صفحة جزء
370 [ ص: 225 ] 18 - باب

الصلاة في المنبر والسطوح والخشب

ولم ير الحسن بأسا أن يصلى على الجمد والقناطر، وإن جرى تحتها بول، أو فوقها أو أمامها، إذا كان بينهما سترة.

وصلى أبو هريرة على ظهر المسجد بصلاة الإمام.

وصلى ابن عمر على الثلج.


مقصود البخاري بهذا الباب: أنه تجوز الصلاة على ما علا على وجه الأرض ، سواء كان موضوعا عليها وضعا، كمنبر وسرير من خشب أو غيره، أو كان مبنيا عليها، كسطح المسجد وغرفة مبنية عليه أو على غيره، وكذلك ما علا على وجه الأرض مما يذوب، كالثلج والجليد.

فهذه ثلاث مسائل:

الأولى:

الصلاة على ما وضع على الأرض مما يتأبد فيها، أو ينقل عنها كمنبر وسرير ونحوه، فيجوز ذلك عند أكثر العلماء.

قال أبو طالب : سألت أحمد عن الصلاة على السرير الفريضة والتطوع؟ قال: نعم، إذا كان يمكنه مثل السطح.

وقال حرب : سألت إسحاق عن الصلاة على السرير من الخشب؟ قال: لا بأس به.

وروى حرب بإسناده، عن الأوزاعي ، أنه لم ير بأسا بالصلاة على الأسرة وأشباهها .

وليس في هذا اختلاف بين العلماء، إلا خلاف شاذ قديم.

[ ص: 226 ] روى أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا أبو بكر بن عياش ، عن إسماعيل بن سميع ، عن علي بن كثير ، قال: رأى عمار رجلا يصلي على رابية، فمده من خلفه، فقال: هاهنا صل في القرار.

ولعل هذا المصلي كان إماما لقوم يصلون تحته، وسيأتي الكلام على ذلك - إن شاء الله تعالى.

المسألة الثانية:

الصلاة فيما بني على وجه الأرض كغرفة في المسجد، أو فوق سطح المسجد، وكله جائز لا كراهة فيه بغير خلاف، إلا في مواضع يسيرة اختلف فيها ; وقد أشار البخاري إلى بعضها:

فمنها: صلاة المأموم فوق سطح المسجد بصلاة الإمام في أسفل المسجد، وقد حكى عن أبي هريرة أنه فعله.

وحكى ابن المنذر فعل ذلك عن أبي هريرة وسالم بن عبد الله . قال: وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، وحكي عن مالك : أنه إن صلى الجمعة على سطح المسجد أعادها ظهرا.

ومذهب مالك : أن الجمعة لا تصلى فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام. وفي سائر الصلوات عنه روايتان: الجواز، والكراهة، وهي آخر الروايتين عنه.

وممن يرى جواز ذلك: الثوري وأحمد وإسحاق .

وروى سفيان ، عن يونس بن عبيد ، عن عبد ربه ، قال: رأيت أنس بن مالك صلى يوم الجمعة في غرفة بالبصرة بصلاة الإمام.

واحتج أحمد بهذا.

[ ص: 227 ] وروى ابن أبي ذئب ، عن صالح مولى التوأمة ، قال: رأيت أبا هريرة يصلي على سطح المسجد بصلاة الإمام.

واشترط الإمام أحمد أن يكون ذلك بقرب الإمام، أو يسمع قراءته -: نقله عنه حنبل ، ولم يشترط غير ذلك.

واشترط أكثر أصحابنا - كالخرقي وأبي بكر عبد العزيز وابن أبي موسى والقاضي -: إيصال الصفوف دون قرب الإمام.

وقد أشار إليه أحمد في رواية أبي طالب ، في الرجل يصلي فوق السطح بصلاة الإمام: إن كان بينهما طريق أو نهر فلا. قيل له: فأنس صلى يوم الجمعة في سطح؟ فقال: يوم جمعة لا يكون طريق الناس.

يشير إلى أن يوم الجمعة تمتلئ الطرقات بالمصلين، فتتصل الصفوف.

قال أبو طالب : فإن الناس يصلون خلفي في رمضان فوق سطح بيتهم؟ فقال أحمد : ذاك تطوع.

ففرق أحمد بين الفريضة والنافلة في إيصال الصفوف.

ونقل حرب ، عن أحمد خلاف ذلك، في امرأة تصلي فوق بيت، وبينها وبين الإمام طريق، فقال: أرجو أن لا يكون به بأس. وذكر أن أنس بن مالك كان يفعل ذلك.

