صفحة جزء
3354 54 - حدثني ابن بكير، قال: حدثني الليث، عن خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: سمعت أنس بن مالك يصف النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان ربعة من القوم، ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون، ليس بأبيض أمهق ولا آدم، ليس بجعد قطط، ولا سبط رجل، أنزل عليه وهو ابن أربعين، فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه، وبالمدينة عشر [ ص: 105 ] سنين، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء، قال ربيعة: فرأيت شعرا من شعره، فإذا هو أحمر، فسألت فقيل: احمر من الطيب.


مطابقته للترجمة ظاهرة، وابن بكير هو يحيى بن بكير تصغير بكر، وهو منسوب إلى جده؛ لأنه يحيى بن عبد الله بن بكير أبو زكريا المخزومي المصري، والليث هو ابن سعد المصري، وخالد هو ابن يزيد الجمحي الإسكندراني أبو عبد الرحيم الفقيه المفتي، وسعيد بن أبي هلال الليثي المدني، وربيعة بن أبي عبد الرحمن بن فروخ الفقيه المدني المعروف بربيعة الرأي.

والحديث أخرجه البخاري أيضا عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، وفي اللباس عن إسماعيل، عن مالك. وأخرجه مسلم في فضائل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك، وعن يحيى بن أيوب وقتيبة، وعلي بن حجر، وعن القاسم بن زكرياء. وأخرجه الترمذي في المناقب، عن قتيبة، عن مالك. وعن إسحاق بن موسى، عن معن، عن مالك. وأخرجه النسائي في الزينة، عن قتيبة، عن مالك به مختصرا.

(ذكر معناه). قوله: " كان ربعة "، بفتح الراء، وسكون الباء الموحدة، أي: مربوعا، والتأنيث باعتبار النفس، يقال: رجل ربعة، وامرأة ربعة. قوله: " ليس بالطويل ولا بالقصير "، تفسير ربعة، أي: ليس بالطويل الباين المفرط في الطول مع اضطراب القامة. قال الأخفش: هو عيب في الرجال والنساء، وسيأتي في حديث البراء عن قريب، أنه كان مربوعا، ووقع في حديث أبي هريرة عند الذهلي في الزهريات بإسناد حسن: كان ربعة، وهو إلى الطول أقرب . قوله: " أزهر اللون "، أي: أبيض مشرب بحمرة، وقد وقع ذلك صريحا في مسلم من حديث أنس من وجه آخر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أبيض مشربا بياضه بحمرة، وقيل: الأزهر أبيض اللون ناصعا. قوله: " ليس بأبيض أمهق " كذا وقع في الأصول، ووقع عند الداودي تبعا لرواية المروزي: أمهق ليس بأبيض. وقال الكرماني: أمهق أبيض لا في الغاية، وهو معنى ليس بأبيض. وقال رؤبة: المهق خضرة الماء، ولم يوجد لفظ أمهق في بعض النسخ، وهو الأظهر، وفي الموعب: الأمهق البياض الجصي، وكذلك الأمقه، وقيل: هو بياض في زرقة، وامرأة مهقاء، ومقهاء. وقال بعضهم: هما الشديدا البياض، وعن ابن دريد: هو بياض سمج لا يخالطه حمرة ولا صفرة، وفي التهذيب: بياض ليس بنير، وفي الجامع: بياض شديد مفتح، وقيل: هو شدة الخضرة. وقال عياض: من روى أنه ليس بالأبيض، ولا الآدم فقد وهم، وليس بصواب، ورد عليه بأن المراد أنه ليس بالأبيض الشديد البياض، ولا بالآدم الشديد الأدمة، وإنما يخالط بياضه الحمرة، والعرب قد تطلق على من كان كذلك أسمر، ولهذا جاء في حديث أنس أخرجه أحمد، والبزار، وابن منده بإسناد صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أسمر ، وفيه روايات كثيرة مختلفة، فعند النظر يظهر من مجموعها أن المراد بالسمرة الحمرة التي تخالط البياض، وأن المراد بالبياض المثبت ما يخالط الحمرة، والمنفي ما لا يخالطه، وهو الذي تكرهه العرب، وتسميه أمهق، وبهذا يظهر أن رواية المروزي: أمهق ليس بأبيض مقلوبة على أنه يمكن توجيهه بما ذكرناه عن الكرماني آنفا.

قوله: " ليس بجعد قطط "، الجعد بفتح الجيم، وسكون العين المهملة، والقطط بفتحتين، والجعودة في الشعر أن لا يتكسر ولا يسترسل، والقطط شديد الجعودة، وفي التلويح: الشعر القطط شبيه بشعر السودان. قوله: " ولا سبط "، بفتح السين المهملة، وكسر الباء الموحدة من السبوطة، وهي ضد الجعودة، والحاصل أنه وسط بين الجعودة والسبوطة، ويقال: يعني شعره ليس بهاتين الصفتين، وإنما فيه جعدة بصقلة. قوله: " رجل "، بفتح الراء، وكسر الجيم، وقيل: بفتحها، وقيل: بسكونها، وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو رجل، أي: مسترسل، وقيل: منسرح. وفي حديث الترمذي عن علي رضي الله تعالى عنه، ولم يكن بالجعد القطط، ولا بالسبط كان جعدا رجلا، ووقع عند الأصيلي: رجل بالجر، قيل: إنه وهم، ويمكن توجيهه على أنه جر بالمجاورة، ويروى في بعض الروايات: رجل، بفتح اللام، وتشديد الجيم على أنه فعل ماض، فإن صحت هذه الرواية فلا يظهر وجه وقوع هكذا إلا بتعسف. قوله: " أنزل عليه "، يعني: الوحي. وفي رواية مالك: بعثه الله. قوله: " وهو ابن أربعين سنة "، جملة حالية، يعني: وعمره أربعون سنة، وهو قول الأكثرين، وقيل: أنزل عليه الوحي بعد أربعين سنة، وعشرة أيام، وقيل: وشهرين، وذلك يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، وقيل: [ ص: 106 ] لسبع، وقيل: لأربع وعشرين ليلة منه فيما ذكره ابن عساكر، وعن أبي قلابة: نزل عليه الوحي لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، وعند المسعودي: يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول، وعند ابن إسحاق: ابتدأ بالتنزيل يوم الجمعة من رمضان بغتة، وعمره أربعون سنة وعشرون يوما، وهو تاسع شباط لسبعمائة وأربعة وعشرين عاما من سني ذي القرنين. وقال ابن عبد البر: يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الفيل، وقيل: في أول ربيع، وفي تاريخ يعقوب بن سفيان الفسوي: على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة، وعن مكحول: أوحي إليه بعد اثنتين وأربعين سنة. وقال الواقدي وابن أبي عاصم، والدولابي في تاريخه: نزل عليه القرآن، وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وفي تاريخ أبي عبد الرحمن العتقي، وهو ابن خمس وأربعين سنة لسبع وعشرين من رجب، قاله الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، وجمع بين هذه الأقوال والأول بأن ذلك حين حمي الوحي وتتابع، وعند الحاكم مصححا أن إسرافيل عليه السلام وكل به ثلاث سنين قبل جبريل صلى الله عليه وسلم ، وأنكر ذلك الواقدي. وقال: أهل العلم ببلدنا ينكرون أن يكون وكل به غير جبريل صلى الله عليه وسلم، وزعم السهيلي أن إسرافيل، وكل به صلى الله عليه وسلم تدربا وتدريجا لجبريل كما كان أول نبوته الرؤيا الصادقة. قوله: " فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه "، أي: الوحي، وهذا يقتضي أنه عاش ستين سنة، وأخرج مسلم من وجه آخر عن أنس، أنه صلى الله عليه وسلم عاش ثلاثا وستين سنة، وهو موافق لحديث عائشة الذي مضى عن قريب، وبه قال الجمهور، والله أعلم.

قوله: " وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء "، يعني: دون ذلك، (فإن قلت): روى ابن إسحاق بن راهويه، وابن حبان، والبيهقي من حديث ابن عمر: كان شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من عشرين شعرة بيضاء في مقدمه، فهذا وحديث أنس يقتضي أن يكون أكثر من عشرة إلى ما دون عشرين، وحديث عبد الله بن بسر الماضي يدل على أنها كانت عشرة؛ لأنه قال: عشر شعرات بصيغة جمع القلة، وقد ذكرنا عن قريب أن جمع القلة لا يزيد على عشرة، قلت: التوفيق بين هذا أن حديث ابن بسر في شعرات عنفقته، وما زاد على ذلك يكون في صدغيه كما في حديث البراء رضي الله تعالى عنه.

(فإن قلت): روى ابن سعد بإسناد صحيح، عن حميد، عن أنس ، في أثناء حديث قال : لم يبلغ ما في لحيته من الشعر عشرين شعرة . قال حميد: وأومأ إلى عنفقته سبع عشرة، وروي أيضا بإسناد صحيح، عن ثابت، عن أنس قال: ما كان في رأس النبي صلى الله عليه وسلم ولحيته إلا سبع عشرة أو ثمان عشرة . وروى ابن أبي خيثمة من حديث حميد، عن أنس: لم يكن في لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون شعرة بيضاء. قال حميد: كن سبع عشرة، وروى الحاكم في المستدرك من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن أنس قال: لو عددت ما أقبل من شيبه في رأسه ولحيته ما كنت أزيدهن على إحدى عشرة. قلت: هذه أربع روايات عن أنس كلها تدل على أن شعراته البيض لم تبلغ عشرين شعرة. والرواية الثانية توضح بأن ما دون العشرين كان سبع عشرة أو ثمان عشرة فيكون كما ذكرنا: العشرة على عنفقته، والزائد عليها يكون في بقية لحيته؛ لأنه قال في الرواية الثالثة: لم يكن في لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون شعرة بيضاء، واللحية تشمل العنفقة وغيرها، وكون العشرة على العنفقة بحديث عبد الله بن بسر، والبقية بالأحاديث الأخر في بقية لحيته، وكون حميد أشار إلى عنفقته سبع عشرة ليس يفهم ذلك من نفس الحديث، والحديث لا يدل إلا على ما ذكرنا من التوفيق، وأما الرواية الرابعة التي رواها الحاكم فلا تنافي كون العشرة على العنفقة، والواحد على غيرها، وهذا الموضع موضع تأمل.

قوله: " قال ربيعة " هو موصول بالإسناد المذكور. قوله: " فسألت ". قيل: يمكن أن يكون المسؤول عنه أنسا. ويدل عليه ما رواه محمد بن عقيل أن عمر بن عبد العزيز قال لأنس: هل خضب النبي صلى الله عليه وسلم، فإني رأيت شعرا من شعره قد لون، فقال: إنما هذا الأثر قد لون من الطيب الذي كان يطيب به شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الذي غير لونه؛ فيحتمل أن يكون ربيعة سأل أنسا عن ذلك، فأجابه بقوله: احمر من الطيب، يعني: لم يخضب، والله أعلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية