صفحة جزء
397 69 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه ، فقام فحكه بيده ، فقال : إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه - أو إن ربه بينه وبين القبلة - فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته ، ولكن عن يساره أو تحت قدميه . ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض ، فقال : أو يفعل هكذا .
[ ص: 149 ] مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهذا الإسناد بعينه تقدم في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله .

( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في باب كفارة البزاق في المسجد ، وفي باب : إذا بدره البزاق ، وفي باب : لا يبصق عن يمينه في الصلاة ، وفي باب : ليبصق عن يساره ، وفي باب : ما يجوز من البزاق ، وفي باب : المصلي يناجي ربه . وأخرجه مسلم أيضا ، وأخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي ، وفي هذا الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وعائشة يأتي عن قريب ، وحديث النسائي عن أنس قال : رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نخامة في قبلة المسجد فغضب حتى احمر وجهه ، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها وجعلت مكانها خلوقا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أحسن هذا ! وفي كتاب المساجد لأبي نعيم : من ابتلع ريقه إعظاما للمسجد ولم يمح اسما من أسماء الله تعالى ببزاق كان من خيار عباد الله . وفي سنده ضرار بن عمرو وفيه كلام ، وذكر ابن خالويه في هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى النخامة في المحراب قال : من إمام هذا المسجد ؟ قالوا : فلان . قال : قد عزلته . فقالت امرأته : لم عزل النبي - صلى الله عليه وسلم - زوجي عن الإمامة ؟ فقال : رأى نخامة في المسجد . فعمدت إلى خلوق طيب فخلقت به المحراب فاجتاز عليه الصلاة والسلام بالمسجد فقال : من فعل هذا ؟ قال : امرأة الإمام . قال : قد وهبت ذنبه لامرأته ورددته إلى الإمامة . فكان هذا أول خلوق كان في الإسلام .

( ذكر معناه ) : قوله ( نخامة ) بضم النون النخاعة ، وقد ذكره البخاري بهذا اللفظ في باب الالتفات ، يقال : تنخم الرجل إذا تنخع ، وفي المطالع : النخامة ما يخرج من الصدر وهو البلغم اللزج . وفي النهاية : النخامة البزقة التي تخرج من الرأس ، ويقال : النخامة ما يخرج من الصدر ، والبصاق ما يخرج من الفم ، والمخاط ما يسيل من الأنف .

قوله ( في القبلة ) ؛ أي : في حائط من جهة قبلة المسجد .

قوله ( حتى رؤي في وجهه ) بضم الراء وكسر الهمزة وفتح الياء ؛ أي : شوهد أثر المشقة في وجهه صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرنا أن في رواية النسائي : " فغضب حتى احمر وجهه " ، وللبخاري في الأدب من حديث ابن عمر : فتغيظ على أهل المسجد .

قوله ( إذا قام في صلاته ) ، الفرق بين قام في الصلاة وقام إلى الصلاة أن الأول يكون بعد الشروع والثاني عند الشروع .

قوله ( فإنه ) الفاء فيه جواب " إذا " ، والجملة الشرطية قائمة مقام خبر المبتدأ .

قوله ( يناجي ربه ) من المناجاة ، قال النووي : المناجاة إشارة إلى إخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى . قلت : المناجاة والنجوى هو السر بين الاثنين ، يقال : ناجيته إذا ساررته ، وكذلك نجوت نجوى ، ومناجاة الرب مجاز لأن القرينة صارفة عن إرادة الحقيقة ، إذ لا كلام محسوسا إلا من طرف العبد ، فيكون المراد لازم المناجاة وهو إرادة الخير ، ويجوز أن تكون من باب التشبيه ؛ أي : كأنه ربه ينادي ، والتحقيق فيه أنه شبه العبد وتوجهه إلى الله تعالى في الصلاة وما فيها من القراءة والأذكار وكشف الأسرار واستنزال رحمته ورأفته مع الخضوع والخشوع بمن يناجي مولاه ومالكه ، فمن شرائط حسن الأدب أن يقف محاذيه ويطرق رأسه ولا يمد بصره إليه ويراعي جهة أمامه حتى لا يصدر من تلك الهيئات شيء وإن كان الله تعالى منزها عن الجهات ؛ لأن الآداب الظاهرة والباطنة مرتبط بعضها ببعض .

