صفحة جزء
42 [ ص: 250 ] 1(قال مالك: أخبرني زيد بن أسلم أن عطاء بن يسار أخبره أن أبا سعيد الخدري أخبره أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها، وكان بعد ذلك القصاص الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها).


مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لا تخفى.

(بيان رجاله) وهم أربعة: الأول: مالك بن أنس رحمه الله.

الثاني: زيد بن أسلم أبو أسامة القرشي المكي مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

الثالث: عطاء بن يسار بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة أبو محمد المدني مولى ميمونة أم المؤمنين.

الرابع: أبو سعيد سعد بن مالك الخدري، وقد مر ذكرهم.

(بيان لطائف إسناده) منها أن رواته أئمة أجلاء مشهورون. ومنها أنه مسلسل بلفظ الإخبار على سبيل الانفراد وهو القراءة على الشيخ إذا كان القارئ وحده، وهذا عند من فرق بين الإخبار والتحديث وبين أن يكون معه غيره أو لا يكون، ومنها أن فيه التصريح بسماع الصحابي من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يدفع احتمال سماعه من صحابي آخر، فافهم.

(بيان حكم الحديث) ذكره البخاري معلقا ولم يوصله في موضع في الكتاب، والبخاري لم يدرك زمن مالك فيكون تعليقا، ولكنه بلفظ جازم فهو صحيح ولا قدح فيه، وقال ابن حزم : إنه قادح في الصحة لأنه منقطع، وليس كما قال لأنه موصول من جهات أخر صحيحة ولم يذكره لشهرته، وكيف وقد عرف من شرطه وعادته أنه لا يجزم إلا بتثبت وثبوت، وليس كل منقطع يقدح فيه، فهذا وإن كان يطلق عليه أنه منقطع بحسب الاصطلاح إلا أنه في حكم المتصل في كونه صحيحا، وقد وصله أبو ذر الهروي في بعض النسخ فقال: أخبرنا النضروي وهو العباس بن الفضل، ثنا الحسين بن إدريس، ثنا هشام بن خالد، ثنا الوليد بن مسلم عن مالك به، وكذا وصله النسائي عن أحمد بن المعلى بن يزيد عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم عن مالك بن زيد بن أسلم به، وقد وصله الإسماعيلي بزيادة فيه فقال: أخبرني الحسن بن سفيان، ثنا حميد بن قتيبة الأسدي قال: قرأت على عبد الله بن نافع الصانع أن مالكا أخبره قال: وأخبرني عبد الله بن محمد بن مسلم أن أبا يونس بن عبد الأعلى حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، ثنا عبد الله بن وهب أبا مالك ابن أنس واللفظ لابن نافع عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أسلم العبد كتب الله له كل حسنة قدمها ومحا عنه كل سيئة زلفها، ثم قيل له: أيتنف العمل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة والسيئة بمثلها إلا أن يغفر الله)، وكذا أوصله الحسن بن سفيان من طريق عبد الله بن نافع، والبزار من طريق إسحاق الفروي والبيهقي في الشعب من طريق إسماعيل بن أبي أويس، كلهم عن مالك، وقال الدارقطني في كتاب (غرائب مالك): اتفق هؤلاء التسعة: ابن وهب والوليد بن مسلم وطلحة بن يحيى وزيد بن شعيب وإسحاق الفروي وسعيد الزبيري وعبد الله بن نافع وإبراهيم بن المختار وعبد العزيز بن يحيى، فرووه عن مالك عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد، وخالفهم معن بن عيسى فرواه عن مالك عن زيد عن عطاء عن أبي هريرة، وهي رواية شاذة، ورواه سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلا، وقد حفظ مالك الوصل فيه وهو أتقن لحديث أهل المدينة من غيره، وقال الخطيب : هو حديث ثابت، وذكر البزار أن مالكا تفرد بوصله، وقال ابن بطال : حديث أبي سعيد أسقط البخاري بعضه وهو حديث مشهور من رواية مالك في غير الموطأ ونصه: (إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله له بكل حسنة كان زلفها ومحا عنه كل سيئة كان زلفها)، وذكر باقيه بمعناه.

(بيان اللغات); قوله " فحسن إسلامه " معنى حسن الإسلام الدخول فيه بالظاهر والباطن جميعا، يقال في عرف الشرع حسن إسلام فلان إذا دخل فيه حقيقة، وقال ابن بطال: معناه ما جاء في حديث جبريل عليه السلام (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه)، فأراد مبالغة الإخلاص لله سبحانه وتعالى بالطاعة والمراقبة له; قوله " يكفر الله " من التكفير وهو التغطية في المعاصي كالإحباط في الطاعات، وقال الزمخشري: التكفير إماطة العقاب من المستحق بثواب [ ص: 251 ] أزيد أو بتوبة; قوله " كان زلفها " أي قربها، وقال ابن سيده: زلف الشيء وزلفه قدمه، وعن ابن الأعرابي: أزلف الشيء قربه، وفي (الجامع): الزلفة تكون القربة من الخير والشر، وفي (الصحاح): الزلف التقديم عن أبي عبيد: وتزلفوا وازدلفوا أي تقدموا، وقال الكرماني: زلفها بتشديد اللام والفاء أي أسلفها وقدمها، يقال: زلفته تزليفا وأزلفته إزلافا بمعنى التقديم، وأصل الزلفة القربة، وفي بعض نسخ المغاربة زلفها بتخفيف اللام; قلت: أزلفها بزيادة الألف رواية أبي ذر، ورواية غيره: زلفها، بدون الألف وبالتخفيف، وقال النووي: بالتشديد، ورواه الدارقطني من طريق طلحة بن يحيى عن مالك بلفظ: (ما من عبد يسلم فيحسن إسلامه إلا كتب الله كل حسنة زلفها ومحا عنه كل خطيئة زلفها) بالتخفيف فيهما، وللنسائي نحوه لكن قال: أزلفها وزلف بالتشديد وأزلف بمعنى واحد، قاله الخطابي، وفي (المحكم) أزلف الشيء قربه، وزلفه مخففا ومثقلا قدمه، وفي (المشارق): زلف بالتخفيف أي جمع وكسب، وهذا يشمل الأمرين، وأما القربة فلا تكون إلا في الخير، فإن قيل: على هذا رواية غير أبي ذر راجحة. قلت: الذي قاله الخطابي يساعد رواية أبي ذر، فافهم.

قوله " كتب الله " أي أمر أن يكتب، وروى الدارقطني من طريق زين بن شعيب عن مالك بلفظ: (يقول الله لملائكته اكتبوا); قوله " القصاص " قال الصغاني: هو القود، قلت: المراد به ههنا مقابلة الشيء بالشيء أي كل شيء يعمله يعطى في مقابله شيئا إن خيرا فخير وإن شرا فشر; قوله " ضعف " قال الجوهري: ضعف الشيء مثله وضعفاه مثلاه، وقال الكرماني: فإن قلت: فلم أوجب الفقيه فيما لو أوصى بضعف نصيب ابنه مثلي نصيبه وبضعفي نصيبه ثلاثة أمثاله؟ قلت: المعتبر في الوصايا والأقارير العرف العام لا الموضوع اللغوي، أقول الذي قاله الجوهري منقول عن أبي عبيدة، ولكن قال الأزهري: الضعف في كلام العرب المثل إلى ما زاد، وليس بمقصور على المثلين، بل جائز في كلام العرب أن تقول هذا ضعفه أي مثلاه وثلاثة أمثاله; لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة، ألا ترى إلى قوله تعالى: فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا لم يرد مثلا ولا مثلين، ولكن أراد بالضعف الأضعاف، فأقل الضعف محصور وهو المثل، وأكثره غير محصور فإذا كان كذلك يجوز أن يكون إيجاب الفقيه في المسألة المذكورة غير موضوع على العرف العام، بل لوحظ فيه اللغة.

(بيان الإعراب); قوله " يقول " في محل النصب على أنه مفعول ثان لقوله سمع على قول من يدعي أنه يتعدى إلى مفعولين، والصحيح أنه لا يتعدى، فحينئذ يكون نصبا على الحال، فإن قيل: لم لم يقل قال مناسبا لسمع مع أن القضية ماضية؟ قلت: أجيب لغرض الاستحضار كأنه يقول الآن وكأنه يريد أن يطلع الحاضرين على ذلك القول مبالغة في تحقق وقوع القول، وذلك كقوله تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون من حيث لم يقل فكان; قوله " فحسن " عطف على أسلم; قوله " يكفر الله " جزاء الشرط، أعني قوله " إذا "، ويجوز فيه الرفع والجزم كما في قول الشاعر:


وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم



وذلك إذا كان فعل الشرط ماضيا والجواب مضارعا، وعند الجزم يلتقي الساكنان فتحرك الراء بالكسر لأن الأصل في الساكن إذا حرك حرك بالكسر، ولكن الرواية ههنا بالرفع، ووقع في رواية البزار " كفر الله " بصيغة الماضي فوافق فعل الشرط، وقال بعضهم: " يكفر الله " بضم الراء لأن إذا وإن كانت من أدوات الشرط لكنها لا تجزم. قلت: هذا كلام من لم يشم من العربية شيئا، وقد قال الشاعر:


استغن ما أغناك ربك بالغنى     وإذا تصبك خصاصة فتحمل



قد جزم " إذا " قوله " تصبك "، وقد قال الفراء: تستعمل " إذا " للشرط ثم أنشد الشعر المذكور ثم قال: ولهذا جزمه; قوله " كل سيئة " كلام إضافي منصوب لأنه مفعول " يكفر الله "; قوله " كان زلفها " جملة فعلية في محل الجر لأنها صفة سيئة; قوله " وكان بعد ذلك " أي بعد حسن الإسلام القصاص وهو مرفوع لأنه اسم كان، وهو يحتمل أن تكون ناقصة وأن تكون تامة، وإنما ذكره بلفظ الماضي وإن كان السياق يقتضي لفظ المضارع لتحقق وقوعه كأنه واقع، وذلك كما في قوله تعالى: ونادى أصحاب الجنة [ ص: 252 ] قوله " الحسنة " مرفوع بالابتداء و " بعشر أمثالها " في محل الرفع على الخبرية; قوله " إلى سبعمائة " يتعلق بمحذوف ومحلها النصب على الحال، أي منتهية إلى سبعمائة; قوله " والسيئة " مبتدأ وبمثلها خبره أي لا يزاد عليها; قوله " إلا أن يتجاوز الله عنها " أي عن السيئة يعني يعفو عنها.

(بيان المعاني) فيه استعمال المضارع موضع الماضي والماضي موضع المضارع لنكات ذكرناها، وفيه الجملة الاستئنافية وهي قوله " الحسنة بعشر أمثالها "، وهي في الحقيقة جواب عن السؤال ولا محل لها من الإعراب، وقد علم أن الجملة من حيث هي هي غير معربة ولا تستحق الإعراب إلا إذا وقعت موقع المفرد، فحينئذ تكتسي إعرابه محلا، وقد نظم ابن أم قاسم النحوي الجمل التي لها محل من الإعراب والتي لا محل لها منه بثمانية أبيات وهي قوله:


جمل أتت ولها محل معرب     سبع لأن حلت محل المفرد
خبرية حالية محكية     وكذا المضاف لها بغير تردد
ومعلق عنها وتابعة لما     هو معرب أو ذو محل فاعدد
وجواب شرط جازم بالفاء أو     بإذا وبعض قال غير مقيد
وأتتك سبع ما لها من موضع     صلة ومعترض وجملة مبتدئ
وجواب أقسام وما قد فسرت     في أشهر والخلف غير مبعد
وبعيد تحضيض وبعد معلق     لا جازم وجواب ذلك أورد
وكذاك تابعة لشيء ما له     من موضع فاحفظه غير مفند



وقد نظمها الشيخ أثير الدين أبو حيان بستة أبيات وهي قوله:


وخذ جملا ستا وعشرا     فنصفها لها موضع الإعراب جاء مبينا
فوصفية حالية خبرية     مضاف إليها واحك بالقول معلنا
كذلك في التعليق والشرط والجزاء     إذا عامل يأتي بلا عمل هنا
وفي غير هذا لا محل لها كما     أتت صلة مبدوة فاتك العنا
مفسرة أيضا وحشوا كذا أتت     كذلك في التحضيض نلت به الغنا
وفي الشرط لم يعمل كذاك جوابه     جواب يمين مثله سرك المنى



قوله " الحسنة بعشر أمثالها " من قوله تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وقوله إلى سبعمائة ضعف من قوله تعالى: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء فإن قيل: بين في الحديث الانتهاء إلى سبعمائة، وقوله تعالى: والله يضاعف لمن يشاء يدل على أنه قد يكون الانتهاء إلى أكثر، والجواب أن الله يضاعف تلك المضاعفة وهي أن يجعلها سبعمائة وهو ظاهر، وإن قلنا: إن معناه أنه يضاعف السبعمائة بأن يزيد عليها أيضا فذلك في مشيئته تعالى، وأما المتحقق فهو إلى السبعمائة فقط، وفيه نظر لأنه صرح في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه البخاري في الرقاق ولفظه: (كتب الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة)، وفي كتاب العلم لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل ثنا شيبان الأيلي ثنا سويد بن حاتم، ثنا أبو العوام الجزار عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة أنه قال: (إن الله تعالى يعطي بالحسنة ألفي ألف حسنة)، وأيضا ففي جملة حديث مالك مما أسقطه البخاري: (إن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك)، فالله تعالى من فضله إذا كتب الحسنات المتقدمة قبل الإسلام، فبالأولى أن يتفضل على عبده المسلم بما شاء من غير حساب ونظير هذا الذي أسقطه البخاري ما جاء في حديث حكيم بن حزام: (أسلمت على ما أسلفت من خير)، أخرجه البخاري في الزكاة وفي العتق، ومسلم في الإيمان، فإن قلت: لم أسقط البخاري هذه الزيادة؟ قلت: قيل: إنه أسقطه عمدا، وقيل لأنه مشكل على القواعد، فقال المازري ثم القاضي وغيرهما: إن الجاري على القواعد والأصول أنه لا يصح من الكافر التقرب فلا يثاب على طاعته في شركه; لأن من شرط التقرب أن يكون عارفا بمن تقرب [ ص: 253 ] إليه والكافر ليس كذلك وأولوا حديث حكيم بن حزام من وجوه: الأول: أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (أسلمت على ما أسلفت من خير) إنك اكتسبت طباعا جميلة تنتفع بتلك الطباع في الإسلام بأن يكون لك معونة على فعل الطاعات. والثاني: اكتسبت ثناء جميلا بقي لك في الإسلام. والثالث: لا يبعد أن يزاد في حسناته التي يفعلها في الإسلام ويكثر أجره لما تقدم له من الأفعال الحميدة، وقد جاء أن الكافر إذا كان يفعل خيرا فإنه يخفف عنه به فلا يبعد أن يزاد في أجوره. والرابع: زاده القاضي وهو أنه ببركة ما سبق لك من الخير هداك الله للإسلام أي سبق لك عند الله من الخير ما حملك على فعله في جاهليتك وعلى خاتمة الإسلام، وتعقبهم النووي في (شرحه) فقال: هذا الذي ذكروه ضعيف، بل الصواب الذي عليه المحققون، وقد ادعى فيه الإجماع على أن الكافر إذا فعل أفعالا جميلة على جهة التقرب إلى الله تعالى كصدقة وصلة رحم وإعتاق ونحوها من الخصال الجميلة ثم أسلم يكتب له كل ذلك ويثاب عليه إذا مات على الإسلام، ودليله حديث أبي سعيد الخدري الذي يأتي الآن وحديث حكيم بن حزام ظاهر فيه، وهذا أمر لا يحيله العقل، وقد ورد الشرع به فوجب قبوله، وأما دعوى كونه مخالفا للأصول فغير مقبولة، وأما قول الفقهاء: لا تصح عبادة من كافر ولو أسلم، لم يعتد بها، فمرادهم لا يعتد بها في أحكام الدنيا وليس فيه تعرض لثواب الآخرة، فإن أقدم قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة فهو مجازف فيرد قوله بهذه السنة الصحيحة، وقد يعتد ببعض أفعال الكافر في الدنيا، فقال: قال الفقهاء: إذا لزمه كفارة ظهار وغيرها فكفر في حال كفره أجزأه ذلك، وإذا أسلم لا يلزم إعادتها، واختلفوا فيما لو أجنب واغتسل في كفره ثم أسلم هل يلزمه إعادة الغسل، والأصح اللزوم، وبالغ بعض أصحابنا فقال: يصح من كل كافر طهارة غسلا كانت أو وضوءا أو تيمما، وإذا أسلم صلى بها، وقد ذهب إلى ما ذهب إليه النووي إبراهيم الحربي وابن بطال والقرطبي وابن منير، وقال ابن منير: المخالف للقواعد دعوى أنه يكتب له ذلك في حال كفره، وأما أن الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنه خيرا فلا مانع منه كما لو تفضل عليه ابتداء من غير عمل، وكما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل وهو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل ألبتة جاز أن يكتب له ثواب ما عمله غير موفى الشروط، وقال ابن بطال: لله تعالى أن يتفضل على عباده بما شاء ولا اعتراض عليه.

(فوائد) منها أن فيه الحجة على الخوارج وغيرهم من الذين يكفرون بالذنوب ويوجبون خلود المذنبين في النار، ومنها أن قوله " إلا أن يتجاوز الله عنها " دليل لمذهب أهل السنة أنه تحت المشيئة إن شاء الله تجاوز عنه وإن شاء أخذه، ومنها أن فيه دليلا لهم في أن أصحاب المعاصي لا يقطع عليهم بالنار خلافا للمعتزلة، فإنهم قطعوا بعقاب صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة، ومنها ما قال بعضهم أول الحديث يرد على من أنكر الزيادة والنقص في الإيمان لأن الحسن تتفاوت درجاته. قلت: هذا كلام ساقط لأن الحسن من أوصاف الإيمان ولا يلزم من قابلية الوصف الزيادة والنقصان قابلية الذات إياهما لأن الذات من حيث هو لا يقبل ذلك كما عرف في موضعه.

التالي السابق


الخدمات العلمية