صفحة جزء
33 1 - (حدثنا سليمان أبو الربيع قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر قال: حدثنا نافع بن مالك بن أبي عامر أبو سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان).


مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.

(بيان رجاله) وهم خمسة: الأول: سليمان أبو الربيع بن داود الزهراني العتكي، سكن بغداد، سمع من مالك حديثا وسمع فليح بن سليمان وإسماعيل بن زكريا عندهما وإسماعيل بن جندب عند البخاري وجماعة كثيرة عند مسلم، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم، وروى النسائي عن رجل عنه، وقال: ثقة، وقال يحيى بن معين وأبو حاتم وأبو زرعة ثقة، توفي بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومائتين.

الثاني: إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري أبو إبراهيم الزرقي مولاهم المدني قارئ أهل المدينة أخو محمد ويحيى وكثير ويعقوب بني جعفر، سمع أبا سهيل نافعا وعبد الله بن دينار وغيرهما، قال يحيى: ثقة مأمون قليل الخطأ صدوق، وقال أبو زرعة وأحمد وابن سعد: ثقة، وقال ابن سعد: كان من أهل المدينة، قدم بغداد فلم يزل بها حتى مات وهو صاحب خمس مائة حديث التي سمعها منه الناس، توفي ببغداد سنة ثمانين ومائة، روى له الجماعة.

الثالث: أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر ونافع أخو أنس والربيع وأويس وهم عمومة مالك الإمام، سمع ابن مالك وأباه وعمر بن عبد العزيز والقاسم وابن المسيب وغيرهما، روى عنه مالك وغيره، وقال أحمد وأبو حاتم: ثقة، روى له الجماعة.

الرابع: أبو أنس مالك بن أبي عامر جد مالك الإمام والد أنس والربيع ونافع وأويس حليف عثمان بن عبد الله أخي طلحة التيمي القرشي، سمع طلحة بن عبد الله عندهما وعائشة عند البخاري وعثمان عند مسلم في الوضوء والبيوع، أما في الوضوء فمن طريق وكيع عن سفيان عن أبي أنس عن عثمان رضي الله عنه، وأما في البيوع ففي باب الربا من حديث سليمان بن يسار عنه، فاستدرك الدارقطني وغيره الأول، فقال: خالف وكيعا أصحاب الثوري والحفاظ حيث رووه عن سفيان عن أبي النضر عن بسر بن سعيد عن عثمان رضي الله عنه وهو الصواب، وكذا قال الجياني : إن وكيعا توهم فيه فقال: عن أبي أنس إنما يرويه أبو النضر عن بسر بن سعيد عن عثمان، وقال مالك في (الموطأ) في الحديث الثاني: إنه بلغه عن جده عن عثمان رضي الله عنه، وقال في الإيمان في حديث طلحة: إنه سمع طلحة بن عبيد الله فأتى في طلحة بلفظ سمعت، وكذا صرح به ابن سعد، وقال: وقد روى مالك بن أبي عامر عن عمر وعثمان وطلحة بن عبيد الله وأبي هريرة وكان ثقة، وله أحاديث صالحة، وقال محمد بن سرور المقدسي: قال الواقدي: توفي سنة ثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين أو اثنتين وسبعين سنة، وكذا حكى عنه محمد بن طاهر المقدسي وأبو نصر الكلاباذي، وقال الحافظ زكي الدين المنذري: كيف يصح سماعه عن طلحة مع أنه توفي سنة ثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين واثنتين أو سبعين، فعلى هذا يكون مولده سنة أربعين من الهجرة، ولا خلاف أن طلحة قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين من الهجرة، والإسناد صحيح أخرجه الأئمة، وفيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله. قلت: فلعل السبعين صوابها التسعين وتصحفت بها، وقد ذكر أبو عمر النمري أنه توفي سنة مائة أو نحوها، فعلى هذا [ ص: 219 ] يكون مولده سنة ثمان وعشرين ويمكن سماعه منه، وقال الشيخ قطب الدين: يشكل أيضا بما رواه ابن سعد من أنه رأى عمر رضي الله عنه وتوفي عمر رضي الله عنه لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، فكيف يصح له رؤيته؟ وقال ابن سعد: أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا جرير بن حازم عن عمه جرير بن زيد عن مالك بن أبي عامر قال: شهدت عمر رضي الله عنه عند الجمرة وأصابه حجر فدماه فذكر الحديث، وفيه: فلما كان من قابل أصيب عمر رضي الله عنه، وقد نبه الحافظ المزي أيضا على هذا الوهم في الوفاة في أنها سنة ثنتي عشرة ومائة مع السن المذكور، وقال النووي في حاشية تهذيبه: إنه خطأ لا شك فيه، فإنه قد سمع عمر فمن بعده ونقل في أصل تهذيبه عن ولده الربيع أن والده هلك حين اجتمع الناس على عبد الملك، قال: يعني سنة أربع وسبعين وجزم به في (الكاشف)، والله أعلم.

