صفحة جزء
[ ص: 133 ] 16 - باب فضل صلاة العصر

فيه حديثان :

أحدهما :

قال :

529 554 - حدثنا الحميدي : ثنا مروان بن معاوية : ثنا إسماعيل ، عن قيس ، عن جرير بن عبد الله ، قال : كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فنظر إلى القمر ليلة البدر ، فقال : " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ، وقبل غروبها فافعلوا " . ثم قرأ : وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب

قال إسماعيل : افعلوا لا تفوتنكم .


هذا الحديث نص في ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة ، كما دل على ذلك قوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ومفهوم قوله في حق الكفار : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون

قال الشافعي وغيره : لما حجب أعداءه في السخط دل على أن أولياءه يرونه في الرضا .

والأحاديث في ذلك كثيرة جدا ، وقد ذكر البخاري بعضها في أواخر " الصحيح " في " كتاب التوحيد " ، وقد أجمع على ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الأئمة وأتباعهم .

[ ص: 134 ] وإنما خالف فيه طوائف أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن يرد النصوص الصحيحة لخيالات فاسدة وشبهات باطلة ، يخيلها لهم الشيطان ، فيسرعون إلى قبولها منه ، ويوهمهم أن هذه النصوص الصحيحة تستلزم باطلا ، ويسميه تشبيها أو تجسيما ، فينفرون منه ، كما خيل إلى المشركين قبلهم أن عبادة الأوثان ونحوها تعظيم لجناب الرب ، وأنه لا يتوصل إليه من غير وسائط تعبد فتقرب إليه زلفى ، وأن ذلك أبلغ في التعظيم والاحترام ، وقاسه لهم على ملوك بني آدم ، فاستجابوا لذلك ، وقبلوه منه .

وإنما بعث الله الرسل وأنزل الكتب لإبطال ذلك كله ، فمن اتبع ما جاءوا به فقد اهتدى ، ومن أعرض عنه أو عن شيء منه واعترض فقد ضل .

وقوله : " كما ترون هذا القمر " شبه الرؤية بالرؤية ، لا المرئي بالمرئي سبحانه وتعالى .

وإنما شبه الرؤية برؤية البدر ; لمعنيين :

أحدهما : أن رؤية القمر ليلة البدر لا يشك فيه ولا يمترى .

والثاني : يستوي فيه جميع الناس من غير مشقة .

وقد ظن المريسي ونحوه ممن ضل وافترى على الله ، أن هذا الحديث يرد ; لما يتضمن من التشبيه ، فضل وأضل . واتفق السلف الصالح على تلقي هذا الحديث بالقبول والتصديق .

قال يزيد بن هارون : من كذب بهذا الحديث فهو بريء من الله ورسوله .

وقال وكيع : من رد هذا الحديث فاحسبوه من الجهمية .

وكان حسين الجعفي إذا حدث بهذا الحديث قال : زعم المريسي .

[ ص: 135 ] وقوله : " لا تضامون في رؤيته " .

قال الخطابي : " لا تضامون " ، روي على وجهين :

مفتوحة التاء ، مشددة الميم . وأصله تتضامون ، أي : لا يضام بعضكم بعضا ، أي : لا يزاحم ، من الضم ، كما يفعل الناس في طلب الشيء الخفي ، يريد أنكم ترون ربكم وكل واحد منكم وادع في مكانه ، لا ينازعه فيه أحد .

والآخر : مخفف : تضامون - بضم التاء - من الضيم ، أي : لا يضيم بعضكم بعضا فيه . انتهى .

وذكر ابن السمعاني فيه رواية ثالثة : " تضامون " - بضم التاء ، وتشديد الميم - ، قال : ومعناها : لا تزاحمون ، قال : ورواية فتح التاء مع تشديد الميم معناها : لا تزاحمون .

وقوله : " كما ترون القمر ليلة البدر " يقوي المعنى الأول .

وجاء التصريح به في رواية أبي رزين العقيلي ، أنه قال : يا رسول الله ، أكلنا يرى ربه يوم القيامة ؟ وما آية ذلك في خلقه ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أليس كلكم ينظر إلى القمر مخليا به ؟ " قال : بلى ، قال : " فالله أعظم " .

خرجه الإمام أحمد .

وخرجه ابنه عبد الله في " المسند " بسياق مطول جدا ، وفيه ذكر البعث والنشور ، وفيه : " فتخرجون من الأصواء - أو من مصارعكم - ، فتنظرون إليه وينظر إليكم " . قال : قلت : يا رسول الله ، وكيف ونحن ملء الأرض وهو [ ص: 136 ] شخص واحد ، ينظر إلينا وننظر إليه ؟ قال : " أنبئك بمثل ذلك ، الشمس والقمر ، آية منه صغيرة ، ترونهما ويريانكم ساعة واحدة ، لا تضارون في رؤيتهما ، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم ، لا تضارون في رؤيتهما " - وذكر بقية الحديث .

