صفحة جزء
2478 باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته


أي : هذا باب يذكر فيه لا يحل ... إلى آخره .

فإن قلت : ليس لفظ " لا يحل " ولا لفظ يدل عليه في أحاديث الباب ، وكيف يترجم بهذه الترجمة ؟ قلت : قيل إنه ترجم بهذه الترجمة لقوة الدليل عنده فيها ، ولكن يعكر عليه بشيئين ; الأول : أنه يرى للوالد الرجوع فيما وهبه لولده ، فكيف يقول هنا " لا يحل لأحد أن يرجع في هبته " والنكرة في سياق النفي تقتضي العموم ؟ وانتهض بعضهم مساعدة له فقال : يمكن أن يرى صحة الرجوع له وإن كان حراما بغير عذر . قلت : سبحان الله ! ما أبعد هذا عن منهج الصواب ; لأنه كيف يرى صحة شيء مع كونه في نفس الأمر حراما ، وبين كون الشيء صحيحا وبين كونه حراما منافاة ، فالصحيح لا يقال له حرام ولا الحرام يقال له صحيح .

والثاني أنه قيل في ترجمته بهذه الترجمة لقوة الدليل عنده ، فإن كانت هذه القوة لدليله بحديث ابن عباس فذا لا يدل على عدم الحل ، لأنا قد ذكرنا في أوائل باب هبة الرجل لامرأته أن جعله - صلى الله عليه وسلم - العائد في هبته كالعائد في قيئه من باب التشبيه من حيث إنه ظاهر القبح مروءة لا شرعا ، فلا يثبت بذلك عدم الحل في الرجوع حتى يقال " لا يحل لأحد أن يرجع في هبته " ، وأيضا كيف تثبت القوة لدليله مع ورود قوله صلى الله عليه وسلم : الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها . رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة ، وأخرجه الدارقطني في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه ، وروي عن ابن عباس أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من وهب هبة فهو أحق بهبته ما لم يثب منها . رواه الطبراني ، فإن قال المساعد له هذان الحديثان لا يقاومان حديثه الذي رواه في هذا الباب - قلت : ولئن سلمنا ذلك فما يقول في حديث ابن عمر ، أخرجه الحاكم في المستدرك عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها . وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . ورواه الدارقطني أيضا في سننه ، فإن قال مساهلة الحاكم في التصحيح مشهورة يقال له : حديث ابن عمر صحيح مرفوعا ورواته ثقات ، كذا قال عبد الحق في الأحكام وصححه ابن حزم أيضا ، ففيه الكفاية لمن يهتدي إلى مدارك الأشياء ومسالك الدلائل .

التالي السابق


الخدمات العلمية