ونقل صالح بن أحمد ، عن أبيه، أن ذلك يجوز يوم الجمعة، إذا ضاق المكان، كما فعل أنس .

وظاهر هذه الرواية: أنه لا يجوز لغير ضرورة.

والمذهب المشهور عنه: جوازه مطلقا، كما تقدم.

وذكر أبو بكر الرازي : أن المشهور عند أصحابهم - يعني: أصحاب أبي حنيفة - أنه يكره ارتفاع المأموم على الإمام، والإمام على المأموم، خلافا [ ص: 228 ] لما قاله الطحاوي من التفريق بينهما.

ومنها: إذا بني على قنطرة مسجد أو غيره، فإنه تجوز الصلاة إليه، حكاه عن الحسن ، وخالفه غيره في ذلك.

روى حرب بإسناده، عن همام: سئل قتادة عن المسجد يكون على القنطرة؟ فكرهه. قال همام : فذكرت ذلك لمطر، فقال: كان الحسن لا يرى به بأسا.

قال حرب : وقلت لأحمد : المسجد يبنى على القنطرة؟ فكرهه، وذكر: أراه عن ابن مسعود كراهته.

ونقل المروذي عن أحمد ، قال: كره ابن مسعود أن يصلى في المسجد الذي بني على القنطرة.

قال: وقلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد -: ترى أن أصلي في مسجد بني على ساباط؟ قال: لا ; هذا طريق المسلمين.

وأصل هذه المسألة: أن طريق المسلمين لا يبنى فيه مسجد ولا غيره عند الإمام أحمد . وهواء الطريق حكمه عنده حكم أسفله، فلا يجوز عنده إحداث ساباط على الطريق، ولا البناء عليه. والنهر الذي تجري فيه السفن حكمه عنده كحكم الطريق، لا يجوز البناء عليه.

ورخص آخرون في بناء المساجد في الطريق الواسع، إذا لم يضر بالمارة.

ومنهم من اشترط لذلك إذن الإمام، وحكي رواية عن أحمد - أيضا.

قال الشالنجي : سألت أحمد : هل يبنى على خندق مدينة المسلمين مسجد للمسلمين عامة؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يضيق الطريق.

قال: وقال أبو أيوب - يعني: سليمان بن داود الهاشمي -: لا بأس بذلك، إلا أن يكون في الثغر؛ مخافة العدو. وبه قال أبو خيثمة .

[ ص: 229 ] والبخاري يميل إلى الجواز، وقد ذكره في " أبواب المساجد "، وفي " البيوع " واستدل بحديث الهجرة، وأن أبا بكر ابتنى بفناء بيته بمكة مسجدا يقرأ فيه القرآن. وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى.

وأما ما حكاه أحمد ، عن ابن مسعود ، فروى وكيع وحرب بإسنادهما، عن ابن سيرين ، أنه رأى مسجدا فوق قنطرة تحتها قذر، فقال: كان ابن مسعود يكره الصلاة في مثل هذا.

وهذه الكراهة: يحتمل أن تكون لكون القنطرة طريقا للناس، فلا يبنى عليها، كما قاله الإمام أحمد ، ويحتمل أن تكون لكون القذر تحت هذا المسجد ; فإن في جواز الصلاة في علو الأماكن المنهي عن الصلاة فيها كالحش ونحوه لأصحابنا وجهين.

ولو صلى على سرير قوائمه على نجاسة صحت صلاته، وإن تحرك بحركته، عند أصحابنا وأصحاب الشافعي .

وحكي عن الحنفية، أنه إن تحرك بحركته لم تصح، وإلا صحت.

وقد حكى البخاري عن الحسن ، أنه يصلي على القناطر وإن جرى تحتها بول، أو فوقها أو أمامها، إذا كان بينهما سترة.

فأما إن كان البول يجري تحتها فقد ذكرنا حكمه آنفا، وأما إن كان أمامها أو فوقها وبينهما سترة فقد رخص فيه الحسن ، كما حكاه عنه.

وعن أحمد في الصلاة إلى الحش من غير حائل روايتان: إحداهما: تصح مع الكراهة. والثانية: لا تصح، وهي اختيار ابن حامد وغيره.

ولا يكفي حائط المسجد، ولا يكون حائلا -: نص عليه أحمد .

ومن الأصحاب من تأول قوله على أن النجاسة كانت تصل إلى ما تحت مقام المصلى، فإن لم يكن كذلك كفى حائط المسجد.