الخامس: أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه، وقد مر ذكره.

(بيان الأنساب) الزهراني نسبة إلى زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نضر بن الأزد، وهو قبيل عظيم فيه بطون وأفخاذ، والعتكي في الأزد ينسب إلى العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وفي قضاعة ولخم أيضا، والزرقي بضم الزاي وفتح الراء بعدها القاف في الأنصار وفي طي، فالذي في الأنصار زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج، والذي في طي زريق بطن بن عبد بن خزيمة بن زهير بن ثعلبة بن سلامان بن ثقل بن عمرو بن الغوث بن طي، والتيمي في قبائل ففي قريش تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وفي الرباب تيم بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، وفي النمر بن قاسط تيم الله بن نمر بن قاسط، وفي شيبان بن ذهيل تيم بن شيبان، وفي ربيعة بن نزار تيم الله بن ثعلبة بن عكابة، وفي ضبة تيم بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة، وفي قضاعة تيم الله بن رفيدة بن ثور بن كلب بطن ينسب إليه التيمي.

(بيان لطائف إسناده) منها أن فيه التحديث والعنعنة، ومنها أن رجاله كلهم مدنيون إلا أبا الربيع، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي.

(بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره)، أخرجه البخاري أيضا في الوصايا عن أبي الربيع، وفي الشهادات عن قتيبة، وفي الأدب عن ابن سلام، وأخرجه مسلم في الإيمان عن قتيبة ويحيى بن أيوب، كلهم عن إسماعيل بن جعد عن أبي سهيل عن أبيه، وأخرجه الترمذي والنسائي.

(بيان اللغات); قوله " آية المنافق " أي علامته وسميت آية القرآن آية لأنها علامة انقطاع كلام عن كلام، فإن قلت: ما وزن آية؟ قلت: فيه أربعة أقوال: الأول: إن وزنها فعلة أصلها أيية قلبت الياء الأولى ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وهو مذهب الخليل. الثاني: إن وزنها فعلة أصلها أية بالتشديد قلب أول المضاعفين ألفا كما قلبت ياء في إيماء وهو مذهب الفراء. الثالث: إن وزنها فاعلة وأصلها آيية فنقصت وهو مذهب الكسائي واعترض عليه الفراء بأنها قد صغرت أيية ولو كان أصلها آيية لقيل أوية، فأجاب الكسائي بأنها صغرت تصغير الترخيم كفطيمة في فاطمة واعترض إنما ذلك يجري في الأعلام. الرابع: إن وزنها فعلة وأصلها أيية وهو مذهب الكوفيين، وقال الجوهري: والأصل أوية بالتحريك، قال سيبويه: موضع العين من الآية واو لأن ما كان موضع العين واوا واللام ياء أكثر مما موضع العين واللام ياءان مثل شويت أكثر من حييت وتكون النسبة إليه أووي، وقال الفراء هي من الفعل فاعلة، وإنما ذهبت منه اللام ولو جاءت تامة لجاءت آيية ولكنها خففت وجمع الآية آي وآيات، انتهى.

قلت: المشهور أن عينها ياء وزنها فاعة لأن الأصل آيية فحذفوا الياء الثانية التي هي لام ثم فتحوا الياء التي هي عين لأجل تاء التأنيث والنسبة إليه أيي، فافهم; قوله " كذب " الكذب هو الإخبار على خلاف الواقع، وعن ابن عرفة الكذب هو الانصراف عن الحق، وفي (الكشاف) الكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، وفي (المحكم) الكذب نقيض الصدق كذب يكذب كذبا وكذبة وكذبة هاتان عن اللحياني وكذابا ورجل كاذب وكذاب وتكذاب وكذوب وكذوبة وكذبان وكيذبان وكيذبان وكذبذب وكذبذب، قال ابن جني: أما كذبذب خفيف وكذبذب ثقيل، فهاتان لم يحكهما سيبويه، والأنثى كاذبة وكذابة وكذوب، وكذب الرجل أخبر [ ص: 220 ] بالكذب، وفي نوادر أبي مسحل قد كان ذلك ولا كذبا لك ولا تكذيب ولا كذبان ولا مكذبة ولا كذب ومعناه لا أرد عليك ولا أكذبك، وفي (المنتهى) لأبي المعاني فهو كذيب وكذبة مثل همزة، والكذب جمع كاذب مثل راكع وركع، والكذب جمع كذوب مثل صبور وصبر وقرئ: " لم تصف ألسنتكم الكذب " جعله نعتا للألسنة والأكذوبة الكذب والأكاذيب الأباطيل من الحديث وأكذبت الرجل ألفيته كاذبا وأكذبته إذا أخبرته أنه جاء بالكذب وكذبته إذا أخبرته أنه كاذب، وقال ثعلب: أكذبته وكذبته بمعنى حملته على الكذب أو وجدته كاذبا، وقال الأصمعي: أكذبته أظهرت كذبه وكذبته قلت له كذبت والتكاذب نقيض التصادق، وفي (الجامع) كذب يكذب كذبا مكسور الكاف ساكن الذال، والكذاب مخفف جمع كاذب، وفي (الصحاح) فهو كاذب ومكذبان ومكذبانة، وفي (العباب) كذب يكذب كذبا وكذبا وكذوبة وكاذبة ومكذوبة، زاد ابن الأعرابي مكذبة وكذبانا مثل عنوان وكذبى مثل بشرى، ويقال كذب كذابا، ويقال كذب كذابا بالضم والتشديد أي متناهيا، وقرأ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: (وكذبوا بآياتنا كذابا)، ويكون صفة على المبالغة كوضاء وحسان، ورجل تكذاب وتصداق أي يكذب ويصدق.

قوله " وإذا وعد " قال ابن سيده: وعده الأمر وبه عدة ووعدا وموعودا وموعدة وموعدا وموعودة، وهو من المصادر التي جاءت على مفعول ومفعولة، وقد تواعد القوم واتعدوا وواعده الوقت والموضع وواعده فوعده، وقد أوعده وتوعد، قال الفراء: يقال وعدته خيرا ووعدته شرا بإسقاط الألف، فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير وعدته، وفي الشر أوعدته، وفي الخير الوعد والعدة، وفي الشر الإيعاد والوعيد، فإذا قالوا أوعدته بالشر أثبتوا الألف مع الياء، وقال ابن الأعرابي: أوعدته خيرا وهو نادر، وفي (الصحاح) تواعد القوم أي وعد بعضهم بعضا هذا في الخير، وأما في الشر فيقال اتعدوا والإيعاد أيضا قبول الوعد، وناس يقولون ايتعد يأتعد فهو مؤتعد بالهمزة، قال ابن البري: والصواب ترك الهمزة، وكذا ذكره سيبويه وجميع النحاة. قلت: الوعد في الاصطلاح الإخبار بإيصال الخير في المستقبل والإخلاف جعل الوعد خلافا، وقيل هو عدم الوفاء به.

قوله " وإذا اؤتمن " على صيغة المجهول من الائتمان وهو جعل الشخص أمينا، وفي بعض الروايات بتشديد التاء وهو بقلب الهمزة الثانية منه واوا وإبدال الواو ياء وإدغام الياء في التاء. قوله " خان " من الخيانة وهو التصرف في الأمانة على خلاف الشرع، وقال ابن سيده: هو أن يؤتمن الإنسان فلا ينصح، يقال: خانه خونا وخيانة وخانة ومخانة واختانه ورجل خائن وخائنة وخون وخوان، الجمع خانة وخونة والأخيرة شاذة وخوان، وقد خانه العهد والأمانة، وفي (التهذيب) للأزهري: رجل خائنة إذا بولغ في وصفه بالخيانة، وفي (الجامع) للقزاز: خان فلان فلانا يخونه من الخيانة وأصله من النقص.

