صفحة جزء
4819 وقال داود وابن عون ، عن الشعبي ، عن أبي هريرة


داود هو ابن أبي هند واسمه دينار القشيري وابن عون هو عبد الله بن عون بفتح العين المهملة وبالنون البصري .

قوله : " عن الشعبي " أي رويا كلاهما ، عن عامر الشعبي ، عن أبي هريرة وذكر روايتهما معلقة أما رواية داود فوصلها أبو داود والترمذي والدارمي فلفظ أبي داود : لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ، ولفظ الترمذي : نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو العمة على ابنة أختها والمرأة على خالتها أو الخالة على ابنة أختها ، ولا تنكح الصغرى على الكبرى ، ولا الكبرى على الصغرى ، ولفظ الدارمي نحوه ، ولما أخرج الترمذي حديث أبي هريرة وأخرج حديث ابن عباس أيضا هكذا قال : حديث ابن عباس وأبي هريرة حديث صحيح ، قال : وفي الباب عن علي وابن عمر وعبد الله بن عمرو ، وأبي سعيد ، وأبي أمامة وجابر وعائشة ، وأبي موسى ، وسمرة بن جندب رضي الله تعالى عنهم .

وقال شيخنا زين الدين : حديث علي رواه أحمد في مسنده وحديث ابن عمر رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ، وفيه جعفر بن برقان فالجمهور على تضعيفه وحديث عبد الله بن عمرو رواه أحمد وابن أبي شيبة ، ولفظه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة : " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها " وحديث أبي سعيد أخرجه ابن ماجه ولفظه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : نهى عن نكاحين أن يجمع بين المرأة وعمتها ، وبين المرأة وخالتها ، وأخلى شيخنا موضعا لحديث أبي أمامة وحديث جابر عند البخاري ، وحديث عائشة أخلى موضعه أيضا ، وحديث أبي موسى أخرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف ، وحديث سمرة بن جندب رواه الطبراني في الكبير وأخرج شيخنا ، عن عتاب بن أسيد ، عن الطبراني فيه موسى بن عبيدة ، وهو ضعيف عندهم وبقي الكلام في موضعين :

الأول : أن أبا عمر ذكر في التمهيد ، عن بعض أهل الحديث أنه كان يزعم أن هذا الحديث لم يسنده أحد غير أبي هريرة ولم يسم قائل ذلك من أهل الحديث ، قال شيخنا : أظنه أراد به الشافعي رضي الله تعالى عنه فإن كان أراده فهو لم يقل لم يروه ، وإنما قال : لم يثبت وقد روى كلامه البيهقي في السنن والمعرفة أيضا فرواه بإسناده الصحيح إليه أنه قال : ولم يرو من جهة يثبته أهل الحديث ، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عن أبي هريرة قال : قد روي من حديث لا يثبته أهل الحديث من وجه آخر قلت : اعترض صاحب الجوهر النقي على البيهقي بأن قال : وقد أثبته أهل الحديث من رواية اثنين غير أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فإنه أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس وأخرجه الترمذي وقال : حسن صحيح ، وأخرجه البخاري من حديث جابر فيحمل على أن الشعبي سمعه منهما أعني أبا هريرة وجابرا ، وهذا أولى من تخطئة أحد الطرفين إذ لو كان كذلك لم يخرجه البخاري في الصحيح ، وقال شيخنا : سماع الشعبي منهما صرح به حماد بن سلمة في روايته لهذا الحديث ، عن عاصم ، عن الشعبي ، عن جابر وأبي هريرة وكذلك ذكره الحافظ المزي في الأطراف إلا أن البيهقي في المعرفة حكى ، عن الحفاظ أن رواية عاصم خطأ وذلك أن حديث جابر وإن أخرجه البخاري فإنه عقبه بذكر الاختلاف فيه فقال بعد أن رواه من رواية عاصم ، عن الشعبي ، عن جابر ، ورواه داود وابن عون ، عن الشعبي ، عن جابر ، ورواه داود وابن عون ، عن الشعبي ، عن أبي هريرة ، وإذا تبين لك الاختلاف الذي وقع فيه فقد أحالك على الترجيح فنظرنا بين عاصم الأحول ، وبين داود وابن عون ، وكل واحد منهما لو انفرد كان أول ما يؤخذ بقوله دون عاصم ; لأنهما مجمع على عدالتهما ، ولم يتكلم أحد فيهما وتكلم في عاصم غير واحد عموما ، وخصوصا ، أما عموما فقال ابن علية : [ ص: 107 ] كل من اسمه عاصم في حفظه شيء وأما خصوصا فقد قال يحيى بن معين : كان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عن عاصم الأحول يستضعفه ، وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالحافظ عندهم ولم يحمل عنه ابن إدريس لسوء ما في سيرته ، وقال بعضهم نصرة للبخاري : إن هذا الاختلاف لا يقدح عند البخاري ; لأن الشعبي أشهر بجابر منه بأبي هريرة وللحديث طريق آخر ، عن جابر بشرط الصحيح أخرجه النسائي من طريق ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر والحديث أيضا محفوظ من أوجه ، عن أبي هريرة فلكل من الطريقين ما يعضده ، انتهى . قلت قوله : وللحديث طريق آخر إلى آخره غير صحيح ; لأن رواية أبي الزبير لا يحتج بها لأنه مدلس وقد قال الشافعي : لا نقبل رواية المدلس حتى يقول ، حدثنا وقال غير الشافعي أيضا ، ومع ذلك قال الشافعي : لا يحتج بروايات أبي الزبير الموضع الثاني مشتمل على أحكام الأول احتج به على تخصيص الكتاب بالسنة ، ولكن فيه خلاف فعندنا يجوز بالأحاديث المشهورة قال صاحب الهداية : هذا الحديث من الأحاديث المشهورة التي يجوز بمثلها الزيادة على الكتاب ، وعند الشافعي وآخرين يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الآحاد .

الثاني : أجمع العلماء على القول بهذا الحديث فلا يجوز عند جميعهم نكاح المرأة على عمتها وإن علت ، ولا على ابنة أخيها ، وإن سفلت ، ولا على خالتها وإن علت ، ولا على ابنة أخيها وإن سفلت .

وقال ابن المنذر : لا أعلم في ذلك خلافا إلا عن فرقة من الخوارج ولا يلتفت إلى خلافهم مع الإجماع والسنة وذكر ابن حزم أن عثمان البتي أباحه وذكر الإسفرايني أنه قول طائفة من الشيعة محتجين بقوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم قال أبو عبيد : فيقال لهم : لم يقل الله تعالى : إني لست أحرم عليكم بعد ، وقد فرض الله تعالى طاعة رسوله على العباد في الأمر والنهي فكان مما نهى عن ذلك وهي سنة بإجماع المسلمين عليها .

الثالث : يدخل في معنى هذا الحديث تحريم نكاح الرجل المرأة على عمتها من الرضاعة وخالتها منها لأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .

الرابع : كما يحرم الجمع بين من ذكر في الحديث بالنكاح يحرم الجمع بينهما بملك اليمين أيضا فيهما أو في أحدهما . والحكم للنكاح المتقدم أما إذا كان أحدهما بالنكاح والأخرى بملك اليمين فالحكم للنكاح وإن تأخر ; لأنه أقوى كما إذا وطئ أمته بملك اليمين ثم تزوج عمتها أو خالتها أو بنت أخيها فإن النكاح صحيح وتحرم عليه الموطوءة بملك اليمين حتى تبين منه التي تزوجها آخرا .

الخامس : إنما يحرم ذلك بسبب القرابة والرضاع فقط أما بسبب المصاهرة فلا على الصحيح وذلك كالجمع بين المرأة وزوجة أبيها أو بينها وبين أم زوجها فإنه لو قدر إحداهما ذكرا حرم عليه نكاح الأخرى ، ومع ذلك فلا يحرم الجمع بينهما ; لأن هذا بالمصاهرة ، وذاك بالقرابة وهذا مذهب أبي حنيفة ، والشافعي ، والأوزاعي وغيرهم .

وحكى ابن عبد البر ، عن قوم من السلف أنه يحرم الجمع أيضا على هذه الصورة .

السادس : أن عند أبي حنيفة وأحمد أنه إذا طلق العمة أو الخالة أو ابنة الأخ أو ابنة الأخت طلاقا بائنا فلا يحل له نكاح الأخرى مادام في زمن العدة وذهب مالك والشافعي إلى أنه يباح له الأخرى بمجرد البينونة وإن لم تنقض العدة لانقطاع الزوجية حينئذ وليس فيه الجمع بينهما .

التالي السابق


الخدمات العلمية