صفحة جزء
[ ص: 7 ] بسم الله الرحمن الرحيم

7

كتاب التيمم

1 - باب

قول الله عز وجل: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم

خرج فيه حديثين:

الحديث الأول:

قال:

327 334 - ثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء. فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء قالت عائشة: [ ص: 8 ] فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فنام حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد تحته .


قيل: إن الرواية هنا: " فقام حتى أصبح ". ورواه في " التفسير " بلفظ: " فنام حتى أصبح " وهو لفظ مسلم ، وكذا في "الموطأ".

هذا السياق سياق عبد الرحمن بن القاسم لهذا الحديث عن أبيه، عن عائشة . وقد رواه هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة فخالف في بعض ألفاظه ومعانيه مما لا يضر. وقد خرجه البخاري في موضع آخر وفي بعض ألفاظه اختلاف على عروة أيضا.

ومما خالف فيه: أنه ذكر أن عائشة استعارت قلادة من أسماء فسقطت، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رجلين في طلبها وليس معهما ماء فنزلت آية التيمم .

وفي رواية: أنهما صليا بغير وضوء.

وهذا يمكن الجمع بينه وبين حديث القاسم عن عائشة : بأن القلادة لما [ ص: 9 ] سقطت ظنوا أنها سقطت في المنزل الماضي، فأرسلوا في طلبها وأقاموا في منزلهم وباتوا فيه، وفقد الجميع الماء حتى تعذر عليهم الوضوء.

وفي حديث هشام : أن ذلك كان ليلة الأبواء. وفي رواية عنه: أن ذلك المكان كان يقال له: الصلصل.

وروى ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه، عن عائشة ، قالت: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بتربان - بلد بينه وبين المدينة بريد وأميال، وهو بلد لا ماء به - وذلك من السحر، انسلت قلادة لي من عنقي فوقعت - وذكر بقية الحديث.

خرجه الإمام أحمد .

وقد روي هذا الحديث من حديث عمار بن ياسر - أيضا - أن النبي صلى الله عليه وسلم عرس بأولات الجيش ومعه عائشة ، فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر ، وقال: حبست الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فتيمم المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - وذكر الحديث.

خرجه الإمام أحمد وأبو داود - وهذا لفظه - والنسائي وابن ماجه ، وفي إسناده اختلاف.

والآية التي نزلت بسبب هذه القصة كانت آية المائدة ; فإن البخاري خرج هذا الحديث في "التفسير" من "كتابه" هذا من حديث ابن وهب ، عن عمرو ، [ ص: 10 ] عن عبد الرحمن بن القاسم ، وقال في حديثه: فنزلت: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم هذه الآية.

وهذا السفر الذي سقط فيه قلادة عائشة أو عقدها كان لغزوة المريسيع إلى بني المصطلق من خزاعة سنة ست، وقيل: سنة خمس، وهو الذي ذكره ابن سعد عن جماعة من العلماء، قالوا: وفي هذه الغزوة كان حديث الإفك.

وقد ذكر الشافعي : أن قصة التيمم كانت في غزوة بني المصطلق، وقال: أخبرني بذلك عدد من قريش من أهل العلم بالمغازي وغيرهم.

فإن قيل: فقد ذكر غير واحد، منهم: ابن عبد البر : أنه يحتمل أن يكون الذي نزل بسبب قصة عائشة الآية التي في سورة النساء ; فإنها نزلت قبل سورة المائدة بيقين، وسورة المائدة من أواخر ما نزل من القرآن، حتى قيل: إنها نزلت كلها أو غالبها في حجة الوداع، وآية النساء نزولها متقدم.

وفي صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص أنها نزلت فيه لما ضربه رجل قد سكر بلحي بعير، ففزر أنفه.

وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه ، عن علي ، أن رجلا صلى وقد شرب الخمر، فخلط في قراءته، فنزلت آية النساء.

فقد تبين بهذا: أن الآية التي في سورة النساء نزلت قبل تحريم الخمر، والخمر حرمت بعد غزوة أحد، ويقال: إنها حرمت في محاصرة بني النضير بعد أحد بيسير، وآية النساء فيها ذكر التيمم، فلو كانت قد نزلت قبل قصة عائشة لما توقفوا حينئذ في التيمم، ولا انتظروا نزول آية أخرى فيه.

[ ص: 11 ] قيل: هذا لا يصح ; لوجوه:

أحدها: أن سبب نزول آية النساء قد صح أنه كان ما ينشأ من شرب الخمر من المفاسد في الصلاة وغيرها، وهذا غير السبب الذي اتفقت الروايات عليه في قصة عائشة ، فدل على أن قصة عائشة نزل بسببها آية غير آية النساء، وليس سوى آية المائدة.