(بيان الإعراب); قوله " آية المنافق " كلام إضافي مبتدأ وثلاث خبره، فإن قلت: المبتدأ مفرد والثلاث جمع والتطابق شرط والقياس آيات المنافق ثلاث. قلت: لا نسلم أن الثلاث جمع، بل هو اسم جمع ولفظه مفرد على أن التقدير آية المنافق معدودة بالثلاث، وقال بعضهم: إفراد الآية إما على إرادة الجنس أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث. قلت: كيف يراد الجنس والتاء تمنع ذلك لأن التاء فيها كالتاء في تمرة، فالآية والآي كالتمرة والتمر، وقوله: أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث يشعر أنه إذا وجد فيه واحد من الثلاث لا يطلق عليه اسم المنافق وليس كذلك، بل يطلق عليه اسم المنافق غير أنه إذا وجد فيه الثلاث كلها يكون منافقا كاملا ويؤيده حديث عبد الله بن عمرو الآتي عن قريب على أن هذا القائل أخذ ما قاله من قول الكرماني والكل مدخول فيه; قوله " إذا حدث " كلمة إذا ظرف للمستقبل متضمنة معنى الشرط ويختص بالدخول على الجملة الفعلية، وقال الكرماني: فإن قلت: الجمل الشرطية بيان لثلاث أو بدل لكن لا يصح أن يقال الآية إذا حدث كذب فما وجهه؟ قلت: معناه آية المنافق كذبه عند تحديثه وذلك مثل قوله تعالى: فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا على أحد التوجيهات. قلت: تقرير كلامه أنه جعل قوله " إذا حدث كذب " بيانا لثلاث ولذلك قدره بقوله " آية المنافق " كذبه عند تحديثه كما قدر نحوه في قوله تعالى: ومن دخله كان آمنا فإن تقديره آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله. فإن قلت: كيف يصح بيان الجمع بالاثنين؟ قلت: إن الاثنين نوع من الجمع أو يكون الثالث مطويا، وقوله: لكن لا يصح أن يقال الآية إذا حدث كذب أراد أن البدل لا يصح لكون المبدل منه في حكم [ ص: 221 ] السقوط فيكون التقدير الآية إذا حدث كذب ولكن قوله لا يصح غير صحيح، إما أولا فلأن كون المبدل منه في حكم السقوط ليس على الإطلاق، وإما ثانيا فلأن تقديره بقوله الآية إذا حدث كذب ليس بتقدير صحيح، بل التقدير على تقدير البدل آية المنافق وقت تحديثه بالكذب ووقت إخلافه بالوعد ووقت خيانته بالأمانة، والمبدل منه هو لفظ ثلاث لا لفظ المنافق، فافهم.

(بيان المعاني) فيه ذكر إذا في الجمل الثلاث الدالة على تحقق الوقوع تنبيها على أن هذه عادة المنافق، وقال الخطابي: كلمة " إذا " تقتضي تكرار الفعل وفيه نظر، وفيه حذف المفاعيل الثلاثة من الأفعال الثلاثة تنبيها على العموم. وفيه عطف الخاص على العام لأن الوعد نوع من التحديث وكان داخلا في قوله " إذا حدث " ولكنه أفرده بالذكر معطوفا تنبيها على زيادة قبحه على سبيل الادعاء كما في عطف جبريل عليه السلام على الملائكة مع كونه داخلا فيهم تنبيها على زيادة شرفه لا يقال الخاص إذا عطف على العام لا يخرج من تحت العام، فحينئذ تكون الآية اثنتين لا ثلاثا لأنا نقول لازم الوعد الذي هو الإخلاف الذي قد يكون فعلا، ولازم التحديث الذي هو الكذب الذي لا يكون فعلا متغايران، فبهذا الاعتبار كان الملزومان متغايرين، فافهم.