وخرجه الحاكم وقال : صحيح الإسناد .

وقد ذكر أبو عبد الله بن منده إجماع أهل العلم على قبول هذا الحديث ونقل عباس الدوري ، عن ابن معين أنه استحسنه .

وقوله : " فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " . أمر بالمحافظة على هاتين الصلاتين ، وهما صلاة الفجر وصلاة العصر ، وفيه إشارة إلى عظم قدر هاتين الصلاتين ، وأنهما أشرف الصلوات الخمس ، ولهذا قيل في كل منهما : إنها الصلاة الوسطى ، والقول بأن الوسطى غيرهما لا تعويل عليه .

وقد قيل في مناسبة الأمر بالمحافظة على هاتين الصلاتين عقيب ذكر الرؤية : أن أعلى ما في الجنة رؤية الله عز وجل ، وأشرف ما في الدنيا من الأعمال - هاتان الصلاتان ، فالمحافظة عليهما يرجى بها دخول الجنة ورؤية الله عز وجل فيها .

كما في الحديث الآخر : " من صلى البردين دخل الجنة " ، وسيأتي - إن شاء الله - في موضعه .

وقيل : هو إشارة إلى أن دخول الجنة إنما يحصل بالصلاة مع الإيمان ، فمن [ ص: 137 ] لا يصلي فليس بمسلم ، ولا يدخل الجنة بل هو من أهل النار ، ولهذا قال أهل النار لما قيل لهم : ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين

ويظهر وجه آخر في ذلك ، وهو : أن أعلى أهل الجنة منزلة من ينظر في وجه الله عز وجل مرتين بكرة وعشيا ، وعموم أهل الجنة يرونه في كل جمعة في يوم المزيد ، والمحافظة على هاتين الصلاتين على ميقاتهما ووضوئهما وخشوعهما وآدابهما يرجى به أن يوجب النظر إلى الله عز وجل في الجنة في هذين الوقتين .

ويدل على هذا ما روى ثوير بن أبي فاختة ، قال : سمعت ابن عمر يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة ، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيا " ، ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة

خرجه الإمام أحمد والترمذي ، وهذا لفظه . وخرجه - أيضا - موقوفا على ابن عمر . وثوير فيه ضعف .

وقد روي هذا المعنى من حديث أبي برزة الأسلمي مرفوعا - أيضا - ، وفي إسناده ضعف .

وقاله غير واحد من السلف ، منهم : عبد الله بن بريدة وغيره .

فالمحافظة على هاتين الصلاتين تكون سببا لرؤية الله في الجنة في مثل هذين الوقتين ، كما أن المحافظة على الجمعة سبب لرؤية الله في يوم المزيد في الجنة ، كما قال ابن مسعود : سارعوا إلى الجمعات ; فإن الله يبرز لأهل الجنة في كل [ ص: 138 ] جمعة على كثيب من كافور أبيض ، فيكونون منه في الدنو على قدر تبكيرهم إلى الجمعات .

وروي عنه مرفوعا .

خرجه ابن ماجه .

وروي عن ابن عباس ، قال : من دخل الجنة من أهل القرى لم ينظر إلى وجه الله ; لأنهم لا يشهدون الجمعة .

خرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في " كتاب الشافي " بإسناد ضعيف .

وقد روي من حديث أنس - مرفوعا - : " إن النساء يرين ربهن في الجنة في يومي العيدين " .

والمعنى في ذلك : أنهن كن يشاركن الرجال في شهود العيدين دون الجمع .

وقوله : ثم قرأ : وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب الظاهر أن القارئ لذلك هو النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقد روي من رواية زيد بن أبي أنيسة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن جرير البجلي في هذا الحديث : ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسبح بحمد ربك الآية .

خرجه أبو إسماعيل الأنصاري في " كتاب الفاروق " .

وقد قيل : إن هذه الكلمة مدرجة ، وإنما القارئ هو جرير بن عبد الله البجلي .

وقد خرجه مسلم في " صحيحه " عن أبي خيثمة ، عن مروان بن معاوية - فذكر الحديث ، وقال في آخره : ثم قرأ جرير : وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب

[ ص: 139 ] وكذا رواه عمرو بن زرارة وغيره ، عن مروان بن معاوية ، وأدرجه عنه آخرون .

التالي السابق


الخدمات العلمية