[ ص: 230 ] ونقل حرب عن إسحاق ، أنه كره الصلاة في مسجد في قبلته كنيف، إلا أن يكون للكنيف حائط من قصب أو خشب غير حائط المسجد، وإن صلى فيه أعاد، وإن كان للكنيف سترة من لبود، فلا يصلي في المسجد من ورائه، وإن كان الكنيف عن يمين القبلة أو يسارها فلا بأس.

ونقل أبو طالب ، عن أحمد : إذا كان الكنيف أسفل من المسجد بذراع ونصف فلا بأس.

ورخصت طائفة في الصلاة إلى الحش إذا كان بينهما سترة.

وقال الأوزاعي في رجل يصلي وبين يديه حش، ودونه جدار من قصب، وهو يصلي نحوه: لا أعلم به بأسا.

وقال الليث بن سعد : كتب إلي عبد الله بن نافع مولى ابن عمر : أما ما ذكرت من مصلى قبلته إلى مرحاض، فإنما جعلت السترة لتستر من المرحاض وغيره، وقد حدثني نافع ، أن دار ابن عمر التي هي وراء جدار قبلة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مربدا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم يذهبن فيه، ثم ابتاعته حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم منهن، فاتخذته دارا .

ولكن عبد الله بن نافع منكر الحديث، قاله البخاري وغيره.

والعجب أن البخاري اعتمد على ما ذكره في رسالته إلى الليث في إنكار النهي عن الصلاة في أعطان الإبل، واستدل بما استدل به، ولا دلالة فيه، كما سيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى.

وعند الشافعي وأصحابه: تكره الصلاة على مدفن النجاسة، وتصح.

ومن أصحابه من كره الصلاة إلى النجاسة أيضا.

وحكي عن ابن حبيب المالكي أن من تعمد الصلاة إلى نجاسة بطلت صلاته، إلا أن تكون بعيدة جدا. [ ص: 231 ] المسألة الثالثة:

إذا كان المستعلي على وجه الأرض مما لا يبقى على حاله كالثلج والجليد، فقد حكى عن الحسن جواز الصلاة على الجليد.

ومعناه: إذا جمد النهر جازت الصلاة فوقه .

وقد صرح بجوازه أصحابنا وغيرهم من الفقهاء ; فإنه يصير قرارا متمكنا كالأرض، وليس بطريق مسلوك في العادة حتى تلحق الصلاة عليه بقارعة الطريق في الكراهة.

وحكى البخاري عن ابن عمر ، أنه صلى على الثلج.

ونص أحمد على جواز الصلاة عليه والسجود عليه.

ونقل عنه حرب ، قال: يبسط عليه ثوبا ويصلي. قلت: فإن لم يكن معه إلا الثوب الذي على جسده؟ قال: إن أمكنه السجود عليه سجد، وإلا أومأ. قال: وإذا كان الثلج باردا فإنه عذر، وسهل فيه.

قال: وسمعت إسحاق - يعني: ابن راهويه - يقول: إذا صليت في الثلج أو الرمضاء أو البرد أو الطين فآذاك فاسجد على ثوبك، وإذا اشتد عليك وضع اليدين على الأرض فضعهما على ثوبك، أو أدخلهما كميك، ثم اسجد كذلك.

قال: وسمعته - مرة أخرى - يقول: إن كنت في ردغة أو ماء أو ثلج، لا تستطيع أن تسجد، فأومئ إيماء، كذلك فعل أنس بن مالك وجابر بن زيد وغيرهما. انتهى.

وأنس إنما صلى على راحلته في الطين، لا على الأرض.

وحاصل الأمر: أنه يلزمه السجود على الثلج ما لم يكن عليه فيه ضرر، فإن كان عليه ضرر لم يلزمه، وأجزأه أن يومئ.

ولأصحابنا وجه آخر: أنه يلزمه السجود عليه بكل حال، ولا يجزئه الإيماء.

[ ص: 232 ] والثلج نوعان: تارة يكون متجلدا صلبا، فهذا حكمه حكم الجليد كما تقدم، وتارة يكون رخوا لا تستقر الأعضاء عليه، فيصير كالقطن والحشيش ونحوهما.

ومن سجد على ذلك لم يجزئه إلا من عذر، صرح بذلك طائفة من أصحابنا، وجعلوا استقرار الجبهة بالأرض شرطا، واستدلوا بأنه لو علق بساطا في الهواء وصلى عليه لم يجزئه، وكذا لو سجد على الهواء أو الماء.

وللشافعية في ذلك وجهان:

أصحهما عندهم: أنه يلزمه أن يتحامل على ما يسجد عليه بثقل رأسه وعنقه حتى يستر جبهته، ولا تصح صلاة بدون ذلك.

والثاني: لا يجب ذلك.

