : إنما الرواية بفتح الحاء ، والمراد ثياب الحيض .

قال الخطابي : والخميصة : كساء أسود ، وربما كان له علم ، أو فيه خطوط . والخميلة : ثوب من صوف له خمل .

وروى ابن لهيعة : نا يزيد بن أبي حبيب ، عن موسى بن سعد بن زيد بن ثابت ، عن خبيب بن عبد الله بن الزبير ، عن عائشة ، قالت : طرقتني الحيضة من الليل وأنا إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتأخرت ، فقال : ( ما لك ؟ أنفست ؟ ) [ ص: 409 ] قلت : لا ، ولكن حضت ، قال : ( فشدي عليك إزارك ، ثم عودي ) . خرجه الإمام أحمد . وهو غريب جدا .

التالي السابق


الخدمات العلمية