والثاني: أن آية النساء لم تحرم الخمر مطلقا بل عند حضور الصلاة، وهذا كان قبل أحد، وقصة عائشة كانت بعد غزوة أحد بغير خلاف، وليس في قصتها ما يناسب النهي عن قربان الصلاة مع السكر حتى تصدر به الآية.

وأما تصدير الآية بذكر الوضوء فلم يكن لأصل مشروعيته ; فإن الوضوء كان شرع قبل ذلك بكثير، كما سبق تقريره في أول " كتاب الوضوء "، وإنما كان تمهيدا للانتقال عنه إلى التيمم عند العجز عنه، ولهذا قالت عائشة : فنزلت آية التيمم، ولم تقل: آية الوضوء.

والثالث: أنه قد ورد التصريح بذلك في "صحيح البخاري " كما ذكرناه.

وأما توقفهم في التيمم حتى نزلت آية المائدة مع سبق نزول التيمم في سورة النساء، فالظاهر - والله أعلم - أنهم توقفوا في جواز التيمم في مثل هذه الواقعة ؛ لأن فقدهم للماء إنما كان بسبب إقامتهم لطلب عقد أو قلادة، وإرسالهم في طلبها من لا ماء معه مع إمكان سيرهم جميعا إلى مكان فيه ماء، فاعتقدوا أن في ذلك تقصيرا في طلب الماء، فلا يباح معه التيمم، فنزلت آية المائدة مبينة جواز التيمم في مثل هذه الحال، وأن هذه الصورة داخلة في عموم آية النساء.

ولا يستبعد هذا، فقد كان طائفة من الصحابة يعتقدون أنه لا يجوز استباحة رخص السفر من الفطر والقصر إلا في سفر طاعة دون الأسفار المباحة، ومنهم [ ص: 12 ] من خص ذلك بالسفر الواجب كالحج والجهاد، فلذلك توقفوا في جواز التيمم للاحتباس عن الماء لطلب شيء من الدنيا حتى بين لهم جوازه ودخوله في عموم قوله: فلم تجدوا ماء ويدل ذلك على جواز التيمم في سفر التجارة وما أشبهه من الأسفار المباحة ، وهذا مما يستأنس به من يقول: إن الرخص لا تستباح في سفر المعصية.

وأما دعوى نزول سورة المائدة كلها في حجة الوداع فلا تصح ; فإن فيها آيات نزلت قبل ذلك بكثير، وقد صح أن المقداد قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، فدل هذا على أن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر. والله أعلم.

وقد ذكر الله تعالى التيمم في الآيتين بلفظ واحد، فقال فيهما: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه

فقوله تعالى: وإن كنتم مرضى أو على سفر ذكر شيئين مبيحين للتيمم:

أحدهما: المرض، والمراد به عند جمهور العلماء: ما كان استعمال الماء معه يخشى منه الضرر.

والثاني: السفر، واختلفوا: هل هو شرط للتيمم مع عدم الماء، أم وقع ذكره لكونه مظنة عدم الماء غالبا، فإن عدم الماء في الحضر قليل أو نادر، كما قال الجمهور في ذكر السفر في آية الرهن، أنه إنما ذكر السفر؛ لأنه مظنة عدم الكاتب، وليس بشرط للرهن.

والجمهور: على أن السفر ليس بشرط للرهن ولا للتيمم مع عدم الماء، [ ص: 13 ] وأنه يجوز الرهن في الحضر، والتيمم مع عدم الماء في الحضر.

وقالت الظاهرية: السفر شرط في الرهن والتيمم.

وعن أحمد رواية باشتراط السفر للتيمم خاصة، وحكي رواية عن أبي حنيفة ، وعن طائفة من أصحاب مالك .

وعلى هذا: فلا فرق بين السفر الطويل والقصير على الأصح عندهم.

وقوله: أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء

قد قيل: إن " أو " هنا بمعنى الواو، كما يقول الكوفيون ومن وافقهم ; فإنه لما ذكر السببين المبيحين للتيمم، وهما التضرر باستعماله بالمرض ومظنة فقده بالسفر ذكر ما يستباح منه الصلاة بالتيمم وهو الحدث، فإن التيمم يبيح الصلاة من الحدث الموجود ولا يرفعه عند كثير من العلماء، وهو مذهب الشافعي ، وظاهر مذهب أحمد وأصحابه، ولهذا قالوا: يجب عليه أن ينوي ما يستبيحه من العبادات وما يستبيح فعل العبادات منه من الأحداث.

