صفحة جزء
[ ص: 655 ] 97 - باب

484 506 - حدثنا إبراهيم بن المنذر: ثنا أبو ضمرة: ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، أن عبد الله كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه حين يدخل، وجعل الباب قبل ظهره، فمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبا من ثلاثة أذرع صلى، يتوخى المكان الذي أخبره به بلال أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه.

قال: وليس على أحدنا بأس أن يصلي في أي نواحي البيت شاء.



هذا الحديث: مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة تلقاء وجهه لما دخل، وجعل الباب وراء ظهره.

وقد خرج مسلم من حديث أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه سأل بلالا : أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: بين العمودين، تلقاء وجهه.

وفي هذا الحديث: زيادة أنه صلى إلى الجدار الذي تلقاء وجهه حتى كان بينه وبينه قريب من ثلاثة أذرع.

وقد روي في حديث مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن بلال هذه الزيادة - أيضا - وأنه صلى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع.

وقد خرجها أبو داود من رواية ابن مهدي ، عن مالك .

وقال جماعة، عن مالك ، فيه: "نحو من ثلاثة أذرع".

وقد خرجه النسائي كذلك من رواية ابن القاسم ، عن مالك .

وقد روى حماد بن سلمة ، عن ابن أبي مليكة أن معاوية قدم مكة ، [ ص: 656 ] فدخل الكعبة ، فأرسل إلى ابن عمر : أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: صلى بين الساريتين بحيال الباب، فجاء ابن الزبير فدخل، فقال لمعاوية : أما إنك قد علمت أني أعلم مثل الذي يعلم، ولكنك حسدتني.

خرجه الإمام أحمد .

وخرجه الأزرقي بسياق مطول، من حديث عبد الحميد بن جبير بن شيبة ، عن أخيه شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان قال: حج معاوية وهو خليفة - فذكر حديثا طويلا، وفيه: أنه فتح له باب الكعبة، فدخل وأرسل إلى ابن عمر ، فجاءه، فقال له معاوية : يا أبا عبد الرحمن أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام دخلها؟ فقال: بين العمودين المقدمين، واجعل بينك وبين الجدار ذراعين أو ثلاثة - وذكر بقية الحديث في دخول ابن الزبير ، وغير ذلك.

وقد ذكرنا هذا الحديث في "باب الدنو من السترة".

وفي الحديث - أيضا - دليل على أن من دخل مسجدا وأراد أن يصلي فيه تطوعا، فالأولى له أن يصلي في صدر المسجد، لا عند بابه.

وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى في صدر المسجد - أيضا -:

فخرج الإمام أحمد من رواية حماد بن سلمة : ثنا أبو سنان ، عن عبيد بن آدم ، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب : أين ترى أن أصلي - يعني: في بيت المقدس -؟ فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك. فقال عمر - رضي الله عنه -: ضاهيت اليهود ، ولكن أصلي حيث صلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القبلة، فصلى، ثم جاء فبسط رداءه، وكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس .

[ ص: 657 ] عبيد بن آدم ذكره ابن حبان في "ثقاته" وأبو سنان هو: القسملي عيسى بن سنان ، ضعفه الأكثرون، منهم: أحمد ويحيى . وقال أبو حاتم : ليس بالقوي. وقال العجلي : لا بأس به. وقال ابن خراش : صدوق.

وقد رواه أبو أسامة ، عن أبي سنان عيسى بن سنان القسملي ، عن المغيرة بن عبد الرحمن ، عن أبيه، قال: صليت مع عمر في كنيسة مريم في وادي جهنم، فلما انصرف قال: لقد كنت غنيا أن تصلي على باب من أبواب جهنم، ثم تنخع، فأخرج قميصه، فبزق فيه، فقلنا: يا أمير المؤمنين، لو تفلت في الكنيسة، وهو مكان شرك؟ فقال: إنه وإن كان يشرك فيه فإنه يذكر فيه اسم الله كثيرا. قال: ثم دخلنا المسجد، فقال عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صليت ليلة أسري بي في مقدم المسجد، ثم دخلت في الصخرة التي في بيت المقدس " وذكر بقية الحديث، وفي آخره: قال: "ثم انطلق بي إلى السماء، ففرضت علي الصلاة، ثم رجعت إلى خديجة ، وما تحولت عن جانبها الآخر".

خرجه الإسماعيلي في "مسند عمر " في ترجمة: "حديث: عبد الرحمن بن محمد والد المغيرة بن عبد الرحمن ، عن عمر ".

وقد كره بعض المتقدمين التطوع في مقدم المسجد من السحر:

فخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عامر الألهاني ، قال: دخل المسجد حابس بن سعد الطائي من السحر - وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم - فرأى الناس يصلون في مقدم المسجد، فقال: مراءون ورب الكعبة، أرعبوهم، فمن أرعبهم فقد أطاع الله ورسوله، فأتاهم الناس فأخرجوهم، فقال: إن الملائكة تصلي من السحر في مقدم المسجد.

[ ص: 658 ] وإنما خرجه في "المسند" لقول حابس : "من أرعبهم فقد أطاع الله ورسوله" وهذا في حكم المرفوع.

وحابس بن سعد معدود من الصحابة.

وقد روي - أيضا - النهي عن ذلك عن عمر بن الخطاب ، وأنه ضرب من رآه في مقدم المسجد يصلي، وقال: ألم أنهكم أن تقدموا في مقدم المسجد بالسحر; إن له عوامر.

خرجه جعفر الفريابي في "كتاب الصلاة".

قال القاضي أبو يعلى من أصحابنا: هذا يدل على كراهة التقدم في الصف الأول في صدر المسجد قبل السحر.

ويكره - أيضا - استناد الظهر إلى القبلة بين أذان الفجر والإقامة.

وكرهه ابن مسعود ، وقال: لا تحولوا بين الملائكة وبين صلاتهم.

وقال النخعي : كانوا يكرهونه.

وقال الإمام أحمد : هو مكروه، وأمر من فعله أن يحول وجهه إلى القبلة.

وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه نهى أن يستند إلى القبلة في مواقيت الصلاة.

وهذا يعم سائر الصلوات، ولعله كرهه; لأن الداخل إلى المسجد يصلي عند دخوله، فإذا كان بين يديه رجل مسند ظهره إلى القبلة صلى مستقبل وجهه، وذلك مكروه، كما تقدم.

وقد روي فيه حديث مرفوع، يدل على الرخصة فيه في غير صلاة الفجر، من رواية عيسى بن المسيب ، عن الشعبي ، عن كعب بن عجرة ، قال: بينما أنا جالس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسندي ظهورنا إلى قبلة مسجده سبعة [ ص: 659 ] رهط، إذ خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر حتى انتهى إلينا، فقال: "ما يجلسكم هاهنا؟" فقلنا: يا رسول الله، ننتظر الصلاة. قال: فأرم قليلا، ثم رفع رأسه، فقال: " أتدرون ما يقول ربكم؟ " - ثم ذكر حديثا طويلا في فضل المحافظة على الصلوات.

خرجه الإمام أحمد .

وعيسى بن المسيب ، تكلم فيه.

وذكر مالك عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع ، قال: كنت أصلي وابن عمر مسند ظهره إلى جدار القبلة، فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه.

قال ابن عبد البر : فيه الاستناد إلى حائط القبلة في المسجد، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يفعله من يستقبل الصلاة.

وقوله: "وقال: ليس على أحدنا بأس أن يصلي في أي نواحي البيت شاء".

الظاهر أنه من قول نافع ، وقد وافقه أكثر العلماء على ذلك، منهم: الثوري والشافعي .

وقد روي عن أحمد أنه لا يصلي في الكعبة إلا إلى الجهة التي صلى إليها النبي صلى الله عليه وسلم

وحمله أصحابنا على الاستحباب، وقد سبق ذلك.

التالي السابق


الخدمات العلمية