ولهم - أيضا - في الصلاة على الأرجوحة، وعلى سرير تحمله الرجال وجهان، أصحهما: الصحة.

وروى عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن موسى بن عقبة ، عن صالح مولى التوأمة ، قال: سمعت ابن عباس يقول: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء من أمر الصلاة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض، حتى تجد حجم الأرض ".

خرجه الإمام أحمد .

وفي إسناده لين.

وروى حرب الكرماني : ثنا إسحاق - هو: ابن راهويه -: ثنا سويد بن عبد العزيز ، عن أبي جبيرة زيد بن جبيرة ، عن داود بن حصين ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال: أصاب الناس الثلج على عهد عمر بن الخطاب ، فبسط [ ص: 233 ] بساطا ثم صلى عليه، وقال: إن الثلج لا يتيمم به، ولا يصلى عليه .

واحتج إسحاق بهذا الحديث.

وإسناده ضعيف ; فإن زيد بن جبيرة وسويد بن عبد العزيز ضعيفان.

وقد روى أبو عبيد في "كتاب الطهور" بإسناد آخر، وفيه ضعف - أيضا -: أن عمر أصابه الثلج بالجابية لما قدم الشام ، فقال: إن الثلج لا يتيمم به .

ولم يذكر الصلاة.

واختلف الرواة عن أحمد في الغريق في الماء: هل يومئ بالسجود، أم يلزمه أن يسجد بجبهته على الماء؟ على روايتين عنه.

وقال القاضي أبو يعلى في بعض كتبه: لم يوجب أحمد السجود على الماء ; لأنه ليس بقرار، وإنما أراد أنه يجب عليه أن يومئ في الماء إلى قرب الأرض، وإن غاص وجهه في الماء.

وهذا الذي قاله بعيد جدا.

وحمل أبو بكر عبد العزيز الروايتين عن أحمد على حالين: فإن أمكنه السجود على متن الماء سجد، وإلا أومأ.

وقال أبو بكر الخلال : قول أحمد : يومئ، يريد بالركوع. وقوله: يسجد على متن الماء، في السجود.

فلم يثبت عن أحمد في الإيماء بالسجود خلافا.

ولو كان في وحل وطين لم يلزمه السجود عليه، وإنما عليه أن يومئ، ولم يحك أكثر الأصحاب فيه خلافا، بل قال ابن أبي موسى : لا يلزمه ذلك - قولا واحدا.

ومنهم من خرج فيه وجها آخر: بوجوب السجود على الطين إذا قلنا: لا تجوز له الصلاة في الطين على راحلته، بل تلزمه الصلاة بالأرض، وهو رواية [ ص: 234 ] عن أحمد ، اختارها ابن أبي موسى .

وفرق ابن أبي موسى بين المسألتين، ووجه الفرق: أن المانع من الصلاة على الراحلة امتناع القيام والاستقرار بالأرض دون امتناع السجود بالأرض، ولأن في السجود على الطين ضررا ; فإنه ربما دخل في عينيه وأنفه وفمه، وربما غاص فيه رأسه وشق عليه رفعه، فلا يلزمه، بخلاف السجود على متن الماء.

وممن قال: يومئ بالسجود ولا يسجد على الطين: أبو الشعثاء وعمارة بن غزية .

وفيه حديث مرفوع:

خرجه الطبراني وابن عدي من طريق محمد بن فضاء ، عن أبيه، عن علقمة بن عبد الله ، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " إذا لم يقدر أحدكم على الأرض، إذا كنتم في طين أو قصب أومئوا إيماء ".

وفي رواية لابن عدي : " أو في ماء أو في ثلج ".

ومحمد بن فضاء ، ضعيف ; ضعفه يحيى والنسائي وغيرهما.

ومذهب مالك : أنه يصلي في الطين بالأرض، ولا يصلي على الراحلة.

واختلفت الرواية عنه في السجود في الطين: فروي عنه: أنه يسجد عليه. وروي عنه: أنه يومئ.

وحمل ذلك طائفة من أصحابه على اختلاف حالين: فالحال التي يسجد عليه: إذا كان خفيفا، كما سجد النبي صلى الله عليه وسلم في اعتكافه في الماء والطين، وانصرف وعلى جبهته أثر الماء والطين. والحال التي يومئ: إذا كان كثيرا، يغرق فيه المصلي.

[ ص: 235 ] ونص أحمد على أنه إذا خشي أن تفسد ثيابه بالسجود على الطين أومأ، ولم يسجد عليه.

وكذا قال أبو الشعثاء جابر بن زيد .

خرج البخاري في هذا الباب حديثين:

التالي السابق


الخدمات العلمية