صفحة جزء
2587 1 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده .


مطابقته للترجمة باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرة ، والحديث رواه عبد الله بن نمير ، وعبيدة بن سليمان ، عن عبيد الله بن عمر ، [ ص: 28 ] عن نافع ، كما رواه مالك ، ورواه يونس بن يزيد ، عن نافع أيضا كذلك ، وكذا رواه ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، ورواه مسلم من حديث عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : ( ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ) ، ورواه من حديث ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة ) .

وأخرجه الترمذي من حديث أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله ما يوصي فيه إلا ووصيته عنده مكتوبة ) ، وأخرجه النسائي عن محمد بن سلمة ، عن أبي القاسم ، عن مالك به ، وأخرجه ابن ماجه من حديث عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر نحو رواية مسلم .

( ذكر معناه ) : قوله : ( ما حق امرئ مسلم ) كلمة ما بمعنى ليس هكذا وقع في أكثر الروايات بلفظ مسلم، وليست هذه اللفظة في رواية أحمد ، عن إسحاق بن عيسى ، عن مالك ، والوصف بالمسلم هنا خرج مخرج الغالب ، فلا مفهوم له ، وذكر للتهييج لتقع المبادرة لامتثاله لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك ، وعن قريب نحرر ذلك . قوله : ( له شيء ) جملة وقعت صفة لامرئ . قوله : ( يوصي فيه ) جملة فعلية وقعت صفة لقوله شيء . قوله : ( يبيت ليلتين ) جملة فعلية وقعت صفة أخرى لامرئ ، وقال بعضهم : يبيت كأن فيه حذفا تقديره أن يبيت ، وهو كقوله : ومن آياته يريكم البرق انتهى . ( قلت ) : وهذا قياس فاسد ، وفيه تغيير المعنى أيضا ، وإنما قدر أن في قوله : يريكم ; لأنه في موضع الابتداء ; لأن قوله : ومن آياته في موضع الخبر ، والفعل لا يقع مبتدأ فيقدر أن فيه حتى يكون في معنى المصدر فيصح حينئذ وقوعه مبتدأ ، فمن له ذوق من العربية يفهم هذا ، ويعلم تغيير المعنى فيما قال ، قوله : ( إلا ووصيته ) مستثنى ، وهو خبر ليس ، والواو فيه للحال ، وقال صاحب ( المظهر ) قيد ليلتين تأكيد ، وليس بتحديد ، يعني : لا ينبغي له أن يمضي عليه زمان ، وإن كان قليلا إلا ووصيته مكتوبة ، وقال الطيبي : في تخصيص ليلتين تسامح في إرادة المبالغة ، أي : لا ينبغي أن يبيت ليلة ، وقد سامحناه في هذا المقدار ، فلا ينبغي أن يتجاوز عنه ، وقال النووي في ( شرح مسلم ) ، وفي رواية ثلاث ليال ، ( قلت ) : هو رواية مسلم ، والنسائي من طريق الزهري عن سالم ، عن أبيه يبيت ثلاث ليال ، والحاصل أن ذكر الليلتين ، أو الثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها ، ففسح له هذا المقدار ليتذكر ما يحتاج إليه ، واعلم أن لفظ مالك في هذا الحديث لم تختلف الرواة فيه عنه ، وفي رواية أحمد ، عن سفيان ، عن أيوب بلفظ : ( حق على كل مسلم أن لا يبيت ليلتين وله ما يوصي فيه ) الحديث ، ورواه الشافعي رحمه الله ، عن سفيان بلفظ : ( ما حق امرئ يؤمن بالوصية ) الحديث ، قال ابن عبد البر : فسره ابن عيينة ، أي : يؤمن بأنها حق ، وأخرجه أبو عوانة من طريق هشام بن الغاز ، عن نافع بلفظ : ( لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين ) الحديث ، وأخرجه الإسماعيلي من طريق روح بن عبادة ، عن مالك ، وابن عون ، جميعا عن نافع بلفظ : ( ما حق امرئ مسلم له مال يريد أن يوصي فيه ) ، وذكره ابن عبد البر من طريق ابن عوف بلفظ : ( لا يحل لامرئ مسلم له مال ) ، وأخرجه الطحاوي أيضا ، والله أعلم .

( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه حث على الوصية ، واحتجت به الظاهرية أنها واجبة ، وقال الزهري : جعل الله الوصية حقا مما قل ، أو كثر ، قيل لأبي مجلز : على كل مثر وصية ، قال : كل من ترك خيرا ، وقال ابن حزم : وروينا من طريق عبد الرزاق ، عن الحسن بن عبد الله ، قال : كان طلحة بن عبيد الله ، والزبير يشددان في الوصية ، وهو قول عبد الله بن أبي أوفى ، وطلحة بن مصرف ، والشعبي ، وطاوس ، وغيرهم ، قال : وهو قول أبي سليمان ، وجميع أصحابنا ، وقالت طائفة : ليست الوصية بواجبة كان الموصي موسرا ، أو فقيرا ، وهو قول النخعي ، والشعبي ، والثوري ، ومالك ، والشافعي ، وقال ابن العربي : أما السلف الأول : فلا نعلم أحدا قال بوجوبها ، وقال النخعي ، والشعبي : الوصية للوالدين ، والأقربين على الندب ، وقال الضحاك ، وطاوس : الوصية للوالدين ، والأقربين واجبة بنص القرآن إذا كانوا لا يرثون ، وقال طاوس : من أوصى لأجانب وله أقرباء انتزعت الوصية فردت للأقرباء ، وقال الضحاك : من مات وله شيء ، ولم يوص لأقربائه ، فقد مات عن معصية لله عز وجل ، وقال الحسن ، وجابر بن زيد ، وعبد الملك بن يعلى فيما ذكره الطبري : إذا أوصى رجل لقوم غرباء بثلثه ، وله أقرباء أعطي الغرباء ثلث المال . [ ص: 29 ] ورد الباقي على الأقرباء ، وقال الطبري : وحكي عن طاوس أن جميع ذلك ينتزع من الموصى لهم ، ويدفع لقرابته ; لأن آية البقرة عندهم محكمة ، وقال أصحابنا الحنفية : الوصية مستحبة ; لأنها إثبات حق في ماله ، فلم تكن واجبة كالهبة ، والعارية ، وليس الاستدلال على وجوب الوصية بحديث الباب بصحيح ; لأن ابن عمر راوي الحديث لم يوص ، ومحال أن يخالف ما رواه لو كان واجبا ، ورد ذلك بأنه إن ثبت ، فالعبرة لما روى لا بما رأى ، وأجيب عنه بأن في ذلك نسبته إلى مخالفة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وحاشاه من ذلك ، فإذا روي عنه أنه لم يوص على أن الحديث لم يدل على الوجوب لمانع عن ذلك ظهر عنده ; لأن أمور المسلمين محمولة على الصلاح ، والسداد ، ولا سيما مثل هذا الصحابي الجليل المقدار ، ( فإن قلت ) : ثبت في ( صحيح مسلم ) أنه قال : ( لم أبت ليلة إلا ووصيتي مكتوبة عندي ) ، ( قلت ) : يعارضه ما أخرجه ابن المنذر ، وغيره عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، قال : قيل لابن عمر في مرض موته : ألا توصي ، قال : أما مالي ، فالله يعلم ما كنت أصنع فيه ، وأما رباعي ، فلا أحب أن يشارك ولدي فيها أحد ، فإذا جمعنا بينهما بالحمل على أنه كان يكتب وصيته ، ويتعاهدها ، ثم صار ينجز ما كان يوصي به معلقا ، وإليه الإشارة بقوله : الله يعلم ما كنت أصنع في مالي ، ولعل الحامل له على ذلك حديث : ( إذا أمسيت ، فلا تنتظر الصباح ) الحديث سيأتي في الرقاق ، فصار ينجز ما يريد التصدق به ، فلم يحتج إلى تعليق ، ونقل ابن المنذر عن أبي ثور أن المراد بوجوب الوصية في الآية ، والحديث يختص بمن عليه حق شرعي يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به ، كوديعة ودين لله ، أو لآدمي ، قال : ويدل على ذلك تقييده بقوله : له شيء يريد أن يوصي فيه ; لأن فيه إشارة إلى قدرته على تنجيزه ، ولو كان مؤجلا ، فإنه إذا أراد ذلك ساغ له ، وإن أراد أن يوصي به ساغ له ، وفيه جواز الاعتماد على الكتابة ، والخط ، ولو لم تقترن ذلك بالشهادة ، وبه قال أحمد ، ومحمد بن نصر من الشافعية ، وقال الشافعي : معنى هذا الحديث ما الحزم ، والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده فيستحب تعجيلها ، وأن يكتبها في صحته ، ويشهد على ما فيها ، ويكتب فيها ما يحتاج إليه ، فإن تجدد أمر يحتاج إلى الوصية به ألحقه بها ، وقال النووي : قالوا : لا يكلف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجريان الأمور المتكررة ، ولا يقتصر على الكتابة ، بل لا يعمل بها ، ولا ينتفع إلا إذا كان أشهد عليه بها ، هذا مذهبنا ، ومذهب الجمهور ، ( فإن قلت ) : من أين اشتراط الإشهاد وإضمار الإشهاد فيه بعد ، ( قلت ) : استدل على اشتراط الإشهاد بأمر خارج لقوله تعالى شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية فإنه يدل على اشتراط الإشهاد في الوصية ، وقال القرطبي : الكتابة مبالغة في زيادة التوثيق ، وإلا فالوصية المشهود بها متفق عليها ، ولو لم تكن مكتوبة ، وفيه الندب إلى التأهب للموت ، والاحتراز قبل الفوت ; لأن الإنسان لا يدري متى يفجأه الموت ، وفيه يستدل بقوله : له شيء ، أو له مال على صحة الوصية بالمنافع ، وهو قول الجمهور ، ومنعه ابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، وداود الظاهري ، وأتباعه ، واختاره ابن عبد البر ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية