صفحة جزء
502 4 - (حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن الأعمش، قال: حدثني شقيق، قال: سمعت حذيفة قال: كنا جلوسا عند عمر رضي الله عنه، فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة؟ قلت: أنا، كما قاله، قال: إنك عليه أو عليها لجريء، (قلت): فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة، والأمر والنهي، قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقا، قال: أيكسر أم يفتح؟ قال: يكسر، قال: إذا لا يغلق أبدا، قلنا: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون الغد الليلة، إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط، فهبنا أن نسأل حذيفة، فأمرنا مسروقا فسأله، فقال: الباب عمر)


مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: (تكفرها الصلاة).

(ذكر رجاله) وهم خمسة: الأول مسدد بن مسرهد، الثاني يحيى القطان، الثالث سليمان الأعمش، الرابع شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي، الخامس حذيفة بن اليمان - رضي الله تعالى عنه.

(ذكر لطائف إسناده) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضعين، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه حدثني حذيفة رواية المستملي، وفي رواية غيره: سمعت حذيفة، وفيه بصريان، وهما مسدد ويحيى، وكوفيان: الأعمش وشقيق.

(ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره) أخرجه البخاري أيضا في الزكاة، عن قتيبة، عن جرير، وفي علامات النبوة، عن عمر بن حفص، قاله المزي في الأطراف، وهو وهم، وإنما أخرجه عن عمر بن حفص في الفتن، وفي الصوم، عن علي بن عبد الله، وأخرجه مسلم في الفتن، عن ابن نمير وأبي بكر، كلاهما، عن أبي معاوية، قاله المزي، وهو وهم، وإنما رواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن ابن نمير وأبي كريب ومحمد بن المثنى، ثلاثتهم عن أبي معاوية، فوهم في ذكره لأبي بكر، وفي إسقاطه لابن المثنى، وأخرجه الترمذي في الفتن أيضا، عن محمود بن غيلان، وأخرجه ابن ماجه فيه أيضا، عن ابن نمير، عن أبيه وأبي معاوية، كلاهما عن الأعمش به.

[ ص: 9 ] (ذكر معناه) قوله: (كنا جلوسا)؛ أي: جالسين. قوله: (في الفتنة) وهي الخبرة والإعجاب بالشيء. فتنه يفتنه فتنا وفتونا، وأفتنه، وأباها الأصمعي .

وقال سيبويه : فتنه: جعل فيه فتنة، وأفتنه: أوصل الفتنة إليه، قال: إذا قال أفتنته فقد تعرض الفتن، وإذا قال: فتنته فلم يتعرض الفتن، وحكى أبو زيد: أفتن الرجل بصيغة ما لم يسم فاعله؛ أي: فتن، والفتنة الضلال والإثم، وفتن الرجل أماله عما كان عليه، قال تعالى: وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك والفتنة الكفر، قال تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة والفتنة الفضيحة، والفتنة العذاب، والفتنة ما يقع بين الناس من القتال، ذكره ابن سيده، والفتنة: البلية، وأصل ذلك كله من الاختبار، وأنه من فتنت الذهب في النار إذا اختبرته، وفي الغريبين: الفتنة الغلو في التأويل المظلم.

وقال ابن طريف : فتنته وأفتنته، وفتن بكسر التاء فتونا: تحول من حسن إلى قبيح، وفتن إلى النساء وفتن فيهن: أراد الفجور بهن، وفي الجمهرة: فتنت الرجل أفتنه وأفتنته إفتانا، وفي الصحاح: قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: (ما أنتم عليه بفاتنين) وأهل نجد يقولون: بمفتنين من أفتنت. وزعم عياض أنها الابتلاء والامتحان، قال: وقد صار في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء، ويكون في الخير والشر، قال تعالى: ونبلوكم بالشر والخير فتنة قوله: (قلت: أنا)، كما قاله؛ أي: أحفظ كما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم. (فإن قلت): الكاف هاهنا لماذا، وهو حافظ لنفس قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا كمثله؟ (قلت): يجوز أن تكون الكاف هنا للتعليل؛ لأنها اقترنت بكلمة ما المصدرية؛ أي: أحفظ لأجل حفظ كلامه، ويجوز أن تكون للاستعلاء؛ يعني: أحفظ على ما عليه قوله. وقال الكرماني : لعله نقله بالمعنى؛ فاللفظ مثل لفظه في أداء ذلك المعنى. (قلت): حاصل كلامه يؤول إلى معنى المثلية، وهو في سؤاله نفي المثلية، فانتفى بذلك أن تكون الكاف للتشبيه.

وقال بعضهم: الكاف زائدة. (قلت): هذا أخذه من الكرماني، ولم يبين واحد منهما أن الكاف إذا كانت زائدة ما تكون فائدته. (فإن قلت): لفظ أنا مفرد، وهو مقول قوله؟ (قلت): وقد علم أن مقول القول يكون جملة. (قلت): أنا مبتدأ وخبره محذوف تقديره أنا أحفظ أو أضبط أو نحوهما. قوله: (عليه)؛ أي: قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم. قوله: (أو عليها)؛ أي: أو على مقالته، والشك من حذيفة، قاله الكرماني . (قلت): يجوز أن يكون ممن دونه. قوله: (لجريء) خبر إن في قوله: (إنك) واللام للتأكيد، والجريء على وزن فعيل من الجراءة وهي الإقدام على الشيء. قوله: (فتنة الرجل في أهله) قال ابن بطال: فتنة الرجل في أهله أن يأتي من أجلهم ما لا يحل له من القول أو العمل مما لم يبلغ كبيرة.

وقال المهلب : يريد ما يعرض له معهن من شر أو حزن أو شبهه. قوله: (وماله) فتنة الرجل في ماله أن يأخذه من غير مأخذه ويصرفه في غير مصرفه، أو التفريط بما يلزمه من حقوق المال فتكثر عليه المحاسبة. قوله: (وولده) فتنة الرجل في ولده فرط محبتهم وشغله بهم عن كثير من الخير أو التوغل في الاكتساب من أجلهم من غير اكتراث من أن يكون من حلال أو حرام. قوله: (وجاره) فتنة الرجل في جاره أن يتمنى أن يكون حاله مثل حاله إن كان متسعا، قال تعالى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة قوله: (تكفرها الصلاة)؛ أي: يكفر فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره أداء الصلاة، قال تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات يعني: الصلوات الخمس إذا اجتنبت الكبائر، هذا قول أكثر المفسرين.

وقال مجاهد : هي قول العبد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

وقال ابن عبد البر : قال بعض المنتسبين إلى العلم من أهل عصرنا: إن الكبائر والصغائر تكفرها الصلاة والطهارة، واستدل بظاهر هذا الحديث وبحديث الصنابحي: " إذا توضأ خرجت الخطايا من فيه " الحديث.

وقال أبو عمر: هذا جهل وموافقة للمرجئة، وكيف يجوز أن تحمل هذه الأخبار على عمومها، وهو يسمع قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا في آي كثير، فلو كانت الطهارة وأداء الصلوات وأعمال البر مكفرة لما احتاج إلى التوبة، وكذلك الكلام في الصوم والصدقة والأمر والنهي، فإن المعنى أنها تكفر إذا اجتنبت الكبائر. قوله: (والأمر)؛ أي: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما صرح به البخاري في الزكاة. (فإن قلت): ما النكتة في تعيين هذه الأشياء الخمسة. (قلت): الحقوق لما كانت في الأبدان والأموال والأقوال فذكر من أفعال الأبدان أعلاها، وهو الصلاة والصوم؛ قال الله تعالى: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين وذكر من حقوق الأموال أعلاها وهي الصدقة، ومن الأقوال أعلاها وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قوله: (تموج) من ماج البحر؛ أي: تضطرب ويدفع بعضها بعضها لعظمها. وكلمة ما في (كما تموج) مصدرية؛ أي: كموج البحر، وهو تشبيه غير بليغ. قوله: (قال)؛ أي: قال حذيفة . قوله: (بأس)؛ أي: شدة. قوله: [ ص: 10 ] (لبابا) ويروى (بابا) بدون اللام. قوله: (مغلقا) صفة الباب، قال ثعلب في الفصيح: أغلقت الباب فهو مغلق.

وقال ابن درستويه : والعامة تقول: غلقت بغير ألف، وهو خطأ، وذكره أبو علي الدينوري في باب ما تحذف منه العامة الألف.

وقال ابن سيده في العويص، والجوهري في الصحاح: فأغلقت، قال الجوهري : وهي لغة رديئة متروكة.

وقال ابن هشام في شرحه: الأفصح غلقت بالتشديد، قال الله تعالى: وغلقت الأبواب وفيه نظر؛ لأن غلقت مشددة للتكثير، قاله الجوهري وغيره، وفي المحكم: غلق الباب وأغلقه وغلقه، الأولى من ابن دريد عزاها إلى أبي زيد، وهي نادرة، والمقصود من هذا الكلام أن تلك الفتن لا يخرج منها شيء في حياتك. قوله: (قال أيكسر)؛ أي: قال عمر - رضي الله تعالى عنه - أيكسر هذا الباب أم يفتح. قوله: (قال يكسر)؛ أي: قال حذيفة: يكسر. قوله: (قال إذا لا يغلق أبدا)؛ أي: قال عمر - رضي الله تعالى عنه - إذا لا يغلق أبدا هذا الباب وإذا هو جواب وجزاء؛ أي: إذا انكسر لا يغلق أبدا؛ لأن المكسور لا يعاد بخلاف المفتوح، والكسر لا يكون غالبا إلا عن إكراه وغلبة وخلاف عادة، ولفظ لا يغلق روي مرفوعا ومنصوبا، وجه الرفع أن يقال: إنه خبر مبتدإ محذوف، والتقدير: الباب إذا لا يغلق، ووجه النصب أن لا يقدر ذلك، فلا يكون ما بعده معتمدا على ما قبله، والحاصل أنه فعل مستقبل منصوب بإذن، وإذن تعمل النصب في الفعل المستقبل بثلاثة أشياء، وهي أن يعتمد ما قبلها على ما بعدها، وأن يكون الفعل فعل حال، وأن لا يكون معها واو العطف، وهذه الثلاثة معدومة في النصب. قوله: (قلنا) هو مقول شقيق. قوله: (كما أن دون الغد الليلة)؛ أي: كما يعلم أن الغد أبعد منا من الليلة يقال: هو دون ذلك؛ أي: أقرب منه. قوله: (إني حدثته) مقول حذيفة. قوله: (ليس بالأغاليط) جمع أغلوطة وهي ما يغالط بها، قال النووي : معناه حدثته حديثا صدقا محققا من أحاديث رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لا من اجتهاد رأي ونحوه، وغرضه أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت، كما جاء في بعض الروايات، قال: ويحتمل أن يكون حذيفة علم أن عمر يقتل ولكنه كره أن يخاطب عمر بالقتل؛ فإن عمر كان يعلم أنه هو الباب، فأتى بعبارة يحصل منها الغرض ولا يكون إخبارا صريحا بقتله. قال: والحاصل أن الحائل بين الفتنة والإسلام عمر - رضي الله تعالى عنه - وهو الباب، فما دام عمر حيا لا تدخل الفتن فيه، فإذا مات دخلت، وكذا كان قوله: (فهبنا)؛ أي: خفنا، من هاب، وهو مقول شقيق أيضا. قوله: (مسروقا) هو مسروق بن الأجدع، وقد تقدم ذكره. قوله: (فقال: الباب عمر )؛ أي: قال مسروق: الباب هو عمر - رضي الله تعالى عنه. (فإن قلت): قال أولا: إن بينك وبينها بابا، فالباب يكون بين عمر وبين الفتنة، وهنا يقول الباب هو عمر، وبين الكلامين مغايرة! (قلت): لا مغايرة بينهما؛ لأن المراد بقوله (بينك وبينها)؛ أي: بين زمانك وبين زمان الفتنة وجود حياتك.

وقال الكرماني : أو المراد: بين نفسك وبين الفتنة بدنك؛ إذ الروح غير البدن، أو بين الإسلام والفتنة.

وقال أيضا: (فإن قلت): من أين علم حذيفة أن الباب عمر؟ وهل علم من هذا السياق أنه مسند إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بل كل ما ذكر في هذا الباب لم يسند منه شيء إليه صلى الله تعالى عليه وسلم. (قلت): الكل ظاهر مسند إليه صلى الله تعالى عليه وسلم بقرينة السؤال، والجواب: ولأنه قال: حدثته بحديث، ولفظ الحديث المطلق لا يستعمل إلا في حديثه صلى الله عليه وسلم. (فإن قلت): كيف سأل عمر - رضي الله تعالى عنه - عن الفتنة التي تأتي بعده خوفا أن يدركها مع علمه بأنه هو الباب؟ (قلت): من شدة خوفه خشي أن يكون نسي فسأل من يذكره.

التالي السابق


الخدمات العلمية