وفيه الحصر بالعدد، فإن قلت يعارضه الحديث الآخر الذي فيه لفظ أربع. قلت: لا يعارضه أصلا; لأن معنى قوله " وإذا عاهد غدر " معنى قوله " وإذا اؤتمن خان " لأن الغدر خيانة فيما اؤتمن عليه من عهده، وقال النووي: لا منافاة بين الروايتين من ثلاث خصال كما في الحديث الأول أو أربع خصال كما في الحديث الآخر; لأن الشيء الواحد قد يكون له علامات كل واحدة منها يحصل بها صفة، ثم قد تكون تلك العلامة شيئا واحدا وقد تكون أشياء، وروى أبو أمامة موقوفا: (وإذا غنم غل، وإذا أمر عصى، وإذا لقي جبن)، وقال الطيبي: لا منافاة لأن الشيء الواحد قد يكون له علامات، فتارة يذكر بعضها وأخرى جميعها أو أكثرها، وقال القرطبي: يحتمل أن النبي عليه السلام استجد له من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده. قلت: الأولى أن يقال: إن التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص، وقال بعضهم: ليس بين الحديثين تعارض لأنه لا يلزم من عد الخصلة كونها علامة على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ما يدل على عدم إرادة الحصر، فإن لفظه: (من علامة المنافق ثلاث)، وكذا أخرج الطبراني في (الأوسط) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وإذا حمل اللفظ الأول على هذا لم يرد السؤال فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت وببعضها في وقت آخر. قلت: ولا فرق بين الخصلة والعلامة لأن كلا منهما يستدل به على الشيء وكيف ينفي هذا القائل الملازمة الظاهرة، وقوله: على أن في رواية مسلم... إلخ ليس بجواب طائل بل المعارضة ظاهرة بين الروايتين ودفعها بما ذكرناه، وحمل اللفظ الأول على هذا لا يصح من جهة التركيب، فافهم.

(بيان استنباط الأحكام) استنبط من هذه العلامات الثلاث صفة المنافق وجه الانحصار على الثلاث هو التنبيه على فساد القول والفعل والنية، فبقوله " إذا حدث كذب " نبه على فساد القول، وبقوله " إذا اؤتمن خان " نبه على فساد الفعل، وبقوله " إذا وعد أخلف " نبه على فساد النية لأن خلف الوعد لا يقدح إلا إذا عزم عليه مقارنا بوعده، أما إذا كان عازما ثم عرض له مانع أو بدا له رأي، فهذا لم توجد فيه صفة النفاق، ويشهد لذلك ما رواه الطبراني بإسناد لا بأس به في حديث طويل من حديث سلمان رضي الله عنه: ( إذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يخلف )، وكذا قال في باقي الخصال، وقال العلماء: يستحب الوفاء بالوعد بالهبة وغيرها استحبابا مؤكدا، ويكره إخلافه كراهة تنزيه لا تحريم، ويستحب أن يعقب الوعد بالمشيئة ليخرج عن صورة الكذب ويستحب إخلاف الوعيد إذا كان التوعد به جائزا، ولا يترتب على تركه مفسدة.

واعلم أن جماعة من العلماء عدوا هذا الحديث من المشكلات من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدق بقلبه ولسانه مع أن الإجماع حاصل على أنه لا يحكم بكفره ولا بنفاق يجعله في الدرك الأسفل من النار. قلت: ذكروا فيه أوجها: الأول: ما قاله النووي ليس في الحديث إشكال إذ معناه أن هذه الخصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافق في هذه ومتخلق بأخلاقهم، إذ النفاق إظهار ما يبطن خلافه وهو موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه خاصا في حق من حدثه ووعده وائتمنه لا أنه منافق في الإسلام مبطن للكفر. الثاني: ما قاله بعضهم هذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه، وأما من ندر [ ص: 222 ] ذلك منه فليس داخلا فيه. الثالث: ما قاله الخطابي هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم تحذير من اعتاد هذه الخصال خوفا أن يفضي به إلى النفاق دون من وقعت نادرة منه من غير اختيار أو اعتياد، وقد جاء في الحديث: (التاجر فاجر وأكثر منافقي أمتي قراؤها)، ومعناه التحذير من الكذب إذ هو في معنى الفجور فلا يوجب أن يكون التجار كلهم فجارا، والقراء قد يكون من بعضهم قلة إخلاص للعمل وبعض الرياء وهو لا يوجب أن يكونوا كلهم منافقين، وقال أيضا: والنفاق ضربان: أحدهما أن يظهر صاحبه الدين وهو مبطن للكفر وعليه كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والآخر ترك المحافظة على أمور الدين سرا ومراعاتها علنا، وهذا أيضا يسمى نفاقا كما جاء: (سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر)، وإنما هو كفر دون كفر وفسق دون فسق كذلك هو نفاق دون نفاق. الرابع: ما قاله بعضهم ورد الحديث في رجل بعينه منافق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول فيقول فلان منافق، بل يشير إشارة كقوله عليه السلام: (ما بال أقوام يفعلون كذا)، فههنا أشار بالآية إليه حتى يعرف ذلك الشخص بها.

الخامس: ما قاله بعضهم المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حدثوا بأنهم آمنوا فكذبوا واؤتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوه في نصرة الدين فأخلفوا. قال القاضي: وإليه مال كثير من أئمتنا وهو قول عطاء بن أبي رباح في تفسير الحديث، وإليه رجع الحسن البصري وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير رضي الله عنهم، ورووا في ذلك حديثا: (يروى أن رجلا قال لعطاء: سمعت الحسن يقول: من كان فيه ثلاث خصال لم أتحرج أن أقول إنه منافق: من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان)، فقال عطاء: إذا رجعت إلى الحسن فقل له: إن عطاء يقرئك السلام ويقول لك: اذكر إخوة يوسف عليه السلام.

واعلم أنه لن يخلق أهل الإسلام أن يكون فيهم الخيانة والخلف ونحن نرجو أن يعيذهم الله من النفاق، وما استقر اسم النفاق قط إلا في قلب جاحد، وقد قال الله في حق المنافقين: ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فذكر زوال الإسلام عن قلوبهم ونحن نرجو أن لا يزول عن قلوب المؤمنين فأخبر الحسن، فقال: جزاك الله خيرا ثم قال لأصحابه: إذا سمعتم مني حديثا فحدثتم به العلماء فما كان غير صواب فردوا علي جوابه.

وروي أن سعيد بن جبير أهمه هذا الحديث فسأله ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم فقالا: أهمنا من ذلك يا ابن أخي مثل الذي أهمك فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك النبي عليه السلام، وقال: ما لكم ولهن، إنما خصصت به المنافقين، أما قولي إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله تعالى علي: إذا جاءك المنافقون الآية، أفأنتم كذلك؟ قلنا: لا، قال: فلا عليكم أنتم من ذلك براء، وأما قولي: إذا وعد أخلف فذلك قوله تعالى: ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله الآيات الثلاث، أفأنتم كذلك؟ قلنا: لا، قال: لا عليكم أنتم من ذلك براء، وأما قولي: إذا اؤتمن خان فذلك فيما أنزل الله تعالى علي: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال الآية، فكل إنسان مؤتمن على دينه يغتسل من الجنابة ويصلي ويصوم في السر والعلانية، والمنافق لا يفعل ذلك إلا في العلانية، أفأنتم كذلك؟ قلنا: لا، قال: لا عليكم أنتم من ذلك براء.

السادس: ما قاله حذيفة: ذهب النفاق وإنما كان النفاق على عهد رسول الله عليه السلام، ولكنه الكفر بعد الإيمان، فإن الإسلام شاع وتوالد الناس عليه، فمن نافق بأن أظهر الإسلام وأبطن خلافه فهو مرتد. السابع: ما قاله القاضي إن المراد التشبيه بأحوال المنافقين في هذه الخصال في إظهار خلاف ما يبطنون لا في نفاق الإسلام العام، ويكون نفاقه على من حدثهم ووعدهم وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس. الثامن: ما قاله القرطبي: إن المراد بالنفاق نفاق العمل واستدل له بقول عمر لحذيفة رضي الله عنهما: هل تعلم في شيئا من النفاق، فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل. قلت: الألف واللام في النفاق لا يخلو إما أن تكون للجنس أو للعهد، فإن كانت للجنس يكون على سبيل التشبيه والتمثيل لا على الحقيقة، وإن كانت للعهد يكون من منافق خاص بعينه أو من المنافقين الذين كانوا في زمنه عليه السلام على ما ذكرنا.

التالي السابق


الخدمات العلمية