صفحة جزء
30 (باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك; لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنك امرؤ فيك جاهلية، وقول الله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .


الكلام فيه على وجوه: الأول: وجه المناسبة بين البابين ظاهر لأن المذكور في الباب الأول كفران العشير وهو أيضا من جملة المعاصي. الثاني: يجوز في باب التنوين والإضافة إلى الجملة التي بعده لأن قوله " المعاصي " مبتدأ، وقوله " من أمر الجاهلية " خبره، وعلى كل تقدير تقديره هذا باب في بيان أن المعاصي من أمور الجاهلية. الثالث: وجه الترجمة هو الرد على الرافضة والإباضية وبعض الخوارج في قولهم: إن المذنبين من المؤمنين مخلدون في النار بذنوبهم، وقد نطق القرآن بتكذيبهم في مواضع منها قوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به الآية. الرابع: قوله " المعاصي " جمع معصية وهي مصدر ميمي، وفي (الصحاح): وقد عصاه بالفتح يعصيه عصيا ومعصية، وفي الشرع هو مخالفة الشارع بترك واجب أو فعل محرم، وهو أعم من الكبائر والصغائر، والجاهلية زمان الفترة قبل الإسلام; سميت بذلك لكثرة جهالاتهم; قوله " ولا يكفر " بضم الياء وتشديد الفاء المفتوحة أي لا ينسب إلى الكفر، وفي رواية أبي الوقت بفتح الياء وسكون القاف; قوله " بارتكابها " أي بارتكاب المعاصي، وأراد بالارتكاب الاكتساب [ ص: 204 ] والإتيان بها عنده، واستدل على ذلك بما في حديث أبي ذر من قوله عليه السلام "إنك امرؤ فيك جاهلية "، وبقوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به الآية، أما وجه الاستدلال بما في الحديث فهو أنه قال له فيك جاهلية يعني أنك في تعيير أمه على خلق من أخلاق الجاهلية ولست جاهلا محضا، وكان أبو ذر قد عير الرجل بأمه على ما يجيء بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى، وهو نوع من المعصية ولو كان مرتكب المعصية يكفر لبين النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر ولم يكتف بقوله في الإنكار عليه " إنك امرؤ فيك جاهلية "، وأما الاستدلال بالآية فظاهر صريح، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة.

وأما عند الخوارج فالكبيرة موجبة للكفر، وعند المعتزلة موجبة للمنزلة بين المنزلتين صاحبها لا مؤمن ولا كافر، وقال الكرماني: فإن قلت: المفهوم من الآية أن مرتكب الشرك لا يغفر له لا أنه يكفر، والترجمة إنما هي في الكفر لا في الغفر. قلت: الكفر وعدم الغفر عندنا متلازمان نعم عند المعتزلة صاحب الكبيرة الذي لم يتب منها غير مغفور له بل يخلد في النار، ففي الكلام لف ونشر، ومذهب أهل الحق على أن من مات موحدا لا يخلد في النار وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما ارتكب، وقد جاءت به الأحاديث الصحيحة منها قوله عليه السلام ( وإن زنى وإن سرق )، والمراد بهذه الآية من مات على الذنوب من غير توبة، ولو كان المراد من تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة بين الشرك وغيره معنى إذ التائب من الشرك قبل الموت مغفور له ويقال: المراد بالشرك في هذه الآية الكفر; لأن من جحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مثلا كان كافرا ولو لم يجعل مع الله إلها آخر، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف، وقد يرد الشرك ويراد به ما هو أخص من الكفر كما في قوله تعالى: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين

قوله " إلا بالشرك " أي إلا بارتكاب الشرك حتى يصح الاستثناء من الارتكاب، وقال النووي: قال: بارتكابها احترازا من اعتقادها لأنه لو اعتقد حل بعض المحرمات المعلومة من الدين ضرورة كالخمر كفر بلا خلاف.

الخامس: سبب نزول الآية قضية الوحشي قاتل حمزة رضي الله عنه على ما روي عن ابن عباس قال: أتى وحشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أتيتك مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد كنت أحب أن أراك على غير جوار، فأما إذ أتيتني مستجيرا فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله، قال: فإني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله وزنيت، فهل يقبل الله تعالى مني توبة؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنزلت: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق إلى آخر الآية، فتلاها عليه، فقال: أرى شرطا فلعلي لا أعمل صالحا أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فدعا به فتلاها عليه، فقال: لعلي ممن لا يشاء الله، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله فقال: نعم، الآن لا أرى شرطا، فأسلم).

التالي السابق


الخدمات العلمية