قوله ( أو أن ربه بينه وبين القبلة ) ، كذا هو بالشك في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي والحموي بواو العطف ، ولا يصح حمل هذا الكلام على ظاهره ؛ لأن الله تعالى منزه عن الحلول في المكان ، فالمعنى على التشبيه ؛ أي : كأنه بينه وبين القبلة ، وكذا معنى قوله في الحديث الذي بعده : " فإن الله قبل وجهه " . وقال الخطابي : معناه أن توجهه إلى القبلة مفض بالقصد منه إلى ربه ، فصار في التقدير كأن مقصوده بينه وبين قبلته ، فأمر أن تصان تلك الجهة عن البزاق ونحوه من أثقال البدن .

قوله ( قبل ) بكسر القاف وفتح الباء الموحدة ؛ أي : جهة القبلة .

قوله ( أو تحت قدمه اليسرى ) كما في حديث أبي هريرة ؛ أي : في الباب الذي بعده ، وزاد أيضا من طريق همام عن أبي هريرة : " فيدفنها " كما سيأتي إن شاء الله تعالى .

قوله ( ثم أخذ طرف ردائه . . . ) إلخ ، فيه البيان بالفعل ليكون أوقع في نفس السامع .

قوله ( أو يفعل هكذا ) عطف على المقدر بعد حرف الاستدراك ؛ أي : ولكن يبزق عن يساره أو يفعل هكذا ، وليست كلمة " أو " هاهنا للشك ، بل للتنويع ، ومعناه أنه مخير بين هذا وهذا .

( ذكر ما يستنبط منه ) : فيه تعظيم المساجد عن أثقال البدن وعن القاذورات بالطريق الأولى ، وفيه احترام جهة القبلة ، وفيه إزالة البزاق وغيره من الأقذار من المسجد ، وفيه أنه إذا بزق يبزق عن يساره ولا يبزق أمامه تشريفا [ ص: 150 ] للقبلة ولا عن يمينه تشريفا لليمين ، وجاء في رواية البخاري : فإن عن يمينه ملكا . وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح : لا يبزق عن يمينه فعن يمينه كاتب الحسنات ، ولكن يبزق عن شماله أو خلف ظهره وقوله : " فإن عن يمينه ملكا " دليل على أنه لا يكون حالتئذ عن يساره ملك لأنه في طاعة . ( فإن قلت ) : يخدش في هذا قوله صلى الله عليه وسلم : إن الكرام الكاتبين لا يفارقان العبد إلا عند الخلاء والجماع ! قلت : هذا حديث ضعيف لا يحتج به ، قال النووي : هذا في غير المسجد ، أما فيه فلا يبزق إلا في ثوبه . قلت : وسياق الحديث على أنه في المسجد .

واعلم أن البصاق في المسجد خطيئة مطلقا سواء احتاج إليه أم لا ، فإن احتاج يبزق في ثوبه ، فإن بزق في المسجد يكون خطيئة وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفنه . وقال القاضي عياض : البزاق ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه ، فأما من أراد دفنه فليس بخطيئة ، وهذا غير صحيح والحق ما ذكرناه .

واختلفوا في المراد بدفنه ؛ فالجمهور على أنه الدفن في تراب المسجد ورمله وحصياته إن كانت فيه هذه الأشياء وإلا يخرجها ، وعن أصحاب الشافعي قولان ؛ أحدهما إخراجه مطلقا وهو المنقول عن الروياني ، فإن لم تكن للمساجد تربة وكانت ذات حصير فلا يجوز احتراما للمالية ، وفيه أن البزاق طاهر وكذا النخامة طاهرة ، وليس فيه خلاف إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي ؛ يقول : البزاق نجس . وقال القرطبي : الحديث دال على تحريم البصاق في القبلة ، فإن الدفن لا يكفيه . قيل : هو كما قال ، وقيل : دفنه كفارته ، وقيل : النهي فيه للتنزيه ، والأصح أنه للتحريم . وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان من حديث حذيفة مرفوعا : من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه . وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر مرفوعا : يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه . وروى أبو داود من حديث أبي سهلة السائب بن خلاد قال أحمد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : إن رجلا أم قوما فبصق في القبلة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين فرغ : لا يصلي لكم . فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : نعم ، وحسبت أنه قال : إنك آذيت الله ورسوله . والمعنى أنه فعل فعلا لا يرضي الله ورسوله ، وروى أبو داود أيضا من حديث جابر أنه قال : أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجدنا هذا وفي يده عرجون ابن طاب - ذكرناه في أول الباب ، وفي رواية مسلم : ما بال أحدكم يقوم يستقبل ربه عز وجل فيتنخع أمامه ! أيحب أن يستقبل فيتنخع في وجهه ؟ الحديث . .

التالي السابق


الخدمات العلمية