وقالت طائفة: بل التيمم يرفع الحدث رفعا مؤقتا بعدم القدرة على استعمال الماء، وربما استدل بعضهم بهذه الآية، وقالوا: إنما أمر الله بالتيمم مع وجود الحدث، ولو كان التيمم واجبا لكل صلاة أو لوقت كل صلاة - كما يقوله من يقول: إن التيمم لا يرفع الحدث، على اختلاف بينهم في ذلك - لما كان لذكر الحدث معنى.

والأظهر - والله أعلم -: أن " أو " هاهنا ليست بمعنى الواو، بل هي على بابها، وأريد بها: التقسيم والتنويع، وأن التيمم يباح في هذه الحالات الثلاث، واثنتان منهما مظنتان، وهما: المرض والسفر، فالمرض مظنة التضرر باستعمال الماء، والسفر مظنة عدم الماء، فإن وجدت الحقيقة في هاتين المظنتين جاز التيمم، وإلا فلا.

[ ص: 14 ] ثم ذكر قسما ثالثا، وهو وجود الحقيقة نفسها، فذكر أن من كان محدثا ولم يجد ماء فليتيمم، وهذا يشمل المسافر وغيره، ففي هذا دليل على أن التيمم يجوز لمن لم يجد الماء، مسافرا كان أو غير مسافر. والله أعلم.

وقد ذكر سبحانه حدثين:

أحدهما: الحدث الأصغر، وهو المجيء من الغائط، وهو كناية عن قضاء الحاجة والتخلي، ويلتحق به كل ما كان في معناه، كخروج الريح أو النجاسات من البدن عند من يرى ذلك.

والثاني: ملامسة النساء، واختلفوا: هل المراد بها الجماع خاصة، فيكون حينئذ قد أمر بالتيمم من الحدث الأصغر والأكبر، وفي ذلك رد على من خالف في التيمم للجنابة كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى - أو المراد بالملامسة مقدمات الجماع من القبلة والمباشرة لشهوة، أو مطلق التقاء البشرتين، وعلى هذين القولين فلم يذكر في الآية غير التيمم من الحدث الأصغر.

وقوله تعالى: فلم تجدوا ماء متعلق بمن أحدث، سواء كان على سفر أو لم يكن، كما سبق تقريره، دون المرض ؛ لأن المريض لا يشترط لتيممه فقد الماء، هذا هو الذي عمل به الأمة سلفا وخلفا.

وحكي عن عطاء والحسن : أن فقد الماء شرط للتيمم مع المرض - أيضا - فلا يباح للمريض أن يتيمم مع وجود الماء وإن خشي التلف.

وهذا بعيد الصحة عنهما، فإنه لو لم يجز التيمم إلا لفقد الماء لكان ذكر المرض لا فائدة له.

وقوله: فتيمموا أصل التيمم في اللغة القصد، ثم صار علما على هذه الطهارة المخصوصة.

وقوله: صعيدا اختلفوا في المراد بالصعيد، فمنهم: من فسره [ ص: 15 ] بما تصاعد على وجه الأرض من أجزائها، ومنهم: من فسره بالتراب خاصة.

وقوله: طيبا فسره من قال: الصعيد: ما تصاعد على وجه الأرض، بالطاهر. ومن فسره بالتراب، قال: المراد بالصعيد التراب المنبت، كقوله تعالى: والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه وهذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه.

وقال ابن عباس : الصعيد الطيب تراب الحرث.

وقوله: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه كقوله في الوضوء وامسحوا برءوسكم

وقد ذكرنا فيما سبق في " أبواب الوضوء " أن كثيرا من العلماء أوجبوا استيعاب مسح الرأس بالماء، وخالف فيه آخرون، وأكثرهم وافقوا هاهنا، وقالوا: يجب استيعاب الوجه والكفين بالتيمم ، ومنهم من قال: يجزئ أكثرهما، ومنهم من قال: يجزئ مسح بعضهما كالرأس - أيضا.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار : إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك يرد ذلك ويبين أن المأمور به مسح جميعهما.

وسيأتي الكلام على حد اليدين المأمور بمسحهما في التيمم - إن شاء الله تعالى.

وقوله تعالى: منه يستدل به من قال: لا تيمم إلا بتراب له غبار يعلق باليد ، فإن قوله: منه يقتضي أن يكون الممسوح به الوجه واليدان بعض الصعيد، ولا يمكن ذلك إلا فيما له غبار يعلق باليد حتى يقع المسح به، ومن خالف في ذلك جعل " من " هاهنا لأبعد الغاية، لا للتبعيض وهو بعيد يأباه سياق الكلام. والله تعالى أعلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية