صفحة جزء
3622 318 - حدثنا أبو النعمان، حدثنا أبو عوانة، عن بيان أبي بشر، عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تكلم فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، قال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش، قالت: من أي قريش أنت؟ قال: إنك لسئول، أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم، قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رءوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى، قال: فهم أولئك على الناس.


مطابقته للترجمة في قوله " هذا من عمل الجاهلية وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي، وأبو عوانة بفتح العين المهملة الوضاح بن عبد الله اليشكري، وبيان بفتح الباء الموحدة وتخفيف الياء آخر الحروف ابن بشر المكنى بأبي بشر الأحمسي المعلم الكوفي، وابن أبي حازم بالحاء المهملة وبالزاي اسمه عوف قدم إلى المدينة طالبا النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بعدما قبض، وقد مر غير مرة.

قوله: " دخل أبو بكر " يعني الصديق رضي الله تعالى عنه. قوله: " من أحمس " بالمهملتين وفتح الميم وهي قبيلة من بجيلة، ورد على ابن التين في قوله امرأة من الحمس وهم من قريش. قوله: " يقال لها زينب " هي بنت المهاجر، روى حديثها محمد بن سعد في (الطبقات) من طريق عبد الله بن جابر الأحمسي عن عمته زينب بنت المهاجر قالت: خرجت حاجة فذكر هذا [ ص: 291 ] الحديث، وذكر ابن منده في (تاريخ النساء) له أن زينب بنت جابر أدركت النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -، وروت عن أبي بكر، وروى عنها عبد الله بن جابر وهي عمته، قال: وقيل: هي بنت المهاجر بن جابر، وذكر الدارقطني في (العلل) أن في رواية شريك وغيره عن إسماعيل بن أبي خالد في حديث الباب أنها زينب بنت عوف، قال: وذكر ابن عيينة عن إسماعيل أنها جدة إبراهيم بن المهاجر، قيل: الجمع بين هذه الأقوال ممكن بأن من قال: بنت المهاجر نسبها إلى أبيها، وبنت جابر نسبها إلى جدها الأدنى، أو بنت عوف نسبها إلى جدها الأعلى.

قوله: " مصمتة " بلفظ اسم الفاعل بمعنى صامتة يعني ساكتة، يقال: أصمت إصماتا وصمت صموتا وصمتا وصماتا والاسم الصمت بالضم. قوله: " فإن هذا " أي: ترك الكلام لا يحل. قوله: " هذا " أي الصمات من عمل الجاهلية، وقد احتج بهذا على أن من حلف لا يتكلم استحب له أن يتكلم، ولا كفارة عليه؛ لأن أبا بكر لم يأمرها بالكفارة، وقال ابن قدامة في (المغني): ليس من شريعة الإسلام صمت الكلام، وظاهر الأخبار تحريمه، واحتج بحديث أبي بكر وبحديث علي رضي الله تعالى عنه يرفعه: " لا يتم بعد احتلام، ولا يصمت يوم إلى الليل " أخرجه أبو داود وقال: فإن نذر ذلك لم يلزمه الوفاء، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافا، (فإن قلت): روى الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: من صمت نجا، وأخرج ابن أبي الدنيا مرسلا برجال ثقاة: " أيسر العبادة الصمت ". (قلت): الصمت المباح المرغوب فيه ترك الكلام الباطل، وكذا المباح الذي يجر إلى شيء من ذلك، والصمت المنهي عنه ترك الكلام عن الحق لمن يستطيعه، وكذا المباح الذي يستوي طرفاه. قوله: " إنك " بكسر الكاف لأنه خطاب لزينب المذكورة. قوله: " لسئول " أي: كثيرة السؤال، وصيغة فعول يستوي فيها المذكر والمؤنث، واللام فيه للتأكيد. قوله: " الأمر الصالح " أي: دين الإسلام، وما اشتمل عليه من العدل واجتماع الكلمة ونصر المظلوم، ووضع كل شيء في محله. قوله: " بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم " وقت البقاء بالاستقامة إذ هم باستقامتهم تقام الحدود وتؤخذ الحقوق ويوضع كل شيء في موضعه، وفي رواية الكشميهني: "ما استقامت لكم".

وقال المغيرة: كنا في بلاء شديد نعبد الشجر والحجر ونمص الجلد والنوى من الجوع، فبعث إلينا رب السماوات رسولا منا فأمرنا بعبادة الله وحده وترك ما يعبد آباؤنا، وذكر الحديث، وما كانوا عليه على عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه من الأمر واجتماع الكلمة وأن لا يظلم أحد أحدا.

التالي السابق


الخدمات العلمية